الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

درع داود

درع داود.. ولا تقل: درع الصحراء!!

ربما كان اسم "درع داود" هو أفضل تسمية للعمليات العسكرية الأمريكية في العراق في أعقاب احتلال صدام حسين للكويت في الثاني من أغسطس 1990م، فمسميات من قبيل عملية "درع الصحراء" أو الاسم الإعلامي "عاصفة الصحراء" الذي تم تداول العملية تحته وقتها، أو حتى الاسم العسكري المتداول بين قادة الجيش الأمريكي والمعروف باسم عملية "المجد للعذراء".. لا يصلح أيهم لتوصيف هذه العمليات العسكرية وآثارها في المنطقة والممتد حتي بعد أكثر من ربع قرن.

"وحتى يفهم المرء أثر الدبابات العراقية وهي تندفع إلى مدينة الكويت علي التحالف الأمريكي الإسرائيلي، فإن عليه أن يعود عقدًا إلى الوراء إلى بداية عهد كارتر، ..... فقد كانت إيران هي التي تلقي بظلال سوداء على الشرق الأوسط وأجبرت البيت الأبيض على عقد اجتماعات حتى وقت متأخر من الليل، وكان العراق عدو عدونا وبالتالي كان صديقًا مناسبًا، [هذا بالنسبة للولايات المتحدة فماذا يمثل العراق لإسرائيل؟] وحين نشبت الحرب بين إيران والعراق في عام 1980، لم يرفع أحدًا في البيت الأبيض إصبعه لوقف العراق، وكان حلفاؤنا السعودية والكويت، مستعدين وراغبين في تمويل الجهد الحربي العراقي، وكانت الاستخبارات الأمريكية سعيدة بتمرير صور الأقمار الصناعية والتقارير عن وضع الإيرانيين في الحرب. وفي ذلك الوقت كانت إسرائيل تسلح إيران، بينما كان الرهائن الأمريكيين ما يزالون تحت نعال الحرس الثوري الإيراني، كانت لحظة شاذة في تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية"( ).

وحتى نفهم كيفية العلاقة الأمريكية الإسرائيلية إبان حرب العراق (1991م)، يجب أن نضع بعض الأمور في أذهاننا:

أولاً: كانت إسرائيل تعاني من الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكانت إسرائيل تمارس بما يسمى بـ(التقيد الذاتي)، فهي تستطيع بواسطة ترسانتها العسكرية أن تبيد الفلسطينيين تمامًا، لكنها تحاول الحفاظ على صورتها أمام العالم، وفي الوقت ذاته لا تستطيع احتواء الانتفاضة وقمعها. لذا بات ضروريًا لها كما صور لها السياسيين الأمريكيين "تفريغ الانتفاضة من محتواها"، لذلك قبلت إسرائيل عقد مؤتمر مدريد (أكتوبر 1990م).

ثانيًا: دور إسرائيل كوكيل أعمال بالمنطقة للقوة الإمبريالية الأمريكية؛ وكجزء من سياسة الاحتواء الأمريكية للاتحاد السوفيتي ونفوذه الشيوعي في المنطقة كأحد أسلحة حرب الأيديولوجيات بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي؛ قد انتهى بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي رسميًا وانهيار سور برلين.

ثالثًا: العراق ليس عدوًا تقليدياً للكيان الصهيوني كالفلسطينيين، إذ تعود قصة عداء اليهود للعراق إلى ما قبل التاريخ، وخاصة في عهد إمبراطورية نبوخذ نصر الكلدانية، والذي أخذ أورشليم بعنف ودمرها وأخذ اليهود منها إلى بابل مشيًا، وهو ما يسمونه "السبي البابلي"، وهو أحد أشد اللحظات التاريخية إهانة وإذلالاً لليهود. ولكي نفهم سر العداء اليهودي للعراق، نورد نص ما فعله بهم نبوخذ نصر سنة 586 ق.م وفق التصور اليهودي للواقعة. من سفر الملوك الثاني: الإصحاح الرابع والعشرين:

