الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

عصر الصهيونية - 3

الخطوات الأولى:

في يونيو 1897م، أسس هرتزل من جيبه الخاص صحيفة أسبوعية هي Die welt، اتخذها كوسيلة للدعاية المضادة لحملة العداء التي شنتها عليه عدة صحف يهودية. كان غلاف المجلة أصفـر اللون، وهو اللون الذي فرضته الحكومات الأوروبية في العصور الوسطى على الشارة الخاصة باليهود إذلالاً لهم.
وبعد عقبات كبرى، نجح هرتزل في عقد المؤتمر الصهيوني الأول، في 27 أغسطس سنة 1897م، واستمر ثلاثة أيام، وحضره 204 مندوبًا عن اليهود من كافة أنحاء العالم، فكانوا عالمًا يهوديًا مصغرًا جمع آراء متباينة وفئات اجتماعية مختلفة. كان المؤتمر الصهيوني الأول نقطة تحول في تاريخ اليهود واليهودية بهذا الشكل العالمي للاجتماع في مدينة بازل السويسرية.
في الخطبة الافتتاحية لهرتزل، لم يشر إلى إنجيله الذي جمعهم، بل أعلن أن الصهيونية قد نجحت في توحيد الأطراف اليهودية المشتتة على أساس قومي، وعلى ذلك جعلت العودة إلى اليهودية أمرًا واقعًا قبل العودة إلى أرض الآباء على أساس قانوني بعد الحصول على الضمانات الضرورية.
ثم قام ماكس نوردو، وعرض الموقف العام لليهود عرضًا عامًا، ثم ركز على محنة اليهود الاقتصادية في شرق أوروبا، وبؤس اليهود المعنوي في غرب أوروبا. وكانت أهم نتائج المؤتمر الصهيوني الأول، هي صياغة البرنامج الصهيوني، وتأسيس المنظمة الصهيونية.
وتنص مسودة البرنامج السياسي للمؤتمر الصهيوني الأول الذي كان الأساس للحركة الصهيونية والذي اشتهر باسم "برنامج بازل"، على ما يلي:
"تكافح الصهيونية من أجل إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يحميه القانون. ويرى المؤتمر أن الوسائل التالية تؤدي إلى الغاية المنشودة:
1) تشجيع استعمار العمال اليهود الصناعيين والزراعيين لفلسطين على أسس مناسبة.
2) تنظيم وربط جميع اليهود عن طريق المؤسسات المحلية أو الدولية، طبقًا لقانون كل دولة.
3) تعزيز وتشجيع الإحساس والشعور القومي اليهودي.
4) اتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على موافقة حكومية حين يكون ذلك ضروريًا للوصول إلى أهداف الصهيونية"( ).
وكان على المنظمة الصهيونية أن تضم اتحادات محلية من مختلف الدول، وعلى كل اتحاد محلي منها أن يبدأ في الحال الاتصال المباشر مع الإدارة العامة في فيينا. وشكلت الجمعية العمومية (لجنة العمليات الكبرى) لإدارة المنظمة، كما شكلت اللجنة التنفيذية المركزية (لجنة العمليات الصغرى)، وأفرادها مقيمون في فيينا حيث يقيم هرتزل رئيس المنظمة المنتخب. ويعتبر صهيونيًا كل عضو اشترك في برنامج بازل ودفع اشتراكًا سنويًا رمزيًا (شيكل) ـ حوالي شلن نمساوي وقتئذٍ ـ وهذا الاشتراك لتمويل صندوق اللجنة التنفيذية، ويحق لدافع الاشتراك حق التصويت والانتخاب للعضوية في المؤتمر، والذي هو الهيئة المهيمنة العليا على الحركة الصهيونية.
لقد أعطى المؤتمر الأول دفعة قوية للدعاية للصهيونية في العالم، وكثر عدد الموافقين على برنامج بازل، وكذلك انضمت معظم جمعيات محبي صهيون إلى الحركة الصهيونية.

