الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

صهيونية ما بعد هرتزل




كان المؤتمر الصهيوني السادس المنعقد في بازل سنة 1903م، هو آخر مؤتمر صهيوني يحضره هرتزل، وقد نوقش به "مـشـروع أوغندة" الاسـتـيطاني المقـدم من وزير المستعمرات البريطانية (جوزيف تشمبرلين) ليحل محل المشروع الذي قدمه هرتزل بخصوص استيطان العريش بمصر. وفي المؤتمر الصهيوني السابع؛ سنة 1905م؛ تولي الطبيب (ماكس نوردو) الرئاسة، وحدث بالمؤتمر أول انشقاق رسمي عن المنظمة الصهيونية، وذلك عندما انسحب (إسرائيل زانجويل) الذي لم يستطع إقناع المؤتمرين بقبول العرض البريطاني المعروف باسم "مشروع أوغندة"، ولقد انسحب (إسـرائيل زانجـويل) ومؤيدوه وشـكلوا ما يسمى "المنـظمة الصهـيونية الإقليمية". وبرز في هذا المؤتمر تيار "الصهيونية السياسية" داخل الحركة الصهيونية تحت قيادة (نوردو) وضمت صهاينة شرق أوروبا (جاكوب كلاتزكين)، و(ليوبنسكر)، و(زئيف جابوتنسكي)، و(براديتشفيسكي)، و(برينر)، وغيرهم من الذين رفضوا "مشروع أوغندة".

ونجحت الصهيونية في استصدار وعد بلفور، وعادت المؤتمرات الصهيونية بعد توقفها في عام 1913م، لتعقد المؤتمر الصهيوني الثاني عشر، في كارلسباد، في سبتمبر 1921م. وفي هذا المؤتمر، هوجم (وايزمان) بأن سياسته تحيد عن الخط السياسي الهرتزلي، لكن في نهاية المؤتمر، انتخب (حاييم وايزمان) رئيسًا للمنظمة الصهيونية. وكان ذلك نجاحًا لتيار "الصهيونية السياسية"؛ أو "الصهيونية الهرتزلية". هـذا التيار الذي تتجلى به أفكار هرتزل وروح إنجيله "الدولة اليهودية"، فإن أحد رواد هذا التيار، وهو زئيف جابوتنسكي، والذي حدد الأسس الرئيسية للصهيونية السياسية في مقال له بعنوان "الهجوم السياسي" نشره في جريدة (الراسفيت)( ):

"1- هدف الصهيونية: الدولة اليهودية.
2- مساحة الدولة: على ضفتي الأردن [يقصد نهر الأردن].
3- الأسلوب: الاستعمار الجماعي.
4- النظام المالي: القرض القومي"( ).

لقد اضطر جابوتنسكي للاستقالة من اللجنة التنفيذية الصهيونية، في يناير 1923م، لأسباب لا يتسع مجال حديثنا لإيرادها( )، ثم كون رابطة تسمى "رابطة تصحيح السياسة الصهيونية"، ثم نجح في تشكيل مكتب تنظيمي للهيئات المعارضة للمنظمة الصهيونية، لكنها صهيونية بالفعل. وفي أبريل 1925م؛ وبعد مناقشات واقتـراحات، استقر الرأي على تـسمية هذه الحركة باسم "التصحيحيين Revisionists"، وأطلق على حركته اسم "اتحاد الصهيونيين التصحيحيين". "وأقر التصحيحيون في مؤتمرهم الأول التعريف الوحيد المسموح به (للوطن القومي National Home) وهو: التحول التدريجي لفلسطين المشتملة على شرق الأردن لتصبح كومنولث يحكم نفسه في ظل أكثرية يهودية قائمة"( ). واشترك تصحيحيون في المؤتمر الصهيوني الرابع عشر، المنعقد في عام 1925م، بعد معارضة جابوتنسكي للمشاركة، وكانت مشاركتهم بهدف الدعوة لتبني سياسة صهيونية أكثر إيجابية (عنفًا وتطرفًا). ثم نشر جابوتنسكي كراسة له بعنوان "التصحيحية برنامجها الأساسي Revisionism: The Essentials of its Program"، "وقد تضمنت كراسته مبدأين أساسيين هما: أن تعمل الصهيونية على تشكيل جيشها المستقل. والآخر العمل على الإصلاح الزراعي بنزع ملكية الأراضي العربية على أن تؤول تلك الأراضي إلى اليهود لزراعتها"( ).

