الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أبناء الطبقة الوسطى الراغبون في عيش أيامهم بعيدًا عن صراع الأيديولوجيات والمذاهب




يحشو أحدهم أسنانه التي نخرها سوس الجوع،
في آخر العمر، حين شبع.
ويشتكي دائمًا لزميله في العمل
من جيوبه الأنفية،
لأن جيوبه الخاوية
صارت ممتلئة
بالمناديل الورقية التي لم تعد تجد عرقًا لتجففه.
فأصبح يفضل هو وأسرته ثلاثة أيامًا من الإسبوع
ولا يمجدون يوم العمل.

ويسأل آخرٌ جاره بالطائرة:
كم ماكينة ATM يمكن أن أجد في القطب الجنوبي؟..

وتحفظ زوجة ثالث أوراق الماريجوانا
في سفرهم إلي رأس البر أو جمصة
لتضمن لأبنائها رحلة
خاليةً من المشقة والجزع.

أما الرابع؛
فتنفي زوجته دائمًا أنها مصابة بالسمنة،
وتتهمه
- كل صباح -
بأن شحومه قد أفسدت حياتهم.

ابن الخامس،
ذو السنوات الخمس؛
لا يجد من يلعب معه،
فيجعل من أبويه
لعبتين
مسليتين
يستبدل إحداهما
إذا اتسخت الأخرى.

والسادسة..
ملها جيرانها
بسبب أقاربها الذكور
الذين لا يملون من زيارتها.

بنت السابع،
أدمنت مشاهدة المسلسلات الهندية مع أمها،
حين صارتا شقيقتين في الرضاعة.

والثامنة؛
حياتها مليئة بالرجال المتزوجين،
فزهدت في أقلام الروج،
والمعاجين..
وتعلقت بخاتمٍ ذهبي
قد يخرج ذات صباح من باطن فنجانها.

أما التاسعة،
فمضت تصغر الأنف،
وتوسع العين،
وتنفخ الشفة،
وترسم الوجنة،
وتكمم المعدة،
وتزرع الرموش،
وتكبر، وتشد، وتشفط، وتنزع، وتبيض، و...... .

العاشر؛
حقق رقمًا قياسيًا..
إذ تذوق أصناف كل مطاعم المدينة
دون أن يصاب بانتفاخٍ في القولون.

كل هؤلاء يستطيعون تخليق الماء بدون مساعدة،
وبدون انتظار معجزة،
وبدون موسيقي تصنع جوًا من الإثارة حولهم.
كلهم يحسبون يوم الثلاثاء
هو يوم العمل الوحيد،
فيواصلون الزحف نحو علب الجبن ذات الأغلفة المفضضة
العازلة للحرارة
وشديدة التعقيم.
الأوراق المالية لم تعد تهمهم كثيرًا،
فالكروت الإئتمانية،
والإلكترونية،
وكروت الشحن،
والكهرباء،
والطاقة،
والذاكرة
تحدد قدرتهم علي الكلام،
والحب،
والنوم.

المقاول
صار يضع حواجزه الأسمنتية
يومًا
وراء
يوم
أمام الأحلام،
والزهو،
والحركة.
فأخذ كل شيء،
وأي شي؛
يبعد عنهم.

كان كل شيء
قانوني،
ومدروس،
ووطني.
وباسم "مصالح الوطن العليا"
مضي المقاول يفتك بمصالحهم الفردية الدنيا،
حتى تهتكت مصالحهم،
ومصالح جيرانهم،
وأقاربهم،
ومعارفهم.
لم يستطيعوا أن يجدوا مصلحةً وحيدةً
تفلتت
- ولو مصادفةً -
من يد المقاول وزبانيته
الذين يعملون ليل نهار
علي صب المصاطب الأسمنتية
في كل الربوع،
والخموس،
والسدوس،
والسبوع.
ولقدرة المقاول علي المناورة
استطاع أن يستصدر
أحكام إزالة
لكل شيء..
أسنان الأول،
مغامرات الثاني،
أوراق الماريجوانا من حقيبة يد زوجة الثالث،
شحوم الرابع،
ألعاب ابن الخامس،
أقارب السادسة الذكور،
مسلسلات بنت السابع،
......... .

تبادلوا النظرات، والطعنات الغادرة.
وبصورةٍ استثنائية
تنازلوا عن شرب اللبن المبستر،
والقهوة المفلترة،
وارتداء الجوارب القطنية الناعمة.
ووضعوا بعضهم لبعض
قيمًا استعمالية
تتماشي مع احتياج المقاول لوجودهم.
فتحولوا من وظائف للعلة
إلي عللٍ متناثرة
تستعبدها الآلات.
العراف (جوجول) يعرف أكثر
منهم،
وعنهم..
والخادم (ياهو) يحمل رسائلهم وإشعاراتهم
إلي وكالة الأمن القومي الأمريكية.
فانسحوا من كل الألوان
إلا الأزرق،
دائمًا أمام وجوههم
وليس وجههم.

رأت الثامنة والتاسعة،
أن علاقتهما تساوي فنجانًا من قهوة الإسبريسو
لا مزيد.
والعاشر
أخذ يؤجل دائمًا انتحاره
ليتذوق صنف طعام جديد،
وليظل بعض الأخرين يحدثونه
زورًا
عن أملٍ
يجهلون عنوانه البريدي
أو الإلكتروني.

التعليقات