الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

ما بين القاهر والظافر وأصابع الكفتة ... 60 سنة عسكر

عقب إنقلاب يوليو 1952 كانت المحاولات الحثيثة من قادة الإنقلاب لمحاولة تثبيت أركان الحكم العسكري الوليد ،وعلى مدار العشر سنوات التالية للإنقلاب تم إستخدام وسائل عدة ففتحت أبواب المعتقلات للآلاف وتم قتل الآلاف وتم صياغة مسرحيات عدة كمسرحية الإغتيال الشهيرة والهدف تحويل قائد الإنقلاب آنذاك من مجرد شخص ذو تفكير محدود غير صالح إلى أيقونة ورمز.
وجد الإنقلاب ضالته فى ضرورة خلق إختراع عبقري يخطف عقول الشعب ويزيد من تمسكه بقائد الإنقلاب ،كانت كل الطرق تؤدي إلى أن يكون الإختراع عسكرياً ،فهناك عدو واحد للجميع "إسرائيل" حينئذً ،وجل أمل الشعوب العربية جميعاً هو وجود ما يهدد وجود إسرائيل فكان الإختراع العجيب ،صاروخي القاهر والظافر .
أقيمت الأفراح والإحتفالات إبتهاجاً بقدرة مصر على القضاء على إسرائيل آنذاك وتم خداع الشعب بالفعل إلا أن نكسة 67 جاءت أسرع مما يتخيل الكثيرون وكانت ردود أفعال المواطنون فى الشوارع ضرب الكف على الكف وكانت تساؤلاتهم ،كيف خسرنا الحرب ونحن نمتلك القاهر والظافر !!! وظل هذا السؤال لا يجد إجابة حتى اليوم ولم يعرف أي شخص على وجه الأرض حينها حقيقة القاهر والظافر اللهم إلا ثلاثة أشخاص فقط ،جمال عبد الناصر وقرينه محمد حسنين هيكل وشخص آخر ثالث هو "الحداد" الذي قام بصناعتهما .
تمر السنوات تلو السنوات ويثور الشعب على إنقلاب يوليو 52 في 25 يناير 2011 ،إلا أن العسكر لم يرفع الراية البيضاء وإستمر فى حياكة خيوطه فى الظلام حتى قرر مرة أخرى الإنقلاب ،ليس إنقلاباً على رئيس منتخب كما يعتقد بعض ضيقي الأفق إنما إنقلاباً على ثورة يناير.
ومن سخرية القدر أن يتخذ قائد الإنقلاب فى 2014 من هيكل قريناً ،ربما لم يجد هيكل أي سبيل فى إبتكار خطوات جديدة لتثبيت أركان الإنقلاب الوليد ،فكان إستدعاءه لسيناريو 54 دون مراعاة لفروق جوهرية بين البيئتين المحيطتين بكلا الإنقلابين.
فأعادوا فتح المعتقلات وإكتظت السجون بالآلاف ،وقتلوا الآلاف فى الشوارع ،وهتكوا الأعراض ولم يراعوا الحرمات .. إختصاراً قاموا في شهور قليلة بتنفيذ سيناريو الخمسينات والذي طبق فى سنوات عديدة ،إلى أن وصلوا إلى باب "الإختراع الجهنمي .. لتثبيت أركان الإنقلاب العسكري" ،إلا أن المأزق الذي وقعوا فيه تعلق بطبيعة الإختراع وكيف يسبب الدوي العملاق المرجو منه ،فى الخمسينات كان العدو الإسرائيلي عاملاً محفزاً جيداً لهم إلا أن فى 2014 لم تعد إسرائيل عدواً !!! إستمر البحث والتنقيب حتى تم الإستقرار على أن يكون العدو المستهدف هي الفيروسات الفتاكة التي تحتل أجساد الملايين من أبناء الشعب .
وبالفعل تم تكليف الهيئة الهندسية لخير اجناد الارض بالتعاون مع مصانع الإنتاج الحربي لخير أجناد الأرض ،بإنجاز المشروع العملاق الذي يمثل إنجاز علمي هائل لم تستطع معامل البحوث العالمية من مجرد التفكير فيه ،وسريعاً تم إنجاز المشروع والإحتفاء به فى مؤتمر صحفي عالمي حضره قائد الإنقلاب وسكرتيره فى الإتحادية ،ووقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أحشو أصابع الكفتة وحدي.
لقد راهن الإنقلاب على الشعب المصري العظيم الذي يتم تصنيفه وهو طفلاً أذكى أطفال الأرض ،وهو شاباً أكثر شباب الأرض فحولة ،وهو عجوزاً أفضل كادر سياسي على مستوى العالم وهو فى التربة المتوفى الوحيد المتمتع بحقوقه السياسية من حق الإنتخاب وربما حق الترشح أيضاً كالمطالبين بترشح اللواء عمر سليمان الله يرحمه ويديه الصحة والعافية لإنتخابات الرئاسة المقبلة .
ونجح رهان الإنقلاب فقد آمن قطاع عريض من الشعب المصري العظيم بأن مصر أصبحت "قد الدنيا". وكتب شهادة نجاح للعسكر فى تغفيله وللمرة الثانية خلال ستون عاماً فقط للمواطن الشريف ،وبعد أن لبس القاهر والظافر وإستفاق على كارثة نكسة 1967 عاد ليلبس أصابع الكفتة وسيصحوا حتماً على فضيحة أخلاقية تهتز لها أركان الدولة المصرية ،إلا أن الواقع المرير بات يؤكد أن ما بين "القاهر والظافر" وأصابع الكفتة ستون عاماً من التخلف والجهل هي مدة حكم العسكر لمصر .

التعليقات