الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

وعد بلفور


قصة وعد بلفور، هي قصة تتجلى فيها ذروة ممارسة الضغوط الصهيونية العالمية علي
بريطانيا. كانت بريطانيا مهيأة لهذا الضغط، وهو ضغط ناحية مصالحها الاستعمارية والاستراتيجية ودوافعها الدينية البروتستانتية، إنه شكل غير سوي من العلاقات. غير أن ممارسة الضغوط الصهيونية كان بهدف الاستفادة القصوى من المصالح الاستراتيجية والدينية البريطانية وتحويلها لفوائد للصهيونية.

ففي مذكرة لأرثر بلفور تخص سوريا وفلسطين وبلاد ما بين النهرين (العراق)، يقول:

"ليس في نيتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين، مع أن اللجنة الأمريكية تحاول استقصاءها. إن القوي الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية. وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد والحاجات الحالية، وآمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة"( ).

وفي أبريل عام 1917م؛ "أعلنت الحكومة البريطانية عن إرسال أرثر جميس بلفور وزير خارجيتها إلي الولايات المتحدة للاتصال بممثلي المصارف الأمريكية وإبلاغهم رسميا بأن الحكومة البريطانية ستتبنى رسميًا مشاريعهم المتعلقة بالصهيونية مقابل تعهدهم بإدخال أمريكا إلي جانب الحلفاء"( )، وبريطانيا لم تكن في حاجة فقط لقوة أمريكا العسكرية، فبريطانيا في حاجة إلي الدعم المالي. ولهذا كانت بريطانيا تتحرك لدفع أمريكا إلي الاشتراك في الحرب العالمية الأولى علي محورين، أحدهما: استغلال الصهيونية ورغباتها، والثاني: القنبلة الدعائية التي حصلت عليها قيادة الأسطول البريطاني في 16 يناير، بعد أن تمكنت من الحصول علي الشفرة الدبلوماسية الألمانية بواسطة الحظ. ففي 16 يناير 1917م؛ التقط الأسطول البريطاني برقيه موجهة من وزير خارجية ألمانيا زيمرمان إلي سفيرهم في أمريكا بيرنستورف يخبره فيها ببدء حرب الغواصات في أول فبراير دون تقييد، ويقترح وزير الخارجية الألماني إقامة تحالف مع المكسيك إذا تدخلت الولايات المتحدة في الحرب. وكانت لدي القيادة البريطانية مشكلتين في استغلال هذه القنبلة الدعائية، أولهما: كيفية إقناع الأمريكيين بصحة البرقية، والثانية: المخاطرة بمعرفة العدو الألماني بأن الأسطول البريطاني استطاع حل شفرتهم.( )
لكن قبل أن تحسم القيادة البريطانية آمرها في نشر البرقية، حسمت الصهيونية العالمية أمر اشتراك أمريكا في الحرب، فأعلن الرئيس وودرو ويلسون في 6 أبريل 1917م؛ وقد أستقر رأيه علي إعلان الحرب قبلها بثلاثة شهور. وهنا بدأت تظهر القوي الأمريكية كقوة عالمية إلي جوار الأسد البريطاني العجوز، لكن كان علي الأسد البريطاني أن يكمل دوره الذي ابتدأه مع الحركة الصهيونية، ولنتأمل معًا رسالة اللورد روتشيلد اليهودي الصهيوني إلي أرثر بلفور، في 18 يوليو 1917م:

"عزيزي السير بلفور

أخيرًا أصبح بإمكاني أن أرسل لك الصيغة التي طلبتها، فإذا تلقيت ردًا إيجابيًا من حكومة صاحب الجلالة ومنكم شخصيا سأقوم بإبلاغ ذلك إلي "الاتحاد الصهيوني" في اجتماع خاص سوف يدعي إليه لهذا الغرض خصيصا.
وجاء في النسخة الأولية للنص ما يلي:

1- تقبل حكومة صاحب الجلالة بمبدأ وجوب إعادة تأسيس فلسطين كوطن قومي لليهود.
2- سوف تبذل حكومة صاحب الجلالة كل طاقتها لتأمين الوصول إلي هذا الهدف وسوف نتناقش فيما يتعلق بالطرق والوسائل التي يتطلبها تحقيق هذا الهدف مع المنظمة الصهيونية"( ).

وكان لابد من التشاور مع القوى الناهضة الحليفة المؤازرة في الحرب، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، "فقد اعتبرت الحكومة البريطانية موافقة ويلسون الشخصية والفردية علي صياغة وعد بلفور وصدوره بشكله النهائي أمرا ضروريا"( ). وقد وافق بالفعل الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون علي صيغة الوعد ومن خلفة كل الصهاينة الأمريكيين اليهود وغير اليهود. ولنتأمل رسالة لويس مارشال ممثل مؤسسة "كوهن ـ لوب" إلي صديقه الصهيوني ماكس سينيور في 26/9/1917م:

"لقد أخبرني الماجور ليونيل دي روتشيلد من التنظيم اليهودي البريطاني أن مؤسسته هي علي اتفاق مع المجلس اليهودي الأمريكي... وأن وعد بلفور وقبول الدول الكبرى به لهو عمل دبلوماسي من أعلي الدرجات. والصهيونية ما هي إلا عمل مؤقت من خطة بعيدة المدى وما هي آلا مشجب مريح يعلق عليه السلاح الأقوى. وسنبرهن للقوي المعادية أن احتجاجاتها ستذهب هباء وستعرض أصحابها إلي ضغوط كريهة وصعبة"( ).

