الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

عصر الصهيونية - 2


عصر هرتزل:

"من المفارقات التي يشير إليها دارسو الصهيونية أنها بدأت باعتبارها حركة تهدف إلى الحفاظ على الهوية اليهودية والخصوصية اليهودية، ولكنها في نهاية الأمر أدت إلى زيادة معدلات الاندماج. فقد ساهمت الصهيونية، ابتداء في زيادة معدلات العلمنة بين اليهود حتى طرحت تعريفًا قوميًا أو عرقيًا لليهودي( ) ليحل محل التعريف الديني الإثني، وحين جعلت التزام اليهود ينصب على أثنيته أساسًا، بينما جعلت الالتزام الديني مسألة ثانوية مكملة للانتماء الإثني أو يمثل تجليًا له. وقد أدى هذا بكثير من اليهود إلى التخـلي عن عـقيدتهم وعـن كثير من شعائرهم، وكانت هذه مصدرًا أساسيًا لخصوصيتهم. وقد تساءل الحاخام موريتز جـوديمان، كبير حاخامات فيينا؛ في رده على تيودور هـرتزل وعلى الدعـوة القـومية، فقال: من هو أكثر ذوبانًا وانصهارًا: اليهودي القـومي الذي يتجـاهل الشعـائر الخـاصة بيوم السـبت وبالطــعام؟ أم اليهـودي المؤمن الذي يؤدي الشعـائر الدينيـة ويكون في الوقـت نفـسه مواطنًا كاملاً مخلصًا لبلاده؟"( ).

"ويرى المفكر الإسرائيلي إمنون روبنشتاين أن هناك عاملان غذيا الصحوة القومية اليهودية في نهاية القرن التاسع عشر، وهما: الانجذاب نحو صهيون، ورفض الانصهار"( ).

حياة هرتزل الأولى:

ولد هرتزل في بودابـست، في 2 مايو 1860م؛ وكان الابن الوحيد لثري في وسط يهودي مندمج، وكان لا يعرف شيئًا عن الشئون الدينية اليهودية إلا معلومات سطحية بسيطة. درس القانون في جامعة فيينا، وتخرج عام 1884م، وبعد أن تدرب في مكاتب المحامين، كرس حياته للأدب وحقق لنفسه مركزًا مرموقاً بمقـالاته ومسـرحـياته، ثم عين مراسلاً لصحيفة فراي الجديدة في باريس، وهي صحيفة كبيرة تصدر من فيينا، وكان عمره وقتها 31 عامًا.
من خلال هذه الخطوات الأولى في حياة هرتزل، يمكننا تبني مقولة د. رشا عبد الله الشامي: "إن هـرتزل يعـتبر نـموذجًا لجـيل كامل من اليهـود المنصهـرين الذين شـقـوا طـريقهم إلى الصهيونية"( ).

في صــيف 1895م؛ وخـلال أسـابـيع كتب هـرتزل آراءه واقـتـراحــاتـه في كـتـيـب باســـــم Der Judenstaat أي "الدولة اليهودية"، ولم ينشرها في الحال بل عرض المسودة على صديق له، فظن الصديق أن هرتزل أصابه الجنون، فعـرض المسودة على الطبيب النفساني اليهودي (ماكس نوردو) الذي أشاد بسلامة عقل هرتزل وصمم على مساعدته.

وفي سبتمبر 1895م؛ عاد هرتزل إلى فيينا، ثم عرفه الطبيب (نوردو) بـ(إسرائيل زنجويل). فذهب هرتزل إلى لندن، وهناك شرح وجهة نظره، لكن الرد الذي حصل عليه لم يكن مشجعًا على الإطلاق.
وفي 14 فبراير 1896م؛ ظهر كتاب "الدولة اليهودية" في فيينا، ثم ترجم في الحال إلى الإنجليزية والفرنسية.

إنـجيل الصهيونية:

