الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

فن كتابة السيناريو1 - السيناريو ليه ؟

الكاتب : كريم بهاء

من المدهش حقا ان نتتبع تاريخ فن الفيلم ، و اكثر ما هو مدهش فيه هو تلك السرعة الشديدة في النمو و التعقد و تلك الحركة التي لا تتوقف و التي تتغير دائما من صورة إلى آخري ، و كما هي العادة في الفنون كلها فإن اي حركة فنية جديدة تتحول إلى موضة و تسود لفترة من الزمن لكنها لن تلغي ما قبلها ، فكثيرا من الاتجاهات الفيلمية التي تظهر ماتلبث ان تختفي ليحل محلها اتجاهات جديدة و تظهر افلام جديدة و لكنها في النهاية لن تلغي الافلام القديمة و لن تلغي متعة مشاهدتها و لن تلغي تعلق الناس بها لفترة من الزمن .
لذا فإننا يمكن ان ندرك بسهولة ان الفن تراكم ، اي انجاز وراء الآخر ، و تجربة وراء الآخري إلا ان البدايات في اي فن تكون غامضة ، تكون كمن يسير في ممر مظلم و يسعي للبحث عن شعلة ، و هكذا كانت بداية فن السينما .
اول عرض سينمائي في العالم كان في فرنسا في الصالون الهندي ببدروم مقهي جراند كافيه في ديسمبر لسنة 1895 ، فلقد استأجر الاخوان لوميير هذا المكان ليقوما بعرض اختراعهما و هي آلة تتمكن من عرض صور متلاحقة تمر بسرعة شديدة تصل إلى 16 صورة في الثانية الواحدة مما يخدع العين البشرية و يجعلها تظن ان الصورة تتحرك .
و لم يكن احد يهتم بأي شئ إلا اهتمامه بأن الصورة تحركت ، العرض الاول كان بمثابة عرض للعبة بصرية جديدة لم يتحدث عنها احد باعتبارها فن بل هي لعبة ، لعبة شاهدها في عرضها الاول ما يقرب من مائة شخص دفع كل منهم فرنك واحد ليري عدة افلام لم تزد مدة العرض في هذا اليوم عن عشرين دقيقة .
بدا ان امر مستقبل هذه اللعبة محدود كما رأي والد الاخوين لوميير ففي رأيه ان الامر لن يتجاوز عامين او ثلاثة و ينتهي الاهتمام بهذه الآلة التي تعرض الصور على القماشة البيضاء ، خاصة و ان اللعبة التي تم اختراعها كان الهدف منها هو عرض أي شئ يتحرك ، فيتم تصوير اي شئ كخروج عمال من مصنع ، او دخول قطار للمحطة ، او حتي وصل الامر ان قاما الاخوين لوميير بتصوير عائلتهم اثناء تناول الطعام و عرض هذا كفيلم على الشاشة
لكن كان هناك بحث عن الاثارة ، بحث عن ايجاد متعة اكبر في هذه اللعبة البصرية خاصة و انها انتشرت في ارجاء العالم كله و بات لها محبين و منتظرين و رخص سعر تذاكرها جعلها متعة شعبية يسعي لها الجميع ، فكان لابد من خلق موقف ما ليتم تصوير .
في هذه اللحظة يمكن القول انه كانت هذه هي الومضة الاولي لفكرة السيناريو ، فتم خلق مواقف بسيطة يتم تصويرها في لقطه عامة بحجم ثابت و بدون حركة مطلقا في الكاميرا و كان هذا الموقف الذي يتم تصويره مثلا : يتم تصوير جدار اثناء تدميره ، و الاعقد منه هو خلق نكته على الشاشة بحيث يظهر رجل و هو يقوم برش حديقته بالخرطوم غير منتبه لطفل يقترب من وراءه واقفا على الخرطوم ليمنع المياه من التدفق و ما ان ينظر الرجل لداخل الخرطوم باحثا عن سبب انقطاع الماء ليرفع الطفل قدمه فتندفع المياه مرة اخري في الخرطوم لتضرب وجه الرجل و ينتهي الفيلم و يضحك الجمهور !! فعلا كان الجمهور يضحك ، هذا الجمهور الذي مثل قوة دفع لم يسبق لها مثيل مع اي فن آخر لتتطور السينما بصورة غير مسبوقة .
التطور تم على يد رجال امثال جورج ميلييه في فرنسا ، ادوين بورتر في امريكا ، ولتر هاجار في انجلترا .. آلخ ، أناس رأوا في السينما ما هو ابعد من كونها لعبة ، او مجرد اختراع علمي سينتهي مع الوقت ، و بالفعل راهن هؤلاء على الفيلم كفن و راهن الجمهور معهم واثقا في أن هؤلاء المبدعين الاوائل قادرون على امتاعه .