وفي المؤتمر الصهيوني الثاني، تضاعف عدد الأعضاء وتقرر إنشاء بنك لخدمة الأمور المالية للمنـظـمة، فأنشئ البنك على هـيئة شركة مشـتركة في لندن تحت اسم "الصندوق اليهودي للمستعمرات"، خاصة وأن هرتزل كان يهتم بإنشاء مؤسسات صهيونية في إنجلترا، وكان رأس المال الإسمي للصندوق 2 مليون جنيه إسترليني، وكانت عملية تشغيل الصندوق/البنك عسيرة بسبب معارضة أغنياء اليهود.

وفي المؤتمر الصهيوني الثالث؛ أعلن هرتزل أن الهدف السريع للسياسة الصهيونية هو الحصول على فرمان بإنشاء مستعمرة تتمتع بالحكم الذاتي في فلسطين.

وعقد المؤتمر الصهيوني الرابع في لندن عام 1900م، حيث كانت الحركة الصهيونية قد حصلت على قسط وافر من الاهتمام لدى الشعب البريطاني، في خطبته الافتتاحية قال هرتزل: "إن إنجلترا العظيمة.. إنجلترا الحرة بأعينها التي ترنو على جميع البحار سوف تدرك حقيقة أمرنا وأهدافنا، ومن هذا المكان سوف تحلق الفكرة الصهيونية لأعلى وأعلى، وإنا لمتأكدون من ذلك".

"حدث في الأيام الأولى للصهيونية، تناقض غريب على النحو التالي: لقد كان هناك من ناحية، الصهيونيون في غرب أوروبا وعلى رأسهم هرتزل، وكانت الخلفية اليهودية التقليدية لديهم ضئيلة للغاية، ولا يرون أي صعوبة في التعايش مع الدينيين ومع تقاليد الماضي، حيث يوجد في المجتمع العلماني الغربي المتقدم مساحة مخصصة للدين وللتقاليد. ومن ناحية أخرى، في المقابل، الصهيونيون في شرق أوروبا، وقد انقسموا بين أقلية دينية تقليدية، وأغلبية متمردة على التقاليد اليهودية"( ).

كان هذا التناقض هو بذرة الخلاف داخل الصهيونية، وهو تناقض قائم على فارق مضموني بين صهيونية شرق أوروبا وصهيونية غرب أوروبا. فصهيونية شرق أوروبا تنبع من منطلقين مهمين؛ هما:
1- رفض العالم الأوروبي (القيصر ومن على شاكلته) فتح أبواب المجتمع لهم ومنحهم المساواة، ورفض قطاعات الحركة الثورية فتح أبوابها لليهود كشركاء لها في النضال الثوري (الاشتراكي).
2- الصراع مع الثقافة اليهودية وأبعادها المتمثلة في المعبد والتعاليم التلمودية والصلوات واللغة العبرية. إنه صراع مع ماهية اليهودية.

كذلك؛ فإن "صهيونية شرق أوروبا" لم تكن ذات توجه واحد واضح، حيث نشبت داخلها خلافات حول معظم القضايا. وكانت التوترات الداخلية والانشقاقات والاختلافات الأيديولوجية سمة مميزة دائمًا للتاريخ الصهيوني. لقد جاء من شرق أوروبا رجال "اليسار الصهيوني"، وكان من بينهم من نظر إلى الصهـيونية باعـتبارها الطريق اليهودي نحـو الثـورة العالمية. ومن هـناك جـاء أيضًا رجال "الصهيونية العملية"، مؤسسو الاستيطان وبناة الدولة، وكذلك رجال "المركز الروحي" من مدرسة آحد هاعام، وجاءت أيضًا من شرق أوروبا "الصهيونية الدينية"، وكذلك التيار العلماني المعروف، الذي كفر بكل ما هو مقدس لدى المؤمنين بالدين اليهودي. لقد انقسم صهيونيو الشرق بين: الإقليميين الذين كانوا يرون أن حل ضائقة اليهود في أي مكان متاح، هي القضية العاجلة عن قـضـية "العودة إلى صهـيون"، وبين أولئك الذين قـدسوا اسـم "فـلسطين" (إيرتس يسرائيل) ]אירץ ישׂראיל[ قولاً وعملاً، وكان من بين صفوفهم أنصار هرتزل ومواصلو طريقته، من ناحية، ونقاده وأعدائه العنيفون، من ناحية أخرى"( ).

