الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الهسكلاه في غرب أوربا






لقد كان مهد الهسكلاه ومركزها في برلين بألمانيا حيث عاش اليهود هناك تحت حكم (فريدريك الثاني) في يسر ورخاء أكثر من معاصريهم من اليهود في أي مكان آخر في أوربا. وكانت بدايات الهسكلاه تتمثل في نشاط (موشيه مندلسون) الذي كان يتمتع بوضع خاص في مجال الأدب وعلم الاجتماع بألمانيا، وعن طريق أعماله أمكن القول أنه رائد الهسكلاه؛ أي أنه محول التطلع إلى المعرفة. وقد برز بين المسكيليم في ألمانيا مدرستين.

مدرسة مندلسون المنطقية:

وتسمى أيضاً باسم مدرسة (الشراح)، وقد اتخذت من اللغة الألمانية وسيلة لنشر الهسكلاه، وقد تزعمها (موشيه مندلسون) الذي يعتبر رائدًا للهسكلاه.
لقد حاول مندلسون تحطيم ما أسماه بالجيتو العقلي الداخلي الذي أنشأه اليهود حول أنفسهم لموازنة الجيتو الخارجي الذي يعيشون فيه. ولهذا حاول مندلسون أن يبين العلاقة بين الدين والعقل، ورفض الاعتراف بالجوانب اليهودية التي تتنافى مع العقل، وذهب إلى حد الإيمان بأن اليهودية ليست دينًا مرسلاً من عند الله، بل هي مجموعة من القوانين الأخلاقية، وأنه عندما تحدث الله مع موسى - عليه السلام - في سيناء لم يذكر له أي عقائد، بل ذكر له طريق للسلوك يتبعه الأفراد في حياتهم الشخصية.
وانتقد مندلسون سيطرة الحاخامات على الديانة اليهودية واليهود، لذلك وجه نضاله إلى تحطيم الأسوار الخارجية للجيتو والتي تحبس اليهود عن الاتصال بالعالم الخارجي وفلسفاته ومعارفه الحديثة التي تتجاوز النمط الديني في ممارسة الحياة.
لقد حاول مندلسون أن يعيد تعليم إخوانه اليهود ليمكنهم من الاندماج مع بقية الشعوب
الأوروبية، فقام بترجمة أسفار موسى الخمسة (التوراة) إلى الألمانية ليقضي على عزلة اليهود الموضوعية والنفسية، وكذلك كتب تعليقًا مستنيرًا على العهد القديم (التوراة – الأنبياء – المكتوبات).
وقد حرم الحاخامات اليهود تداول ترجمة مندلسون للتوراة، هذه الترجمة التي تُعد خطوة واسعة نحو استنارة اليهود ودمجهم بالمجتمعات الأوروبية المعاصرة لهم، وقد أراد مندلسون عدة أمور من وراء هذه الترجمة؛ منها:

أ - تعليم اليهود الألمان لغة ألمانية صحيحة بدلاً من لغة الييدش التي تعتبر جيتو لغوي آخر ينغلقون داخله.
ب- فهم التوراة وفقًا لروح العصر الذي يحيون به.
جـ- تقديم بلاغة عبرية نقية بدلاً من لغة الحاخامات العقيمة المعقدة.
د – تبسيط التوراة بدلاً من السفسطة الربانية التي يمارسها الربانيون في كتاباتهم.

ويُعد دور مندلسون ـ الذي عرضنا له ـ في حركة الهسكلاه دورًا محوريًا، لأنه أيقظ شعبه ووجه اهتمامه نحو الموضوعات العلمانية. ولقد حققت ترجمته للتوراة إلى الألمانية ثورة هائلة في الحياة الثقافية اليهودية، إذ أنها ساعدت الألمان على الإلمام باللغة الألمانية ومن ثم بالثقافة الألمانية المعاصرة لهم.


مدرسة أتباع مندلسون:

على خلاف ما فعل مندلسون، قامت هذه المدرسة بالاعتماد على اللغة العبرية كوسيلة لنقل العلمانية إلى حياة اليهود وصبغ الأدب اليهودي بروح الثقافة الأوروبية. وتعرف هذه المدرسة أيضاً باسم مدرسة "هامأسفيم"( )- الجامعيين؛ وذلك نسبة إلى مجلة (هامأسيف) والتي كان من أهدافها: نشر أشعار أوروبية أصيلة مترجمة إلى العبرية، ونشر مقالات في اللغة العبرية، وشروح العهد القديم، ومقالات عن التلمود، وموضوعات علمانية وأخلاقية أخرى، وكذلك نشر تاريخ كبار الحكماء اليهود والتاريخ المعاصر (تاريخ اليهود والشعوب الأخرى).