ويتزامن كل هذا مع أمر "الفيلق اليهودي" الذي ـ بل يكاد يصبح حقيقة ـ ففي 5 سبتمبر 1917م يتقدم وفد يهودي، في مقابلة مع اللورد دربي، بعدة اقتراحات تخص إدارة شئون "الفيلق اليهودي"، وهي:

"أن تراعي الشعائر والطقوس اليهودية، وأن تكون الراحة الأسبوعية لأفراد الفيلق "السبت" بدلا من "الأحد" وأن تكون جبهة العمل "فلسطين"، وشعاره هو "درع داود" وأن يحمل اسم المكابيين Maccabees"( ).

وبالفعل نجحت القوي الصهيونية في استصدار وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917م، واللغة التي صيغ بها الوعد تبدو غامضة، وخاصة بالنسبة لما يتعلق بالأرض التي يحددها الوعد للوطن اليهودي في فلسطين، لكن الصهاينة كانوا يعرفون ضمنيًا ـ يهود وبريطانيين ـ أنها أرض "فلسطين التوارتية" "من النيل إلي الفرات أرضك يا إسرائيل".
"وتحليل نص هذا الوعد المكون من 67 كلمة يبصرنا بالمعتقدات الأساسية للصهيونية. لقد أعترف هذا الوعد أولا وفي المقام الأول بوجود "الشعب اليهودي" كأمة ثم أصبح هذا الشعب "كيانا قوميا" يعترف به القانون الدولي"( ).

ويعلق جابوتنسكي على صدور وعد بلفور، فيقول:

"أن المعني الوحيد والحقيقي لتصريح بلفور كان خلق دولة يهودية في فلسطين"( ).

ولدي تعليق آخر ـ هام جدا ـ للكاتب اليهودي آرثر كوستلر جاء في كتابه "الوعد والإنجاز إلي دولة إسرائيل"، يقول فيه:

"بلغت حركة الصهيونية العجيبة ذروتها في تصريح بلفور الشهير... إذ قَدُمَتْ أمة ما (بريطانيا) في هذه الوثيقة علي وعد أمة ثانية (الصهيونيون) وسط مظاهر الجلال والمهابة ببلد يخص أمة ثالثة (عرب فلسطين)"( ).

باقي الطريق:

لم ينته الأمر بحصول الصهاينة علي وعد بلفور بدولة قومية يهودية في فلسطين حدودها يعرفها الطرفان فقط ضمنيًا ـ الواعد والموعود ـ فمع استمرار الحرب العالمية الأولي استمرت المساعي الصهيونية لتحقيق دولتهم ووطنهم الصهيوني القومي بمساعدة بريطانيا التي تري فيه مصالحها الاستراتيجية، "وفي السابع والعشرين من يوليو عام 1918 صدر الأمر إلي الكولونيل باترسون بأن يحضر إلي لندن لتنظيم "الفيلق اليهودي"، وقد أشار عليه الماجور جنرال هايتشنسون Major General R . Hutchinson مدير التنظيم في وزارة الحربية (البريطانية) بأن يتخذ السرجنت جابوتنسكي مساعدا له"( ).

وقد أيدت كل من فرنسا والولايات المتحدة وعد بلفور أثناء الحرب العالمية الأولي. وعندما انتهت الحرب؛ وعقد مؤتمر فرساي ثم اتفاقية سايكس ـ بيكو، لتقسيم غنائم الحرب وتقاسم المصالح الاستعمارية بين القوى المنتصرة.

لنبدأ من مؤتمر فرساي، فقد أرسلت برقية إلي الرئيس ويلسون رئيس القوى العظمي المنتظرة والتي تخطط الصهيونية العالمية للاستحواذ علي مصالحها والتوافق معها من أجل الوطن القومي "الكيان الصهيوني" الذي وعدوا به من وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور. لقد كان للصهاينة مقعد وسط المنتصرين في مؤتمر فرساي؛ ولنعود إلي البرقية.."برقية مكونة من ألفي كلمة أرسلها يعقوب شيف من نيويورك إلي الرئيس ويلسون، الذي كان يحضر المؤتمر في باريس، وقد تضمنت هذه البرقية تعليمات للرئيس بشأن ما سيفعله بكل من قضية فلسطين ومصير الانتداب فيها وبشأن التعويضات الألمانية"( )، أما ما يخص اتفاقية سايكس ـ بيكو، فقد كانت صهيونية في أصلها من بعض النواحي، فقد كان الشرط الخاص بفلسطين من ثمرة مذكرة هربرت صمويل وتأثير سايكس الصهيوني علي بيكو، كما أنها حمت مستقبل فلسطين من الوعود البريطانية لشريف مكة بمنح العالم العربي استقلاله( ).

