الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

انتكاس الهسكلاه




انتكاس الهسكلاه:

عندما ظهر جيل جديد بين اليهود يهتم بالفعل بالعلوم الدنيوية، لكن بهدف أن يُحسن أحواله الاقتصادية، وأن يتمتع بحقوقه مع أفراد الشعوب الأوروبية المختلفة، أصابت "المسكيليم" - المثقفون - خيبة أمل شديدة جدًا، إذ أنهم اكتشفوا أن جهودهم على امتداد ما يقرب من قرن لنشر العلوم غير الدينية قد باءت بالفشل.
لقد تحطم النموذج المثالي لليهودي الذي داعب أخيلة رجال "الهسكلاه" - التنوير - والذي أعلن عنه ليف جوردون في شعار الحركة، ألا وهو: "كن يهوديًا في بيتك.. إنسانًا خارجه".
لقد سعى الشباب اليهودي إلى الانصهار داخل المجتمع الأوروبي، فكثر منهم الأطباء، والمحامين، ورجال المال، ونسوا تقاليد اليهودية وتراثها، وأصبحوا بعيدين تمامًا عن الجماعات اليهودية، بل لقد عبروا عن انصهارهم في المجتمعات الأوروبية باشتراكهم وقيادتهم للحركات الثورية التي اجتاحت أوروبا في بدايات القرن العشرين؛ وخاصة الثورة البلشفية (ثورة أكتوبر 1917م في روسيا). لقد أصبحوا يسعون للخلاص داخل النسيج الأوروبي لا داخل النسيج اليهودي، خلاص للمجتمع الأوروبي ومشاكله الاجتماعية والاقتصادية، لا خلاص للشعب اليهودي ومشكلته.
لقد تسبب ذلك – من وجهة نظر "المسكيليم" – في تدهور برنامجهم الإصلاحي اليهودي، فأصبح اليهودي غير يهودي خارج بيته وداخله. على خلاف ما نادى به ليف جوردون؛ "كن يهوديًا في بيتك.. إنسانًا خارجه"، لقد أصبح الشباب اليهودي أوروبيًا تمامًا.

كان لأحداث 1881 – 1882م في روسيا القيصرية الفضل في صرف جماهير اليهود عن النظر إلى بؤسها وتعاستها وتخلفها، إلى النظر إلى تطلعات وخيالات القومية. تبدأ قصة مذابح 1881 – 1882م باغتيال قيصر روسيا، ثم نسب التهمة بواسطة الربانيون إلى خمسة من شباب اليهود، فيجد القيصر الجديد نفسه مدفوعًا للانتقام من اليهود.. وكانت خطة الربانيين معقدة لكنها ترد اليهود إلى حظيرة التلمود والقومية اليهودية بدل من الاندماج في المجتمع الروسي الذي أخذ يذيقهم العذاب. وهي الخطة ذاتها التي سيستخدمها أحفادهم الصهاينة في ألمانيا لتهجير اليهود إلى فلسطين.
وكانت مذابح 1881 – 1882م التي أطلق عليها اسم "البوجروم"( ) (Pogrom كلمة روسية تعني غارة أو مذبحة) دافعًا رئيسيًا لإعادة المثقفين اليهود إلى التقوقع داخل القومية اليهودية مرة أخرى – كما أراد لهم الربانيون – والبحث داخل التعاليم اليهودية القديمة بصورة جديدة. لقد قضت هذه المذابح على دعاوى "الهسكلاه" - التنوير- التي بشرت اليهود بأن مجتمعاتهم الأوروبية سوف تمنحهم الأمن والمساواة في الحقوق مع المواطنين الأوروبيين، وكان من بين ردود أفعال اليهود الروس أن تركوا الإمبراطورية القيصرية وهاجروا إلى المجتمع الجديد الناشئ على ضفاف الأطلسي، فهاجر حوالي 2.5 مليون يهودي إلى أمريكا في الفترة من 1882 – 1914م، ولم يذهب إلى فلسطين سوى أعداد ضئيلة جدًا. وهكذا انسحبت أفكار "الهسكلاه" - التنويرية - من المسرح المجتمع اليهودي في أوروبا بعد أن أثبت الربانيون لليهود فشلها وعدم جدواها، لكن بعد أن فتحت أبواب الثقافة العالمية أمام اليهود لينالوا منها حظهم وفتحت الباب لتقبل أفكار جديدة، وكذلك مهدت الأرض اليهودية لبذور القومية.

التعليقات