ومن رواد هذه المدرسة الأديب (نفتالي هيرتس فيزل) الذي يُعد من أنبغ تلاميذ (موشيه مندلسون)، وقد اقترح فيزل خطة جديدة لتعليم الشباب اليهود وهي خطة لا تولي اهتمامًا بدراسة التلمود مما أثار حفيظة الربانيين.
وفي عام 1822 أصدر قيصر النمسا (جوزيف الثاني) مرسوم التسامح الذي دعا فيه يهود النمسا إلى التنوير ووعدهم بمساواتهم مع سائر الرعايا، وقد وقف المتدينون من هذا المرسوم موقف الشك، مما دفع فيزل إلى نشر كراسات أسماها "أقوال السلام والحقيقة"، هاجم فيها المتدينين وأكد على حتمية الإصلاحات العلمانية وضرورة الدراسات الدنيوية؛ وخاصة اللغات الحديثة؛ ودراسة اللغة العبرية، وخاصة عبرية العهد القديم.

والحقيقة أن دول غرب أوربا بدأت مع حلول نهاية القرن الثامن عشر تدعو إلى مساواة الحقوق بين اليهود ومواطني تلك الدول التي يعيشون فيها، ولعل البداية كانت من ذلك المرسوم الذي أصدره قيصر النمسا (جوزيف الثاني) .. "مرسوم التسامح".
وقد تواكب ذلك مع قيام الثورة الفرنسية، وإصدار الجمعية الوطنية الفرنسية مرسومًا بمساواة الحقوق بين اليهود والفرنسيين. ولم تطل الأيام حتى وصل ما حدث في فرنسا إلى بلاد أخرى، وخلال سنوات قليلة أعطيت حقوق المواطنة لليهود في كل البلدان الأوروبية الغربية والوسطى. وقد ساهم المسكيليم (المتنورين اليهود) في تلك المحاولات والإجراءات التي قام بها كل من (فريدريك الكبير)، و(جوزيف الثاني) لدمج اليهود في الحياة العامة للدولة.
زادت في فترة الاستقرار التي عمت أوروبا عقب سقوط نابليون نبرة الكراهية لليهود خاصة في ألمانيا، وسحبت منهم تلك الحقوق التي نالوها. غير أن اليهود الألمان واصلوا نضالهم من أجل تحقيق المساواة بينهم وبين المواطنين الألمان.

وقد تزعم (أفرهام جايجر) الحركة اليهودية الإصلاحية في ألمانيا وحاول أن يضفي على اليهودية مسحة عصرية أقل قبلية وأكثر عالمية، فنادى بأن اليهودية دين له رسالة عالمية شاملة ليست مقصورة على شعب من الشعوب. ولهذا ركز هجومه على فكرة الختان، وقوانين الطعام اليهودي، وعلى عقيدة الشعب المختار، وعلى تصور أن اليهود يكونون شعبًا عالميًا، وعلى استخدام اللغة العبرية في المعابد اليهودية، كما هاجم كذلك كل المفاهيم اليهودية ذات النزعة الدينية الخالصة للخصوصية. فنشر في عام 1854 كتاب "كتاب الصلوات"؛ وفيه اختفت أي إشارة إلى العودة إلى أرض الميعاد المزعومة. ثم ركز كتاباته على الدراسات التاريخية وتطور اليهود والعهد القديم.

ولقد بالغ الإصلاحيون من المسكيليم في إصلاحاتهم، فدعوا اليهود إلى التقرب أكثر من الألمان والاندماج فيهم كي يصبحون شعبًا واحدًا، كما بدلوا لغة الصلوات لتصبح باللغة الألمانية ومحوا من كتب الصلوات أي ذكر لكلمات "صهيون"، أو"أورشليم"، وبلغ بهم الغلو إلى حد حذف كل الصلوات التي تدعو إلى صهيون وإحياء إسرائيل، واستبدلوا السبت المقدس بالأحد.
ولم يتوقف أمر الإصلاحيين عند هذا الحد، فرفض بعض المسكيليم القومية اليهودية والدين اليهودي، مما أثار معارضة كبيرة من جانب اليهود والأرثوذكس المحافظين (الأصوليين) الذين رفضوا الهسكلاه، وقالوا أنها تؤدي إلى ابتعاد اليهودي عن شعبه وتؤدي إلى تغيير دينه.

التعليقات