الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

عصر الصهيونية - 1

عصر الصهيونية:

تروق لي تسمية الفترة من 1895م حتى إعلان قيام دولة الاحتلال الصهيوني في مايو 1948م باسم "عصر الصهيونية"، وذلك راجع لأن هذه الفترة شهدت نشأة فكرة الصهيونية، وتمخضت فيها الحركة الصهيونية عن سلسلة من المؤتمرات بدأت في مدينة بازل بسويسرا 1897، وتلا ذلك سلسلة من الإجراءات التنفيذية لأفكار ومقررات الحركة والمؤتمرات.

وإذا كنا هنا بصدد التأريخ أو الحديث عن تاريخ الصهيونية، فهذا لا يعني سوى أمر واحد ـ من وجهة نظري ـ ألا وهو، الحديث عن الوعي اليهودي، وتاريخ مقاومة اليهود المستمرة للانصهار والاندماج في الشعوب والقوميات الأخرى.
قد يبدو ذلك متناقضًا مع ما قد فصلنا له القول في حديثنا عن حركة الهسكلاه (التنوير اليهودية) ودعوتها، لكن المتأمل بعمق لهذه الحركة ـ حركة الهسكلاه (التنوير) ـ ودعوتها، سيرى أنها كانت تدعو ظاهريًا للاندماج في المجتمعات الأوروبية، بينما هي في حقيقة الأمر تكرس وتدشن للمحافظة على عزلة اليهود خاصة في شرق أوروبا ومدرسة أتباع مندلسون في غرب أوروبا. ويجب أن نعترف أن صراع حركة الهسكلاه (التنوير) الأساسي لم يكن مع أسوار الجيتو (الطبقية، واللغوية، والثقافية، والدينية، والنفسية)، بل كان صراعها الأساسي مع تعاليم التلمود والربانيين المتحكمين في حياة اليهود.

إننـا نستـطيع أن نسـمي فـترة "عـصر الهسكلاه" (التنوير) باسم "صهيونية ما قبل هرتزل"، وستظل تصريحات العهد القديم ووعوده واختيار الرب لبني إسرائيل كشعب له، هي الركيزة الأساسية في وعي أي يهودي، ومنطلق يتحرك منه قبل هرتزل، أو في وجود هرتزل، أو بعد هرتزل، أو أثناء قيام دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين حتى عصرنا الحديث هذا.

من أجل تعريف الصهيونية :

إن الصهيونية ككلمة تنسب نفسها إلى جبل صهيون في فلسطين، وهو أحد الجبلين الذين تقوم عليهما مدينة القدس القديمة التي كانت عبارة عن حصن منيع شيده داود - عليه السلام - مع تأسيس مملكته فوق جبل صهيون، ليكون الحصن درعًا له إذا ما حدث هجوم.
كل الطرق إذن تؤدي إلى داود؛ فهو المنقذ، وهو مؤسس المملكة التي كانت بمثابة العصر الذهبي لليهود في فلسطين، وهو الذي يأتي من نسله المسيح المخلص، وهو الذي شيد عاصمة ملكه على جبل صهيون. فالصهيونية من هذا المنطلق يمكن تعريفها بأنها عبارة عن: التخطيط والتنظيم السياسي الذي يعمل على عزل الطوائف اليهودية الحديثة بهجرتها إلى فلسطين لإستعادة مجدٍ قديمٍ (يوتوبي) هو ملك داود وسليمان - عليهما السلام - تكون عاصمته القدس التي تقع فوق جبل صهيون.
وهذه كلها أساطير؛ أو كما يسميها جارودي في كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" حيث يعرض (جارودي) لنوعين من الأساطير؛ هما:
1. أساطير لاهوتية، ومنها: أسطورة أرض الميعاد ـ أسطورة الشعب المختار ـ أسطورة التطهير العرقي.
2. أساطير القرن العشرين؛ ومنها: أسطورة معاداة الصهيونية للفاشية ـ أسطورة عدالة نورمبرج ـ أسطورة المذبحة المزعومة ـ أسطورة أرض بلا شعب وشعب بلا أرض.( )

إن هذه الأساطير التي استعرضناها ما هي إلا رؤى ميتافيزيقية.