وفي المؤتمر الصهيوني الخامس عشر؛ سنة 1927م، تزايدت أسهم التصحيحيين، وحمل جابوتنسكي الإنجيل الهرتزلي على عاتقه لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى. وفي المؤتمر الصهيوني السادس عـشر؛ المنعـقد في زيورخ؛ في يونيو 1929م، قدم جابوتنسكي مدلولاً تصحيحيًا للصهيونية:

"1- ما هو الوطن القومي اليهودي؟
ــ هو دولة قومية، تحت سيطرة الأغلبية اليهودية Jewish majority المتفوقة، وفيها سوف تحدد إدارة الشعب اليهودي أشكال وطرق الحياة الجماعية وأبعادها.
2- ما هي فلسطين؟
ــ إنها مساحة من خصائصها الجغرافية أن نهر الأردن لا يمر على طول حدودها ولكن أوسطها.
3- ما هي الصهيونية؟
ــ تهدف إلى الحل الفعلي للمأساة السياسية والزراعية والاقتصادية والثقافية لملايين كثيرة من اليهود، ولذا فإن هدفها ليس فقط إيجاد أغلبية يهودية في فلسطين ولكن خلق المجال الحيوي Living Space لملايين أخرى على كلا جانبي الأردن [نهر الأردن]"( ).

وفي المؤتمر الصهيوني السابع عشر؛ المنعقد في بازل؛ في يونيو عام 1931م، وقف جابوتنسكي خطيبًا يناقش الهدف النهائي للصهيونية:

"وطن Home.. وطن قومي National Home.. دولة يهودية Jewish Stat.. فأي منها ليست له الدقة اللازمة، فالأول: الوطن: ليست له أي أسس شرعية ولهذا فهو يحتمل تفسيرات مختلفة، ولقد اقترحه المؤتمر الأول في عام 1897 لعدم إثارة السلطان التركي، أما الثاني: وطن قومي: فهو أيضًا ليس له الوضوح الكافي، فقد كان، وما يزال مجالاً لمناقشات كثيرة لتحديد مفهومه الدقيق، وهو أيضًا فاقد صفة الشرعية. أما الثالث: دولة يهودية: فهو أكثرهم دقة... ولكن على أي الأنماط تكون، أتكون دولة تعني الاستقلال التام مثل فرنسا... أم دولة تدور حول المعنى فقط مثل ولايتي (إلينوي وكنتيكي) الأمريكيتين.. ولهذا فإن غاية الصهيونية هي إيجاد أغلبية (عرقية) يهودية على ضفتي الأردن ذات حكم ذاتي"( ).

مع الوصول إلى المؤتمر الثامن عشر، بات واضحًا أن الاشتراكيين الصهاينة قد فرضوا شكلاً من أشكال السيطرة على المنظمة الصهيونية، وقد فرضت طابعها على النشاط الاستيطاني في فلسطين، والصهيونية الاشتراكية تتحدث "عن الانعزال عن التقاليد اليهودية، على أساس أن اليهود يجدون استقلالهم عن طريق العودة إلى التاريخ القديم، مع تجاوز ما أنتجه الجيتو اليهودي في العالم"( ). لهذا بات ضروريًا أمام جابوتنسكي وحركة التصحيحيين مسألة الانفصال عن المنظمة الصهـيونية، وفي فيينا في سـبتمبر عام 1935م، أعـلن عن تشـكيل المنـظمة الصهـيونية الجـديدة، "وقدم جابوتنسكي تعريفًا جديدًا (للهدف الصهيوني) والذي لم يعد يتمثل في الدولة اليهودية، بل في الخروج الجماعي ليهود الشتات ليحلوا بفلسطين، وأن على اليهود أن يفهموا أن تصفية شتاتهم شيء أساسي، والإ فسوف يقوم الشتات بتصفيتهم"( )، وهو ما صور وضخم بالفعل أثناء الحرب العالمية الثانية بالتعاون مع النازية منتجًا للعالم ما سمي بالمذابح المزعومة التي استخدم فيها النازيون أفران الغاز لاسترهاب الجميع، وظلت الصهيونية تتاجر سياسيًا بهذه المذابح حتى الآن، وتعتبر هذه المذابح المذعومة واحدة من الأساطير الحديثة التي روجت لها آلة الاعلام الصهيوني، عبر تغلغلها في كافة الدوائر الاعلامية في العالم، بما في ذلك العالم العربي، الذي ستجد به بغبغاوات تردد المصطلحات الصهيونية الدالة علي هذه المذابح المذعومة ترديد الجاهل الغشوم.

التعليقات