وعلى النقيض من هذا كان حال صهيونية غرب أوروبا التي نشأت مع الهدوء الذي ميَّز اليهود المنصهرين في مجتمعاتهم الغربية (إنجلترا ـ ألمانيا ـ النمسا ـ فرنسا)، وكذلك لم يكن هناك صدام بين صهيونيي الغرب والمؤسسة الحاخامية أو التقاليد اليهودية.

"هذا هو الفارق المضموني بين الصهيونية الغربية على طريقة هرتزل والتي تسعى إلى نقل أوروبا الليبرالية مع يهودها إلى منطقة إقليمية، وبين الغالبية العظمى من صهيونيي الشرق الأوروبي، الذين تصارعوا مع التقاليد، والذين سعوا إلى هدم المجتمع اليهودي القائم على المؤسسات الدينية، وتقديم بشرى اجتماعية جديدة عن طريق هجرة اليهود إلى فلسطين"( ).

لقد نمت نبتة الاختلافات داخل الصهيونية من بذرة التناقض تلك. وكان المؤتمر الصهيوني الخامس هو حقلها، وذلك حين أصر جناح الصهاينة الديمقراطيين ـ الذين هم بالطبع صهاينة روس وتلاميذ المفكر الصهيوني الروحي آحد هاعام ـ على ضرورة بذل اهتمام أكبر بالثقافة القومية اليهودية، واقترح أحد قادة هذا الجناح؛ وهو حاييم وايزمان؛ إنشاء الجامعة اليهودية.

لقد "بدأت مسألة "العمل الثقافي" تثير عاصفة في الحركة الصهيونية، وصلت إلى ذروتها بانسـحاب أعضاء الجناح "الديمقراطي" بزعامة وايزمان وموتسكين من المؤتمر الصهيوني الخامس. وكان موضوع "الثقافة العبرية" الصهيونية الحديثة بالنسبة لوايزمان ورفاقه موضوعًا حيويًا وجزءًا لا يتجزأ من النشاط الصهيوني"، وهم في ذلك يفكرون بشكل صائب بالنسبة لليهود والصهيونية،لأنهم يريدون ترسيخ الهوية الصهيونية قبل تدشين مؤسسات الدولة الصهيونية في فلسطين.
"على حين كان هذا الموضوع بالنسبة لهرتزل، موضوعًا هامشيًا، يمكن التوصل إلى اتفاق بشأنه مع الصهيونيين الدينيين من الشرق، ممن كان يعتبر التعاون معهم أمرًا حيويًا من الناحية السياسية"( ).
لكن بعيدًا عن الخلافات الداخلية والتناقض بين صهاينة الشرق والغرب، قرر المؤتمر اتخاذ الإجراءات التنفيذية لإنشاء الصندوق القومي اليهودي لشراء أراضي فلسطين باسم الشعب اليهودي، وكذلك وضع دستور جديد للمنظمة الصهيونية، وتقرر ـ أيضًا ـ أن تُعقد المؤتمرات الصهيونية التالية مرة كل عامين.

لقد اهتم هرتزل بصفة خاصة بالشق السياسي للحركة الصهيونية، وكان من رأيه إرجاء أمور الثقافة القومية وعملية الهجرة الجماعية إلى ما بعد الحصول على الضمانات السياسية لتكوين الدولة اليهودية ذات الاستقلال الذاتي. وفشلت كل جهوده مع السلطان عبد الحميد لاستصدار فرمان منه منذ مايو 1901م وحتى يوليو 1902م.

التعليقات