الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

متلازمة مورينيو

الكاتب : محمود عليوة

متلازمة (1) مورينيو




جوزيه مورينيو الاسم العلم في كرة القدم العالمية و تحديدا مجال التدريب ، قام بتدريب أندية بنفيكا و يو دي ليريا وبورتو و تشيلسي و انتر ميلان و ريال مدريد و تشيلسي ( مرة آخرى ) و مانشستر يونايتد. مورينيو يوجب عليه عمله أن يحسن انتقاء و توظيف لاعبي فريقه وعلى الرغم من إنجازاته إلا إنه سبب لنفسه ورطة كبيرة اضطر حينها ليقول "في كرة القدم نرتكب الكثير من الأخطاء".
انتقل محمد صلاح من فريق بازل السويسري إلى تشيلسي الإنجليزي- بناءا على طلب مورينيو - في يناير 2014 بصفقة قيمتها 16.5 مليون يورو، قبل إعارته إلى فيورنتينا الإيطالي- بناءا على اقتراح مورينيو- في الشتاء التالي ثم بيعه إلى روما بعدها بعام، ليعود عبر ليفربول إلى الدوري الإنجليزي مجددا ( في مرحلة لاحقة من هذه المقالة سيتوقف الحديث تماما عن كرة القدم ). يقول مورينيو عن صلاح وهو تحت إشرافه " جاء كطفل صغير، كان ضائعا، وكل شيء كان صعبا بالنسبة له".
عندما عاد صلاح إلى الدوري الانجليزي (هذه المرة على يد الألماني يورجين كلوب) و في أول موسم حصل على لقب هداف الدوري الانجليزي و أفضل لاعب أيضا في نفس الدوري و أحسن لاعب في افريقيا و ثالث أحسن لاعبي العالم و عدة جوائز آخرى.
صحيح أن صلاح حين ذهب لإيطاليا تطور مستواه إلا أن الصحيح أيضا أن القدرات و المهارات التي أبداها صلاح و أبهرت الجميع في ظهوره الثاني في الدوري الانجليزي لم يقدمها له الالماني كلوب و لم يقدمها له الطليان في الفترة البينية ، هذه القدرات و المهارات تخص صلاح و كانت معه قبل و أثناء و بعد مورينيو كانت فقط تنتظر من يدركها و يعترف بها و يرعاها. و بين المرتين – صلاح الضائع وصلاح الذي يحصد الالقاب – يقف مورينيو صاحب المتلازمة مسئولا عما حدث .
المقصود بمتلازمة مورينيو أن يكون الكنز بيد إنسان وما ينقصه ليتلألأ على يديه إلا أن يقبله و يرعاه لفترة قصيرة يفخر بعدها بقبوله ورعايته لهذا الكنز فيرفض المصاب بالمتلازمة هذا كله ولا يرى فيه إلا السئ فيرحل الضائع و يتجه لمن يقدره حيث يشرق و يترعرع و يتلألأ هناك.

و تتفرع متلازمة مورينيو من مجموعة اضطراب استقراء المستقبل (2) ( استقراء المستقبل هو الحكم على المستقبل بناءا على جميع جزئيات الحاضر) و يمثل مستوى أداء صلاح مع تشيلسي الجزئية الأولى وقدراته ومهاراته الجزئية الثانية. لجأ مورينيو إلى الاستقراء الصوري (3) ( الحكم على الأمر ببعض جزئياته ) فحكم على المستقبل بناءا على المستوى و بمعزل عن القدرات و المهارات وهو ما أوقعه في المحظور و أضطره في نهاية الأمر ليقول " في كرة القدم نرتكب الكثير من الأخطاء".

ومن أبرز من عانوا من متلازمة مورينيو مهندس التصنيع الأمريكي ويليام ادواردز ديمنغ و هو أستاذ بجامعة نيويورك ، كان ديمنغ المولود في أكتوبر 1900 إحصائيا، أستاذا جامعيا، مؤلفا، محاضرا، واستشاريا، وقد حصل ديمنغ في البداية على بكالوريوس الهندسة الكهربائية ثم اتجه إلى العلوم فحصل على الماجستير والدكتوراه في الرياضيات والفيزياء، ومن خلال عمله في مصنع "هادثورن" للكهرباء في شيكاغو، اكتشف مدى أهمية الرقابة الإحصائية في ضبط جودة العمل والإنتاج .

