أخر المقالات

ق - الي روح محمد رمضان

الكاتب : كريم بهاء

- كارثة ان تكتشف ان بعد اعوام عمرك كلها في الدنيا .. انك الي الان لم تتجاوز بابها ..
قالها مبتسما و زميل له رد عليه : توقف عن " الالش " ..
وصعدا جبل باب الدنيا .. و لم يعودا ..

بعيدا .. و على شاشات التلفزيون ظهر المتكلمون .. بفخر يتابعون .. و احدهم يقول :
- ها نحن الان .. من على سطح التنين .. نتابع لحظة بلحظة .. تلك العملية التاريخية .. التي يقوم بها رجال لا يعرفون المستحيل .. ها نحن الان اعزائنا المشاهدين .. و المستمعين .. اعزائي المبحلقين .. و المنصتين .. نصنع تاريخا جديدا لم يشهده احد من قبل في العالم .. و نتابع في بث مباشر وحي .. ظاهرة لا تحدث الا في ارض مصر .. حماها الله .. اي والله حماها الله ..
- ها نحن نتابع .. لحظات قيام رجالنا البواسل .. بشق الارض بالمناجل .. في عصر الكمبيوتر والانترنت .. لا زلنا نثق في طرق الاجداد .. و البدو الشداد .. لكي نقوم بشق بطن الارض .. كي يظهر لنا .. و يخرج لنا .. الجبل .. ومن في العالم يستطيع ان يولد الارض و يدفعها لانجاب جبل .. انها مصر ايها السادة ..

بشعيراته البيضاء القليلة و التجاعيد الناتجه عن ضيقه من هذه الحياة و هذا الوطن .. تابع ميلاد الجبل في التلفزيون بملل شديد .. ملل لدرجة اليأس من تجاوز الملل .. و بالفعل ظهر على الشاشة جزء من الجبل و هو يولد .. وانصت الي وعود لا يصدقها .. عن ان هذا الجبل سيأتي بكل المجد لوطن غاب عنه كل شئ .. و في قرار رسمي منطلق من ارادة شعبية .. كان للجبل الوليد اسم .. فبما انه سيأتي بالخير الوفير الذي سننعم به في الحياة .. فليكن باب يفتح لنا الخير كله في هذه الدنيا ..
ولم يكن احد يدرك ان الجبل موجود من قبل .. وان باب الدنيا مفتوحا .. على مصراعيه مؤديا الي الموت .

وعلى جبل باب الدنيا .. يتابعان الصعود وحين تعثر في صخره هو و زميله قال له ضاحكا ..
- واضح ان باب الدنيا مواربا و ليس مفتوحا ..
وضحك الزميل قائلا : اذا استمريت في " الالش " والله اسيبك و انزل ..
وتابعا الصعود .. غير مدركين انهما لن يعودا ..
ـــــ ـــــــــــــ ـــــ
معنا و معكم على الهاتف الخبير الجيولوجي .. قل لي يا خبير ما هي الفائدة التي تعود على الوطن من هذا الجبل .. الفائدة كبيرة و خير الخير كله سيأتي .. ولكن ما الجديد في الامر الجبال تملاء الدنيا .. الا هذا الجبل .. انه باب الدنيا يا اخي .. تخيل نفسك تملك باب الدنيا .. آه صحيح .. و ياسلام لو معي المفتاح .. (يضحك من انفه فيختلط الضحك و بصوت اخر ) ..
اما من تابع الحوار الجيولوجي اللزج على شاشة التلفزيون .. لم يستمر في متابعته مع و اتجه بالبحث الي قنوات اخري .. اراد شيئا اكثر تفاهه من برنامج حواري فاتجه لقناة اغاني و شاهد امرأة برميلية التوجه منبعجة الوجه ترقص بثياب لا تستوعب حجم البرميلية .. اما المطرب فكان يتمتع بكرش ظاهر و شعر ابيض و بانك لميع اجلاسيه فوق رأسه و واضح انهما ثنائي تجاوز الخمسين مع الرأفة ..
لكن واضح انه اعتاد على مناظر المطربين و الراقصات من هذه النوعية لانه لم يندهش الا من كلمات الاغنية ..
اديك في التضاريس .. و تجيبلي اي رئيس ..
اديك في الدنيا باب .. واقعد عليه بواب ..
مع الجملة الاولي صور المخرج الفنان صدر الراقصة .. اما الكوبليه الثاني فكان لاكبر مؤخرة تحتملها شاشة التلفزيون ..
اغلقه و قرر الخروج للدنيا ..
ولم يكن يعرف بامر الصاعدان لباب الدنيا ..
فبعد ساعات من الصعود المعقد .. و الالتفاف و التحايل على قوانين الصعود لقمة الجبل .. ظهر برد السماء و رعدها .. هاجت السماء و مهما حاولا تقديم تفسير لها بانهما يقفا عند باب الدنيا و لا علاقة لهما بالسماء .. الا ان السماء لم تتفهم موقفهما ..

