الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

فات الميعاد

1
كنت أتوق لسماع هذا اللحن العتيق الذي يذكرني بماض لا أدركه. ربما هو شيء يسكن في الجينات أو الحنين لزمن تخيلته وأحببت العيش فيه، وما أن سمعته بالصدفة في سكون الليل ينبعث من بعيد إلا وجذبني إليه.
كانت النغمات تنبعث من نافذة كفوح عبقا من زهور مختلفة الألوان يملأ الكون كله وكان هناك ظِل شفاف يتراقص كلهب شمعة في يوم عاصف.
روح تشتاق لحبيبها الغائب فتوهبه رقصة لعله يراها في مخيلته،
وبينما أنا واقف من بعيد أسمع وأرتقب ما يجول بعقلي طلت بعينيها الجميلتين وابتسمت وقالت أيكفيك هذا اليوم لتعانقني في أحلامك وأغلقت النافذة برقة وعُدت سائرا من نفس الطريق ولا أدرى كيف قطعت كل هذه المسافة دون أن أشعر
وسألتني نفسي: يا من جذبك عشق النغمات. كنت أنت الذي يتخيل. فكيف رأتك وكيف سمعتها؟
2
منتصف يوم سبت من صيف أوشك على الرحيل
انتظرتها طويلا حتى أقترب الغروب. فات الميعاد ولم تأتي!
غمست إصبعي في قلب فنجان القهوة لأمتص بقاياه الباردة وأشعر بمرارته في حلقي. وقتها حاولت الكتابة ولم أستطيع غير رسم حروف اسمها. ثم عكست الحروف لأجدها تحمل نفس الشكل ونفس المعنى. حاولت التغيير مرة أخرى ولكن دون جدوى. لا حل غير الهروب. أجمع ما تبقى من صورتي الممزقة أمامها وأمتطي جواد عقلي و أهرب بعيدا عن حدود ملامحها و أهجر وطنها الذي أشقاني ..قلبي الذي كان يحدثني
-ياما كنت أتمنى أقبلك بابتسامة أو بنظرة حب أو كلمة ملامة -
وقبل أن أتخذ قراري الأخير بعثت لي برسالة قصيرة كتبت فيها
- بس أنا نسيت الابتسام زي ما نسيت الألآم والزمن بينسي حزن وفرح ياما -
3
مساء أحد بعد مرور عامين
ذهبت إلى صديقي ليساعدني في ضائقتي بعد خسارتي كل شيء.
المال والحب والحرية.
لم أقصده ولكنه القدر، وقد وعدني وانتظرته في المكان الذي حدده للقائي وكعادته اختبأ بعيدا ليتشفى ويرى المزيد من أوجاعي ويتعمد إذلالي وإهانتي ولا أعرف لماذا! لقد كنت صادقا عندما قلت إنه صديقي - تفيد بإيه يا ندم وتعمل إيه يا عتاب –
كانت تكفيني مواساته لا أكثر ولكن.
عندما أدركت ذلك تركته لأمراضه القديمة تأكله غير أسفا عليه فقد حدثتني نفسي بما كان ينوي فعله ونهرتني أكثر منه
بعدها تجولت في شوارع المدينة الكبيرة شارد الذهن لا أستطيع التفكير حتى أخذتني أقدمي إلى نافذتها. كانت مغلقة -ستاير النسيان نزلت بقالها زمان – ومر الوقت إلى منتصف الليل والليل ودقة الساعات تصحي الليل-
4
إلى متى ستظل ضحية خوفك وتحاول جاهدا إرضاء الأخرين حتى ولو على حساب حبك وسعادتك؟ لم يعد أحد يكترث لما آلت إليه حياتك أكثر من نفسك -كفاية بقى تعذيب و شقا –
دائما أتعرض لحب إثنين ولا أستطيع نيل رضاهما ولا العفو عني فالقاعدة الأساسية في مجتمعنا العقيم أن يبقى الرجل في نظر الجميع هو الجلاد حتى لو لم يقترف إثما يعاقب عليه كونه رجل ولكنه يعاقب بذنب ذكران كانوا يدعون الرجولة
5
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وأنا لازلت أتجول شوارع وسط المدينة أتذكر الأحداث والأماكن. فها هنا كنا نجتمع لطرح رؤى جديدة عن الفن و المجد و الحياة وهناك حيث المسرح الكبير كنت أجمع الحشود واثقا من إتقاني في نقل الكلمة لهم وبين جنبات الطرقات كانت المقاهي الساكنة أهوى فيها اصطيادي ليلا بشباك الحبيبات والعشيقات و الأصدقاء . كنا نجلس معا نستمع للموسيقى الشرقية حتى الصباح لنتفق ونفترق على أمل أن تبقى ليلتنا في الذاكرة لانتظار أخر ميعاد
- أنا نسيته أنا. ياريت كمان تنساه -
6
وبينما أنا أفكر عازما ترك الذكريات والعودة إلى البيت وقفت سيارة على بعد أمتار واقتربت منها لأنها كانت على نفس خط سيري ورغم البُعد لا أعرف لماذا دققت. لا أعرف!
كانت صورة غير واضحة المعالم خلف زجاج و صوت لا يسمعه غيري يناديني بإسمي لأقترب
كانت تراني . كانت هي. كانت تنظر لي و تحدثني بالتخاطر وأنا من فرحتي وحزني وبهجتي وألمي وقفت غير مصدق لهذه اللحظة
-وقسوة التنهيد والوحدة والتسهيد لسا مهمش بعيد. وعايزنا نرجع زي زمان قول للزمان ارجع يا زمان -
ليتني أستطيع العودة بالزمن أو أن أوقفه قليلا ولكن كيف؟
كان أضعف الإيمان أن أتأمل في عينيها بقدر ما تبقى لها من ثوان قبل مغادرتها المكان. ثواني تكفيني لتبقى في الذاكرة
7
في تلك الثواني المعدودة. كان تاريخ لا ينسى
قرأت عينيها اللامعتين من أثر الدموع ولا أدري من كان يبكي على الأخر!
-وهكذا الحب أبدا. لا نعرف له من أثر على قلوبنا إلا ساعة الفراق-
تعتب على ليه أنا بإديه إيه
فات الميعاد فات الميعاد

التعليقات