قام ديمنغ بطرح نظريته المسماة بدائرة ديمنغ التي بناها على أربعة محاور (خطط – نفذ – افحص – باشر) ونادى بها كوسيلة لتحسين الجودة غير أنه تم تجاهله من قبل قادة الصناعة الأمريكيين وذلك في أوائل الأربعينيات. سافر لليابان بعد الحرب العالمية الثانية بناءً على طلب الحكومة اليابانية لمساعدة صناعاتها في تحسين الإنتاجية والجودة. منذ عام 1950 تولى ديمنغ مسئولية تعليم الإدارات العليا كيفية تحسين جودة وتصميم المنتجات وذلك من خلال تطبيق المناهج الإحصائية كتحليل التباين، وكان ديمنغ – كاختصاصي متمكن ومستشار نابغة - ناجحاً في مهمته لدرجة أن الحكومة اليابانية أنشأت في عام 1951 م جائزة أسمتها باسمه جائزة ديمنغ تمنح سنوياً للشركة التي تتميز من حيث الابتكار في برامج إدارة الجودة.

وقد عُرف "ديمنغ" بلقب "أبو الجودة" في اليابان لكن الاعتراف بنبوغه في هذا المجال تأخر كثيراً في بلده الولايات المتحدة الأمريكية ، لقد علم اليابانيين أن الجودة الأعلى تعنى تكلفة أقل لكن هذه الفكرة لم تكن مدركة آنذاك لدى المديرين الأمريكيين. ويعد ديمنغ أحد أكثر الشخصيات غير اليابانية التي ساهمت في إعطاء المنتجات اليابانية والتصنيع الياباني جودته وثقله وذلك من خلال مساهماته التي تتسم بالابتكار.

الفرق بين مورينيو و المديرين الأمريكان من ناحية و كلوب و مديري مصانع اليابان من ناحية آخرى هو الفرق بين الفشل و النجاح في استقراء المستقبل. ولتجنب الوقوع في متلازمة مورينيو يلزم المرء أن يسأل نفسه و ماذا أيضا ( أو هل من مؤثر آخر) لينتقل بذلك من جزئية لآخرى فإذا ما انتهى حكم حكما صائبا . نعم هناك أمور معقدة يتعرض لها الأنسان و قرارات صعبة عليه أن يتخذها وعلى الانسان ألا يستسيغ فيها -ولا في غيرها- الاستقراء الصوري فهو ما يضطره للخطأ و الاعتذار و يعد الاستقراء الصوري من مصايد اتخاذ القرارات حيث يصل فيه المرء لقرار سريع بناء على فحص بعض الجزئيات و ليس جميعها ويدمنه بعضهم نظرا للسرعة في الوصول للقرار و أيضا لأنه لا يرهق تفكيره كثيرا.

يتفادي الوقوع في متلازمة مورينيو من يرغبون في الوصول لقرارات سليمة و من يقدرون على الصبر لحين الوصول لها ومن يستطيعون تقليب ذات الأمر من وجوه عدة ومن يرغبون ألا يقولوا عن أنفسهم في نهاية المطاف "نرتكب الكثير من الأخطاء ".
______________________________________________
(1) مصطلح متلازمة يعني بالإنجليزية Syndrome و تترجم أحيانا على أنها متزامنة أو متناذرة و تعني تزامن أعراض أو علامات مع بعضها البعض مما يدل أو يشير إلى وجود مرض معين و أصلها اليوناني يعني حدوث ترافق أو تزامن أعراض أو علامات معاً واستخدم المصطلح في العقود الأخيرة خارج الطب.
(2) الاستقراء أو الاستدلال الاستقرائي هو أحد أشكال الاستدلال وبتعبير منطقي هو الاستدلال الذي ينتقل من الجزئي إلى الكلي. أي أنه الحكم على الكلي بما يوجد في جزئياته جميعها،
(3) الاستقراء الصوري اي الحكم على الكلي بما يوجد في بعض أجزائه، وهو الاستقراء القائ

التعليقات