إنجيل كلمة يونانية الأصل، تعني البشارة. لذلك اعتبرت كتاب هرتزل "الدولة اليهودية" هو "إنجيل الصهيونية"، لأنه كان البشارة التي قامت عليها الصهيونية.
ظهر كتاب "الدولة اليهودية" على أساس عقيدة مؤلفه، بأن العالم لن يترك اليهود في سلام مهما كانت وطنيتهم وفائدتهم لبلادهم وتضحياتهم في سبيلها. يقول هرتزل: "إن المسألة اليهودية وجدت حيثما وجد اليهود بأعداد كبيرة وعندهم الإحساس بحقهم، وما داموا بطبيعتهم يتنقلون من بلد لآخر هربًا من الاضطهاد، فإنهم ينقلون مشكلة اللاسامية إلى الأماكن الجديدة التي يحلون بها".
يقول ـ أيضًا : "لعلنا نذوب في الأمم الأوروبية وننصهر بها دون قيد لو تركونا وعافونا من الاضطهاد لمدة جيلين فقط، ولكن كيف لهم ذلك، فبعد قليل تنفجر عداوة المسيحيين لنا من جديد... فهم على عماهم وعدم بصيرتهم وسوء نيتهم لنا، أخفقوا في إدراك حقيقة أن النجاح يفقدنا هويتنا ويمحي الفروق التي تميزنا عنهم... عداؤهم هو الذي يوصمنا في نظر أنفسنا بأننا غرباء... إننا أمة واحدة خلقها أعداءنا بعدائهم لنا".

لم تكن مشكلة اليهود اجتماعية ولا دينية، ولكنها مسألة قومية، والحل الأوحد لها، هو أن تصبح مشكلة سياسية عالمية تناقشها الدول المتمدنة في العالم وتصل فيها إلى حل. والحل الذي اقترحه هرتزل كان وجوب منح اليهود سيادة على جزء من الأرض لإنشاء دولة يهودية عليه بكل ما تحتاج إليه الدولة( ) والباقي على اليهود أن يدبروه. واقترح هرتزل كذلك خلق إدارتين (جمعية اليهود) و(الشركة اليهودية)، تتولى الأولى الإجراءات الخاصة بالتنظيم والمفاوضات السياسية، وأما الثانية فتتولى إدارة الأمور المالية والاقتصادية.
ومن آراء هرتزل أيضًا في كتابه "الدولة اليهودية"، أن الحكومة اليهودية ضرورية للعالم كله، ولهذا فسوف يتم إنشاؤها، ولم يلزم نفسه باقتراح أرض معينة، وإنما اقترح فلسطين أو الأرجنتين( )، وترك الكلمة الأخيرة للرأي العام اليهودي وللجمعية.

كانت دعوة هرتزل في كتابه إلى قيام دولة علمانية لا علاقة لها بالدين اليهودي أو بفكرة العودة المعجـزة إلى فلسطين، إنها دعوة إلى تحرر تقوم على جهل كاتبها بتاريخ اليهود وحركاتهم السابقة له.
"كانت النتائج التي توصل إليها هرتزل ورفاقه تنطلق من تحليل ظروف الواقع اليهودي في غرب أوروبا، وهو ما طرحه في (الصهيونية الهرتزلية) التي عرفت فيما بعد بـ"الصهيونية السياسية"، كحل لما يسمى بـ"المشكلة اليهودية" في العالم. وقد كانت هذه النتائج لا تتفق مع الواقع اليهودي في شرق أوروبا، الذي كان مختلفًا، إلى حد كبير عن واقع يهود غرب أوروبا، مما حدا بالمفكرين الصهاينة في شرق أوروبا لمهاجمة هرتزل ونقد ما ورد في كتابيه "دولة اليهود" و"الأرض القديمة الجديدة". وقد وصل الأمر إلى حد الصدام بين هرتزل من ناحية، وآحد هاعام المفكر الصهيوني الشرق أوروبي الذي هاجم صهيونية هرتزل بعنف"( ).

أثار كتاب هرتزل عاصفة ـ بل عواصف ـ من ردود الأفعال بدا أكثرها غير منطقي. تمثلت ردود أفعال اليهود وغير اليهود في شكل مناقشات في الدوائر اليهودية وغير اليهودية، وفي الدوائر الأكاديمية والصحفية. كان المعارضون أكثر عددًا ونفوذًا من المؤيدين لآراء هرتزل وإنجيله.

أما غير المنطقي في ردود الأفعال، فتمثل في أن الجاليات اليهودية الغربية عارضت الفكرة، فقد كانوا يميلون إلى الاندماج في أوطانهم، وقام عدد من الحاخامات باستنكار أفكار هرتزل، لأنها مناقضة لفكرة المسيح المخلص المرتقب من نسل داود. وكان عدد الموافقون كبير في أوروبا الشرقية، وفي الأوساط الأكاديمية الغربية والشرقية الأوروبية. غير أن هرتزل وجد عدد كبير من الأنصار في حركة محبي صهيون وخاصة جمعية (قديما) والجمعيات الأخرى للطلبة اليهود في النمسا. وفي شرق لندن قام بعض اليهود بمظاهرة تأييد له في صيف 1896م.

التعليقات