"وجاء نبوخذ نصر ملك بابل على المدينة وكان عبيده يحاصرونها. فخرج ياهوياكين ملك يهوذا إلى ملك بابل هو وأمه وعبيده ورؤسائه وخصيانه وأخذه ملك بابل في السنة الثامنة من ملكه. وأخرج من هناك جميع خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك وكسر كل آنية الذهب التي عملها سليمان ملك إسرائيل في هيكل الرب كما تكلم الرب. وسبى كل أورشليم كل الرؤساء وجميع جبابرة البأس عشرة آلاف مسبي وجميع الصناع والأقيان. ولم يبق أحد إلا مساكين شعب الأرض. وسبى ياهوياكين إلى بابل وأم الملك ونساء الملك وخصيانه وأقوياء الأرض سباهم من أورشليم إلى بابل...."( )

رابعًا: الولايات المتحدة كانت في حاجة إلى أمرين استراتيجيين، هما: أولاً: أن تضع يدها على منابع البترول وهو حلمها منذ بداية القرن؛ ثانيًا: تنشيط حركة مبيعات الأسلحة، وبالتالي الصناعة الأمريكية.
خامسًا: انتهاء حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، وقد خرجت العراق منها بترسانة من الأسلحة وبجيش نظامي من أفضل جيوش المنطقة، وهذا يقلق الحليفين (إسرائيل – أمريكا)؛ إسرائيل تقلق من قوة عدوها التاريخي، وهي أكثرنا إيمانًا بالتاريخ، والولايات المتحدة تقلق من قرب وجود قوة كهذه إلى جوار حقول ومنابع البترول في الخليج.

كل هذه الأمور كانت في خلفية وكواليس المخططين لحرب 1991م، فليس غريبًا إذن وقد أصبحا شريكين.
"منذ الدقائق الأولى لحرب عام 1991، كانت القنابل الإسرائيلية تتساقط على العراق، وكانت القنابل الموجهة بالليزر والتي تحمل اسم "هاف ناب" تنتقل إلى أهدافها على قاذفات (بي – 52) التابعة لسلاح الجو الأمريكي [ذكرت الوسائل الإعلامية إبان الحرب أنها طائرات بريطانية]، وقد استخدمت هذه القنابل لأن الأمريكيين كانوا يعتبرونها موثوقًا بها أكثر من تلك المصنعة في الولايات المتحدة، إلا أن حقيقة استخدام الأسلحة الإسرائيلية من البداية لم يتم الإعلان عنها في الولايات المتحدة أو إسرائيل، مثلما لم يتم الإعلان عن الأحذية الصحراوية التي كان الجنود الأمريكيين يلبسونها، وكان مطبوعًا على تلك الأحذية ((صنع في إسرائيل)) باللغتين الإنجليزية والعبرية"( ).

ولكن قبل إلقاء القنابل الإسرائيلية على بغداد؛ وهو ما عاد بأرباح هائلة على صناعة الأسلحة الإسرائيلية؛ كانت أزمة صواريخ سكود التي خاف التحالف من أن يستخدمها صدام حسين ضد إسرائيل، وقد استخدمها بالفعل وقذف لأول مرة تل أبيب بها؛ كان على الولايات المتحدة أن تستمر في الحفاظ على أمن إسرائيل. ففي يناير من عام 1991م ، كانت "هنالك عدد كبير من طائرات النقل (سي – 5 جالاكسي)، وهي تنزل صواريخ باتريوت [المضادة لصواريخ أسكود] التي نقلت إلى إسرائيل على عجل، مع أطقمها من الجيش الأمريكي للدفاع عن تل أبيب، وقد نقلت بعض صواريخ باتريوت إلى ساحة خالية لطريق أيالون، حيث أقام أطقمها مدينة من الخيام أسموها "فندق كاليفورنيا" وقد نشر معظم الصواريخ الأمريكية المضادة للصواريخ شمال فندق هيلتون قرب محطة الكهرباء الواقعة على الساحل"( ).