وتستمر المؤامرة في أحكام حلقاتها علي فلسطين بالانتداب البريطاني، فعندما "تولت بريطانيا مسئولية الانتداب علي فلسطين عملت بكل وسائلها علي تهويد فلسطين تمهيدا لإنشاء دولة يهودية فيها، ولكن الحركة الصهيونية رأت أن منطلقات السياسة التدريجية التي تأخذ بها بريطانيا تسير سيرا بطيئًا... وتحيزت بريطانيا كلية إلي جانب اليهود في عملية هجرتهم إلي فلسطين، وجعلت علي رأس إدارة الهجرة في فلسطين يهودي، وشغل اليهود جميع وظائف هذه الإدارة دون غيرهم، وسنت القوانين التي تيسر دخول المهاجرين منذ أن احتلت قواتها فلسطين وقبل الانتداب وبموجب هذه القوانين كان من حق الجمعية الصهيونية إدخال ستة عشر ألفا وخمسمائة يهودي كل عام بشرط إعالتهم لمدة عام كامل. وصدرت في أعوام 1921، 1924، 1925، 1928 قوانين متعاقبة للهجرة والتي في ظاهرها تنظيم، وفي جوهرها تفتح أبواب فلسطين علي مصراعيها أمام الطوائف اليهودية"( ).
ولقد "تعاونت حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين مع المستوطنين الصهاينة علي حساب عرب فلسطين. وفي العراق حصلت الجمعية الصهيونية سنة 1921 علي اعتراف قانوني بها من حكومة الانتداب البريطاني التي كانت قائمة هناك آنذاك"( ).

ولعل أحداث يافا سنة 1921م، تفضح التوافق العجيب بين مصالح بريطانيا ودموية اليهود في فلسطين، "ورغبة من بريطانيا في استيعاب المشاعر العربية، كعهدها دائما. فقد أصدرت في أول يوليو عام 1922 "كتابا" أبيض عرف باسم وزير مستعمراتها آنذاك "ونيستون تشرشل"، فأنكر أن بريطانيا تريد جعل فلسطين يهودية كلية، أو أنها تريد القضاء علي الشعب العربي هناك ولا تتصور بريطانيا دولة يهـودية بالمعـني الكامل لها، ولكنها تريـد أن يعـيش العـرب واليهـود في ســلام في سبيل رقـيهما القومي"( ).

ولكن يبدو أن هذا لم يعجب الصهاينة، لذلك رأت الحكومة البريطانية ترضية الجانب الصهيوني قبل صدور "الكتاب الأبيض"، "وفي سبيل الترضية للجانب اليهودي، فقد عرضت بريطانيا مـسودة (الكتاب) علي اللجنة التنفيذية الصهيونية في 3 يونيو 1922، وقد وافق كل أعضاء اللجنة بما فيهم جابوتنسكي (الصهيوني العنيف) علي الكتاب الأبيض، والذي وضح لهم أن ما جاء فيه لا يمنع من إقامة الدولة اليهودية بمفهومها القومي الصهيوني في فلسطين، وأن وجود الشعب اليهودي في فلسطين حق وليس منة، وأن موضوع الوطن القومي ينظر إليه من جانب بريطانيا علي أنه تطور للمجتمع اليهودي في فلسطين، وليس نتيجة للهجرة الواسعة التي سهلتها الحكومة"( ).
لقد عملت السياسة البريطانية في فلسطين علي تشجيع الهجرة اليهودية وتسهيلها إلي فلسطين، وليس كما صورت الدعاية الصهيونية قبل حرب 1948 علي أن بريطانيا تعوق الهجرة وتمنع اليهود من الإقامة الحرة في فلسطين. ولقد صورت الدعاية الصهيونية أن هجرة اليهود إلي فلسطين تتم رغم سلطات الانتداب البريطاني وأن بريطانيا تسميها هجرة غير شرعية Illegal immigration.
ويظل وعد بلفور واحدًا من الإجراءات القسرية التي أدت إلي تدشين دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين. ولا يقل قرار الإدارة الأمريكية بنقل سفارتها بدولة الاحتلال إلي القدس، أهميةًعن ذلك القرار، الذي يمهد الطريق تمامًا لاستيلاء الصهاينة علي القدس، وتشيد هيكلهم المزعوم بمباركة أمريكية، تخضع الإرادة العربية الراغبة في حماية عروشها علي مباركة هذا الصهود الصهيوني الأخير بالمنطقة، والاستعلاء علي أهلها في علو أخير، مهد طريقه ما اصطلح علي تسمية "صفقة القرن"، والتي هي؛ دع الكيان الصهيوني يحصل علي القدس.. تحصل علي عرشك سالمًا أمنًا.. القدس مقابل العروش العربية الهاوية.

التعليقات