فالأسطورة كما يعرفها (ميرسيا إلياد)؛ "هي واقعة ثقافية شديدة التعقيد، يمكن مباشرتها وتفسيرها من منظورات متعددة، يكمل بعضها بعضا".( )

فالصهيونية وهي تستخدم هذه الأساطير الميتافيزيقية، فإنها تستخدم الوعي اليهودي الذي يؤمن بها. ولهذا، فهي ـ أي الصهيونية ـ قائمة على رؤى ميتافيزيقية لا تستند إلى الواقع بشئ. وقد استطاعت باستخدام هذه الأساطير، أن تفرض هيمنتها الفكرية على المنتمين إلى الديانة اليهودية، لتجعلهم أداة أخرى في يدها لتطبيق هذه الأساطير على الواقع في صورة دولة يهودية استيطانية في فلسطين.
خذ دليلاً على هذا، قول الحاخام جاكوب أ . بينوتشوفسكي: "إن الصهيونية تحاول التحكم في مصير الأقليات اليهودية في العالم، باسم مركزية إسرائيل في حياة الشتات، وذلك عن طريق التدخل في شئونهم دون استشارتهم"( ).

شرارات الصهيونية:

إذا كنت قد أطلقت على "عصر الهسكلاه" (التنوير) أو ما اطلقتُ عليه "صهيونية ما قبل هرتزل"، فإني أطلق على حركة محبي صهيون "شرارة الصهيونية"، وذلك لاحتوائها على فكرة إحياء صهيون.
إن هذه الحركة سادها اتجاهان فكريان بالأساس، اتجاه يتزعمه (أحد هاعام) مؤسس "جمعية بني موسى" Ben Moshe order حاملاً أولوية نشر الثقافة الروحية( )، والتي عرفت فيما بعد باسم "الصهيونية الروحية" قبل استيطان فلسطين. والاتجاه الآخر، يتزعمه (ليلينبلوم)، ويدعو إلى البدء الفوري في الأعمال الاستيطانية.( )
آحد هاعام:

اسم مستعار يعني "أحد العامة"، وصاحبه هو الأب الروحي للصهيونية الروحية، إنه (أشير يشعياكفو جنزبرج) الذي ولد في قرية قريبة من كييف سنة 1856م. درس التلمود كعادة اليهود، غير أنه درس علوم عصره في برلين وفيينا قبل أن يستقر في أوديسيا ليتصل بحركة محبي صهيون هناك، ويمارس كتابة المقالات ونشرها في صحيفة "هميليتز" تحت اسم (آحد هاعام)، تلك المقالات التي عبرت عن انفراده بوجهة نظر مغايرة لاتجاه الحركة (محبي صهيون)، لكن في صورة نقد شديد للطرق التي تسلكها الحركة لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كما أنكر صلاحية فلسطين لاستيعاب جميع اليهود.
كانت وجهة نظر (آحد هاعام) أن إنقاذ اليهود لن يكون بإصلاح أوضاعهم الاقتصادية، ولكن إنقاذ اليهود يكون بحفظ روح اليهودية؛ وأن فلسطين لن تصلح لإصلاح الروح اليهودية المحطمة بالإقامة فيها، لكن بإنشاء مركز روحي ثقافي تخرج منه أفكار تثقف اليهود المشردين في الأرض، وبذلك يمكن توحيدهم وتهيئتهم للعودة إلى فلسطين. وكما أكد (آحد هاعام) على أهمية المركز الروحي، أكد على أهمية أن يبنى هذا المركز على أساس مبدأ حب صهيون.

جماعة بني موسى:

لكي يترجم (آحد هاعام) أفكاره وآراءه، أسس جماعة سماها "بني موسى" يتحلى أعضاؤها بأخلاق عالية رفيعة، يعملون من أجل إحياء القومية اليهودية في روح مثالية، وقد انضم إلى هذه الجماعة قادة حركة محبي صهيون.
في عام 1891م، زار (آحد هاعام) فلسطين نيابة عن لجنة أوديسا، ثم زارها مرة أخرى سنة 1893م، وكتب تقارير عن الزيارتين، اقترح فيها شراء أراضي فلسطين من العرب، وإرسال معونات، وشدد على ضرورة التركيز على الأعمال الثقافية.
وقد عملت جماعة بني موسى على ترقية التعليم اليهودي، ففتحت أول مدرسة عبرية للبنات في يافا، ثم سلسلة من المدارس العبرية في القرى، كذلك أسست شركتين لنشر وتوزيع كتب الأدب العبري في روسيا.
وفي عام 1896م، أسس (آحد هاعام) مجلة عبرية شهرية اسمها (هاشيلوه) ـ الاسم نسبة إلى خيمة الاجتماع ـ وكان يحررها بنفسه حتى عام 1902م، وكان يكتب بها زعماء الكتاب العبريين المعاصرين، وكان لها تأثير كبير على يهود شرق أوروبا.

التعليقات