الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

مش عاوزة أتجوز

الكاتب : رباب طلعت

“أنا مش عاوزة أتجوز” كانت صفارة الانذار لبداية العاصفة الكلامية بيني وبين صديقاتي المقربات الاتي لا تجرأ بنات أفكاري على الاختباء منهن وليتها تفعل , كانت ردود الأفعال صارمة لعلهن يريدون تثنيتي عن قراري أو لعلها أثار صدمتهن ولعله سيل الأسئله التي راودتهن آنذاك , فكانت الردود متعددة الألوان ولكنها من أصل واحد كالطيف الناتج عن اللون الأبيض, فكانت ردودهن ” أنتي بتهزري ولا أتجننتي ” , “لولا أني عرفاكي كنت هقولك شاربه حاجة” , “إيه ده أنتي أكيد حد لعب في دماغك ” , “أدي أخرة حقوق المرأة الي جننتينا بيها ” وغيرها من سيل الاتهامات بالجنون أو فقدان العقل أو خلافه .
لم أدخل معهن في نقاش طويل وفضلت الصمت وذلك ليس لضعف حجتي ولا لتجاهلي لآرائهن, ولكن لأنني اتخذت قراري فأنا لن أتزوج إلا كما أريد أنا وليس كما يريد المجتمع والناس والعرف والأهل والأصدقاء والعادات والتقاليد , لن أتزوج لأنهم يريدون بل لأني أريد , ولن أتزوج ممن يريدون ولكن ممن أريد, سأضع قانوني الخاص في الزواج ولن أجبر على ما وجدت عليه أقرنائي ومثيلاتي في المجتمع, ولهذا آثرت الصمت على الكلام معهن ولتتولى كلماتي الرد عليهن وعلى غيرهن ممن يبادرون بالسؤال المعتاد دائما “ها لسة مفيش حاجة” والمتشدقات والشامتات وغيرهن وليكن ما يكن .
إن الأنثى هي الوالدة التي تنبعث منها الحياة هي روح الحياة , بل هي الحياة , هي الزهرة اليافعه المزينة لصحراء العقول الموحشة , هي حواء التي خلقت من ضلع آدم لتأنس وحدته وتكن رفيقته وبوابة الحياة لأبنائه , هي هاجر زوجة إبراهيم التي تجلى فيها معنى الايمان الذي ربت عليه ابنها اسماعيل, هي امرأة فرعون التي قذف الله في قلبها حب موسى عليه السلام لتكن له الآمان من فرعون وبطشه , هي مريم البتول التي كرمها الله على نساء العالمين فبشرها بروح الله ونبيه عيسى عليه السلام , هي أم المؤمنين خديجة أول من آمن برسالة الحق المرسلة على نبي الحق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام , هي خديجه رضي الله عنها التي كانت الحضن, الحصن والمأوى لنبي الهدى لتربط على قلبه وتبشره برسالته الربانية , هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي اغمض رسول الرحمة عينيه بين يديها .
الأنثى هي من كُرِمت في القرآن الكريم بإفرادها بسورة “النساء” وكرمتها الشريعه الاسلامية بالحقوق والواجبات وأشار الله لقلوبهم الرقيقة وحزنهم العميق فقال لها في مواضع مختلفة لا تحزني فقال عن أم موسى عليه السلام في كتابه “ كي تقر عينها ولا تحزن ” وقال لمريم البتول “ فناداها من تحتها الا تحزني ” وأمر حبيبه المصطفى أمته بأن “ استوصوا بالنساء خيرا ” و “رفقاً بالقوارير” .الأنثى التي كرمها الدين هي ذاتها التي أهانها المجتمع , الأنثى التي كرمت بالدين تهان عند البعض بإسم الدين , الأنثى المكرمة أصبحت في المجتمع سلعه تباع وتشترى , سلعه لها مميزاتها الشكلية التي كلما زادت كلما زاد ثمنها , الأنثى سر الحياة أصبحت عبء على الحياة , الأنثى التي تبنى على يديها الحضارات أصبحت أداة للملذات , الأنثى التي وُضِعَت قوانين الزواج والطلاق والخلع لحمايتها أهانها المجتمع بالزواج والطلاق والخلع ذاتهم .
الزواج الذي شرعه الله لحماية الأنثى وحماية نسلها وحمايتها من الطامعين فيها , أصبح تجاره رقيق تباع فيه كرامتها وطموحها وانسانيتها لمن يملك الثمن , الزواج الذي أوصانا الرسول الكريم بأن “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ” أصبح إذ جاءكم من ترضون بماله ومنزله فزوجوه , الزواج الذي أوصانا الرسول الكريم بأن “تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحَسَبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفَر بذات الدين تَرِبَت يداك ” أصبح فاظفر بالمهمشة تربت يداك , الزواج في مجتمعنا أصبح ككل شيء في مجتمعنا “جوازة والسلام” , الزواج في مجتمعنا تحول إلى مسرحية هزلية تتحول فيها المرأة لضحية . ضحية المجتمع , الأهل , الجيران , والأصدقاء وقبل الجميع ضحية نفسها وأحلامها بالفستان الأبيض مفتاح الحياة السوداء التي لم تؤسس على عماد قوي , أحلامها بالخاتم الذهبي والبيت الفسيح والصور العصرية والكلمات المزينة من أصدقائها على مواقع التواصل الأجتماعي , أحلامها الكارثية التي تقتل أمامها كل حقوقها الانسانية واستقلالها الذاتي , أحلامها التي من أجلها تتقبل الأهانة تارة والتهميش تارة أخرى , أحلامها التي نقشت بيد المجتمع في ذهنها , أحلامها التي أخبروها أنها الحامي الوحيد لها من شبح “العنوسة” , أحلامها التي رسمت للزواج صورة مزيفة عن أحلام وردية تنسقها مع شريك حياتها أثناء فترة الخطوبة دونما النظر إلى أخلاقهما , أفعالها, صفاتهما , طبائعهما أو حتى توافقهما معا, فالخطوبة التي حددها الاسلام لتكون فرصة شرعية لمعرفة شريك الحياة أصبحت “لازم تعدي” لأنها “جوازة والسلام” أفضل من أن “يدوسها قطر الزواج” , الزواج يا سادة أصبح تجارة ولكنها تجارة فاشلة وغير مدروسة , الزواج أصبح عبء على الفتاة لذلك اتخذت قراري “أنا مش عاوزة أتجوز” .
نعم لن أتزوج إلا بمن أرتضي دينه وخلقه من يعلم أن “إنما النساء شقائق الرجال ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم” , لن أتزوج من الميسور ” الي عنده بيت ” أو “الي بيشتغل في الخليج” , لن أتزوج إلا من يكون دينه صحيح وعماد دينه الأخلاق , إلا من يؤمن بأنني أنثى مكرمة أنني مزيج من جسد وعقل وقلب , من يؤمن بأنني شريكته في الحياة , والدة أولاده ومدرستهم , من يؤمن بأن علمي سلاح حمايتهم وتقدمه , من يؤمن بأن ثقافتي ليست نقمة وبأن عقلي ليس ناقص , من يؤمن بحقوقي الشرعية , من لا يكيلني بمكيال الجمال والشكل والوزن فقط , من لا يخاف من مناقشتي ومشاركتي في حياته , من يعاملني على كأنثى لا كسلعه, لن أتزوج إلا بمن أرتضيه أباً لأبنائي , من أستأمنه على عقولهم ودينهم وتربيتهم , من أؤمن أنه سيكون حصن ابنتي وملكها , ابنتي التي سينشأها ويعاملها كـ “أنثى” كما يجب أن تكون .

التعليقات