الأمريكان – بالتأكيد – يعرفون العداء التاريخي الإسرائيلي للعراق، لذا لم يندهشوا حين انصاع الإسرائيليين لمطالبهم بالتزام الصمت أمام صواريخ صدام حسين مقابل المال والسلاح. كان طلب الأمريكيين للصمت حتى لا يتصدع التحالف الدولي تحت مسمى درع داود - أقصد ما كانوا يسمونه هم درع الصحراء - لكن إسرائيل وقتها كانت تجني ثمارًا أخرى غير بطاريات الصواريخ الأمريكية والمال وتكدس مخازنها بأشكال جديدة من الأسلحة الأمريكية؛ كانت إسرائيل تجني ثمار انهيار الاتحاد السوفيتي بالأموال الأمريكية؛ بعد تفريغ الانتفاضة الفلسطينية (1990م) من معناها بالسلام المنشود.

"بالإضافة إلى طائرات النقل التي كانت تحمل الصواريخ والتي كانت تصل إلى تل أبيب، كانت هناك طائرات أخرى أكثر أهمية، فالمهاجرون اليهود السوفيات كانوا يتدفقون على إسرائيل بحمولة أربعة طائرات في اليوم الواحد، بعد بداية الحرب. كانت أول تجربة لهم في إسرائيل، أن يتسلموا الأقنعة الواقية من الغاز، وتعليمهم الطريقة المناسبة لحقن أنفسهم بحقنة إثروبين المضاد لغاز الأعصاب، وكانت تجربتهم الثانية إعطائهم ((سلة الاستيعاب)) بمقدار عشرة آلاف دولار لتسيير دخولهم على المجتمع الإسرائيلي، وكانت الحكومة تخطط لاستيعاب مليون شخص من هؤلاء الناس (اليهود الروس) خلال السنوات الثلاث التالية، وكان الروس مؤشرًا واضحًا على مدى تغيير العالم في بضع سنوات فقط، وقد حقق الإسرائيليون حلمًا قديمًا قدم الدولة نفسها: تأمين السيل الهائل من اليهود السوفيات كمواطنين"( ).

وفي الوقت نفسه؛ قبل بدء الحرب ضد العراق، كان قطاع كبير من المجتمع الأمريكي يدرك المصالح الإسرائيلية من درع داود المسماة بـ درع الصحراء.

"كان الرأي العام في الولايات المتحدة نفسها منقسمًا إزاء الرغبة في الحرب لأجل الكويت، فكان هنالك قطاع من الرأي العام يرى أن الولايات المتحدة تندفع إلى مجابهة عسكرية خدمة لحاجات إسرائيل. وقد أعرب الكاتب اليميني باتريك بوشانان عن هذا الرأي بأكثر الصيغ حدة ووضوحًا حين قال على التلفزيون: "أن القوة الوحيدة التي تحض على الحرب هي إسرائيل وزمرتها هنا في الكابيتول هيل""( ).

وتنتهي حرب درع داود بما انتهت عليه، ولكن لا تنتهي مساعدات الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل حتى يومنا هذا. ولعل خروج متحدث؛ قبل الغزو الأمريكي للعراق في 2003م؛ باسم البيت الأبيض الأمريكي يطالب بعدم إذاعة مسلسل تليفزيوني مصري، لأنه يذكر في ثناياه الدرامية حوارات عن كتاب ((برتوكولات حكماء صهيون))، لأكبر دليل على استمرارية المؤازرة الأمريكية للكيان الصهيوني حتى الآن.

أخيرًا.. وليس آخرًا.. عندما انتخب أرييل شارون رئيسًا لوزراء دولة اللاحتلال الصهيوني في بداية عام 2001م، وفي أول خطاب رسمي له على الهواء مباشرة من التلفزة الإسرائيلية قال بالنص:
"اتصل بي الرئيس بوش وأنا في الطريق إليكم، وقال لي: أنت اليوم انتخبت رئيسًا للوزراء، وأنا انتخبت قبلك رئيسًا للدولة، وأظننا في دولة واحدة أنا رئيسها، وأنت رئيس وزرائها".

وأظن أن مقولة شارون لاتزال واضحة لا تحتاج إلى تعليق!!

التعليقات