يستمر العمل و لكن لم تنجب دقات المناجل الا جبل اشبه بالنتوء .. وحاول المتكلمون تجميل صورة النتوء و قاله عنه انه مجرد باب لدنيا كاملة من الجبال .. وعليهم متابعة شق الارض ولكن الاستمرار في الشق لم يكشف الا عن جحر فئران .. وهنا هتف جمهور المتكلمه .. بأن هذا الامر رائع .. جحر للفئران الجبلية .. سيكون كافي لسد جوع الشعب في ارجاء هذا الوطن .
وظهر برجر الفأر الجبلي .. لحوم جبلي ام الاجنبي .. فرانكفورتر فأر .. اما من يشتهي اللحوم فسيجد كفته فئراني جبلية ليس لها مثيل ..
وبقيا الصاعدان الي باب الدنيا عالقين عند الباب لا السماء تركتهما يدخلانه و لا دفعتهما للهبوط ..
علق احدهما بجثث موتي عند الباب .. حاولوا هم ايضا دخوله و فشلوا .. قال لزميله سأبقي مع الجثمامين على امل ان يأتي احدا لانقاذهم .. اما الاخر فلم يقتنع ان هناك من سينقذ الموتي لان لا احد ينقذ الاحياء .
والكل مشغول بالنتوء و الفئران الخارجه من النتوء !
قرر الاخر البحث عن طريق للنجاه ..
واجه البرد من ثقل سحاب السماء و كثرة ثلوجه و امطاره ..
واجه التعب من صعوبة الصعود الي باب الدنيا ..
واجه العمي من كثافة السحب البيضاء التي التصقت باديم الجبل فلم يعد للرؤية مكان ..
وتابع السير ينظر الي خطواته ارضا و اثارها على الثلوج ..
ولم يكن يعلم انه لن يعود ..
ــــ ــــــــــــــ ــــ
اشعل الجميع النيران ابتهاجا بلحم الفئران .. و وسط النيران المبتهجه لم يري احد النيران التي اشعلها اخرون بحثا عن صديقيهما بالاعلي .. صديقيهما التائهان عند باب الدنيا ..
وبعد ايام من الوليمة الدسمة التي استمتع فيها الجميع باكل الفئران .. انتبه احدهم اخيرا لوجود نيران اخري ليست للشوي او للاحتفال .. و لكن نيران تصرخ تبحث عن ارواح باتت هائمة فوق الدنيا ..
وانطلقت التنانين ..
تنين يطير و يحلق .. ينفث نيران كي تنقشع السحب و يري التائهان .. و لكن راكبي التنانين نسوا ان التنين الذي ينفث نارا .. اعمي .. فكيف له ان يري التائهان ..
ابحثوا عن تنين اخر ..
تنين قادم من بعيد .. تعطل بحثا عن طعامه .. و راكب التنين قليل الحيل امام جوع تنينه ..
ابحثوا عن تنانين اخري ..
هكذا صرخ الجميع .. خاصة هذا الذي خرج للدنيا بعد ان اغلق تلفزيونه .. ملء الهواء حوله بالمكالمات وبالبحث عن اخرين يمتلكون تنانين ..
وكانت الحقيقة التي وصل اليها و صمت في عجز ..
لا فائدة من التنانين .. لابد من العثور على التائهين ببعض من العمال البسطاء ..
و تسأل البعض هل يترك البسطاء المناجل .. و يتوقفوا عن حفر الارض الوليده بالنتوء – اقصد الجبل الجديد – وماذا عن الفئران .. انها لحوم خفيفة و سهلة و نظيفه .. ايتركها الجميع من اجل البحث عن تائهان ..
و انتشر السؤال الكلاسيكي .. " ايه اللي وداهم هناك "
رد البعض على اصحاب السؤال بالسب و القذف و قال اخر هادئا :
- ذهبا ليطرقا باب الدنيا اليس من حق الجميع زيارة الدنيا و لو لمرة واحدة .. ام علي الجميع ان يبقي مع النتواءات و الفئران المأكولة و التنانين الزائفة ! مجرد استنكار استفز الجميع ..
وترك العمال مناجلهم و صعدوا بحثا عن التائهين عند باب الدنيا ..
الا ان السماء اختطفت بالفعل من بقي الي جوار الجثامين ..
وبقي تائه واحد .. لا مكان يعرفه و لا باب يدركه ..
بقي يسير وحيدا على ارض انعم من اي ارض لامسها .. تغطت بالثلوج ..
بقي متعبا يرقد كل حين باحثا عن راحة لا يجدها على الرغم من انه في اهدي مكان بالارض .. فهو هناك عند باب الدنيا .. لم يطرقه و لم يدخله .. فمن اين تأتي الضوضاء المتعبة ..
بقي يقظا يحاول تفادي حفر ممتلئة بماء هو الانقي و الاطهر قادم مباشرة من السماء .. الا انه لم يك بعطشان ..
واستمرت التنانين في التحليق .. و استمر العمال تاركي المناجل يبحثون .. عن التائه الوحيد ..
واستمر الغاضبون من غياب العمال لبحثهم عن تائه وحيد .. و غضبوا اكثر لتوقف الحفر لاخراج الجبل وتوقف انتاج لحوم الفئران الجبلية .. التي يتغذي عليها الجميع الان خاصة جمهور المتكلمه على الشاشات .
ويفقد الجميع الامل .. لا مجال للعثور على التائه .. و لا مجال لعودة العمل في النتوء – نقصد الجبل الوليد- .. لا مجال لاكل لحوم الفئران .. لا مجال لاي شئ الا .. الموت
ـــ ـــــــــــ ــــ
فلقد تابع سيره تائها .. بات الان مدركا انه لن يعود ..
لكن دموعه غلبت يأسه .. يريد ان يعود ..
لم يعد قادرا على المسير ساقه لا تحملاه .. و لكن عليه ان يسير حتي يعود ..
البرد شديد .. هاتفه صوت داخله .. قاوم ..
التعب .. نفس الصوت .. قاوم ..
البرد من جديد .. تاه الصوت داخله .. قاو ..
التعب يزيد .. الصوت يتجمد ايضا .. قا ..
لم اعد حيا .. لقد مت .. و الصوت في يأس .. ق

التعليقات