الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الهسكلاه في شرق أوروبا وروسيا


الهسكلاه في شرق أوروبا:

كانت الغالبية العظمى من اليهود تعيش في شرق أوروبا وخاصة في بلدان: بولندا – ليتوانيا – لاتفيا – استونيا – فنلندا – صربيا – بوكوبينا – روسيا.
وكانت روسيا عبر تاريخها متأخرة بعض الشيء عن بقية الشعوب الأوروبية، وكان يهودها معزولين داخل جيتو كبير يسمى بـ "هايشوف هايهودي" (الاستيطان اليهودي)، وبالرغم من أنه لم يكن قاصرًا على عددٍ من الحواري والأزقة الضيقة المحاطة بسور في مؤخرة المدينة ـ والمتميزة بطابعها اليهودي الخالص ـ إلا أن هذا "اليشوف" يضم عددًا كبيراً من المدن والقرى الواسعة، وقد حافظ "اليشوف اليهودي" على كل الجوانب السلبية والإيجابية للجيتو اليهودي في غرب أوروبا. كذلك خلق لليهود كيانًا ذاتيًا حافظوا فيه على روح اليهودية وإقامة الشريعة اليهودية، كما شهد "اليشوف اليهودي" حربًا طائفية دينية بين "الصديقيم"( ) (צדיקים: أتباع الحركة الحسدية חסידוֹת)، و"الربانيم"( ) (רבאנים: أتباع الشريعة التلمودية واليهودية التقليدية؛ وهم أغلب الحاخامات).

الهسكلاه في روسيا:

تطلع اليهود في روسيا وليتوانيا إلى تغيير نظام حياتهم القديم وإلى اعتناق أفكار الهسكلاه ومبادئها. وخلال الأعوام من 1860 إلى 1870م بدأت إشعاعات الهسكلاه تصل إلى منطقة الاستيطان اليهودي في مركزين من مراكز روسيا؛ وهما:
أ- فيلنا: كانت معركة الهسكلاه هناك شديدة وعلى جبهتين مختلفتين. فقد تصدت الهسكلاه للحركة الحسدية من جهة، وصارعت مرارة التعصب الديني لدى الربانيين من جهة أخرى. غير أنها وجدت أرضًا خصبة لها هناك.
ب- أوديسيا: كانت معركة الهسكلاه فيها سهلة بعض الشيء، فمجتمعها اليهودي كان جديدًا ليست فيه تقاليد الأجيال القديمة.
لقد أسست الحكومة الروسية مدارس لليهود وقدمت تسهيلات مختلفة للدراسة بها، وتحسن وضع اليهود الروس قليلاً أيام القيصر (ألكسندر الثاني)، حيث ألغيت الكثير من الأحكام المقيدة لحركتهم بهدف القضاء على الانعزالية اليهودية داخل نطاق "اليشوف اليهودي" الضيق، وبهدف إذابتهم في المجتمع الروسي، وجعلهم عناصر خلاقة تساهم في بناء المجتمع الروسي.

واعتقد "المسكيليم الروس" - المثقفون الروس - أنهم إذا اتخذوا نفس الأمور التي صنعها إخوانهم "المسكيليم الألمان" فإن مركزهم من رعايا القيصر (ألكسندر الثاني) سوف تتحسن ويصبحون مثل يهود ألمانيا، فأعلنوا الحرب على رجال الدين، وأقاموا دعايتهم باللغة العبرية فألفوا بها الكتب والمجلات.

وكانت مبادئ وأفكار دعاة الهسكلاه في روسيا تتركز على: العمل على دمج اليهود اجتماعيًا مع الشعب الروسي وإلغاء العزلة التي فرضوها على أنفسهم، والاتجاه إلى المهن المنتجة للإسهام في بناء المجتمع الروسي، وممارسة الزراعة في روسيا كوسيلة للارتباط بالأرض، وتجريد الدين اليهودي من الأساليب التلمودية البالية التي تمارس داخل مناطق الاستيطان، وكذلك الانفتاح على كل الثقافات الأجنبية والأخذ منها.
وإذا كان "المسكيليم الألمان" قد انكبوا على تعلم اللغات الأجنبية وخاصة الألمانية، فإن "المسكيليم الروس" أقبلوا على تعلم اللغة العبرية ونشرها ونشر الكتب بها، وقد تناولت موضوعاتهم صهيون وفلسطين.
يعتبر الأديب (إسحق برليفنسون) رائد الهسكلاه في روسيا، فهو الذي اقترح إجراء تغييرات في نظام التعليم اليهودي، واستعار أقوال حكماء إسرائيل ليؤكد على أهمية العمل اليدوي والزراعة وتعلم اللغة العبرية، وكان أشد "المسكيليم" دفاعًا عن "الهسكلاه" - التنوير، وعرض برنامجًا لتحسين حياة اليهود الروس يقوم على التربية العلمانية والاتجاه إلى المهن اليدوية وخاصة الزراعة.
لقد حاول "المسكيليم" - المثقفون - الأوائل في روسيا أن يوفقوا بين نظرياتهم في التنوير وبين التقاليد اليهودية القديمة، ولكن الآخرين منهم هاجموا الأحبار وسلوكهم، وقد أثر "المسكيليم" أشد تأثير على الدوائر العلمية وخاصة بين الطلاب الجامعيين، وظلت حركة الهسكلاه الروسية في صعود حتى تحطم الحلم تماماً وفجأة وبشكل عنيف نتيجة مذابح 1881 – 1882م، ليجد اليهود أنفسهم ضحايا لعنف وبربرية قيصر( ).

أثبتت "الهسكلاه" - حركة التنوير العبرية - أنها كانت تتعلق بالسراب وكان رد فعل اليهود المؤيدين لها أن حولوا أفكارهم بشدة نحو فكرة القومية اليهودية.

في أعقاب أحداث روسيا 1881 – 1882م نهضت فكرة القومية اليهودية نهوضًا غير مسبوق. ويتفق معظم الباحثين اليهود مع هذا الرأي، "فمن المتعارف عليه أن بداية ثمانينات القرن الماضي هي نقطة التحول في الثقافة اليهودية الحديثة، فقد أنهت رواية "عواصف في النقب"، وأحداث روسيا (1881 – 1882م) على فترة "الهسكلاه العبرية"، وأعلنت بداية عهد جديد ليهود أوروبا"( ).

التعليقات