فجورج ميلييه هذا الرجل الذي جاء من عالم السيرك حيث كان يعمل كساحر لينقل هذا السحر إلى الشاشة بدأ يستهويه فكرة الموضوعات ، اي خلق موضوع يتم عرضه على الشاشة و لم تكن مصادر الموضوعات إلى من اعمال فنية اخري كالمسرحيات او الروايات او الاساطير الشعبية ، لذا ظهر إلى النور فيلم يحمل اسم ( رحلة إلى القمر ) عام 1902 من اخراج جورج ميلييه مستوحي من رواية جول فيرن الشهيرة التي تحمل نفس الاسم ، قدم ايضا افلام اخري مثل (سندريلا ) عام 1899 ، (مملكة الحواديت) 1903 ، (عشرون الف فرسخ تحت الماء ) عام 1907 ، و الملاحظ في كل هذه الافلام انها اعتمدت على مصادر آخري و كأن الهدف الحقيقي لدي ميلييه هو البحث عن موضوع او شئ يمكن ان يقدمه بشكل مبهر ، و لذلك يعد ميلييه هو اول من ادخل الخدع السينمائية في الافلام لكن النضج الحقيقي في مجال تقديم موضوع سينمائي و الذي صار يعرف فيما بعد باسم السيناريو بدأ مع ادوين بورتر .
ادوين بورتر قدم في عام 1903 فيلم (سرقة القطار الكبري ) و هو واحد من الافلام التي تعد اول محاولة حقيقية لتمييز السينما عن الفنون الآخري ، بل يمكننا ان نسجل أن هذا الفيلم يعد هو من ساهم في تحويل السينما إلى فن ، فالفيلم - الذي قد يضحكنا كثيرا اذا شاهدناه الآن بسبب الحركة السريعة للممثلين او الاداء التمثيلي المبالغ فيه – إلا انه ضم مجموعة من العناصر المميزة لفن الفيلم نذكر منها :
- خلق احداث مختلفة يتم الربط بينها بواسطة 1- الصورة ، 2- المونتاج فيما يعرف بتدفق السرد بحيث ينقل المخرج للمشاهد الاحساس بالزمن بانتقاء الاحداث الهامة و الدالة و ربطها مع بعضها على نحو يعطي احساس بالاستمرارية و التصاعد .
- نقل المعلومات الدرامية للمشاهد بواسطة الصورة فقط و تم الاستغناء عن عادة انتشرت في العديد من الافلام الصامتة حتي بعد هذا الفيلم و هي عادة كتابة الاحداث على الشاشة حين تصبح هناك صعوبة في فهم ما تعرضه الصورة .
- تحريك الكاميرا بحيث يتم تسجيل اول حركة استعراضية (بان) و يتم التقاط اول لقطه متوسطة لرجل يطلق نيران مسدسه .
لم يكن فقط هذا هو الدور الذي قام به فيلم ( سرقة القطار الكبري ) بل ان الفيلم له دور اكثر اهمية و هو انه جعل الصناع يدركون انهم مجال فني قادر على النمو ، و هذا ما حدث بالفعل ، الارباح زادت بصورة كبيرة و ازداد عدد دور العرض التي لم تكن دور عرض متخصصة في البداية كما هو الحال الآن بل كانت الافلام تعرض كفقرة داخل فقرات التياتروهات او داخل المقاهي ، يروي ان في مصر قام صاحب احد المقاهي بتحمل تكلفة تصوير فيلم يظهر فيه هو اثناء قيامه برفع يده لأداء التحية ، ثم كان يقوم بعرض هذا الفيلم قبل اي عروض يقدمها في مقهاه و بهذا يعد هذا الرجل – للأسف مجهول الاسم بالنسبة لنا الآن – هو واحد من اوائل الممثلين في العالم .
ازدياد الطلب على الافلام ادي إلى زيادة المعروض و ادي إلى ما هو اخطر و هو السرقات الفنية ، يذكر انه العديد من الافلام التي كانت تنتج في هذه الفترة بمجرد نجاحها حتي تقوم مجموعة من الاستديوهات باعادة تنفيذها لتصنع نسخ تكاد تكون طبق الاصل من هذه الافلام و يتم توزيعها باعتبارها نسخ اصلية ، و الماساوي في هذه البدايات ان العديد من الافلام الاصلية قد فقدت بالفعل اما باعادة تصنيع الخام بعد ان يكون قد استهلك ، او لكثرة عدد النسخ المزورة ، و لم يكن هناك اهتمام حقيقي في البدايات بموضوع حقوق الملكية الفكرية للافكار المقدمة بل كل الاهتمام في مجال حقوق الملكية كان يتجه إلي ما هو أكثر ثباتا ، مثل الاستديوهات ، ماكينات العرض ، ماكينات التصوير ، شركات انتاج الافلام الخام ، و هكذا بات الفيلم نفسه – او لنقل الفن نفسه – هو الضحية .
لقد وصل الامر في بعض الاحيان ان قامت شركة بارامونت – واحدة من اقدم الشركات في مجال الانتاج – بافتتاح استديو في فرنسا يتم فيه تصوير فيلم بنفس الموضوع و لكن بممثلين من اعراق مختلفة ، بحيث يتم توزيع الفيلم المصور بعرق بشري ما وفقا للبلد التي سيذهب لها ! .
لكن تنامي الاقتصاديات و اشتعال العديد من الحروب الاقتصادية في هذه الفترة ادت إلى تعقيد الامور من جانب و دفعت بقوة لفكرة ظهور السيناريو كنص سينمائي يمكن تسجيله و توحيده بحيث لا يتم تكراره او اقتباسه إلا بعد دفع مقابل مادي و احد اسباب هذا الامر ايضا كانت ( غرفة النكات ) التي تم اعدادها في بعض الاستديوهات بحيث يجلس مجموعة من الافراد يعملون على تطوير مواقف مضحكة ليتم عرضها داخل الفيلم و من اشهر المنتجين الذين عملوا بهذا النظام و هو نظام ( غرفة النكات ) كان المنتج ماك سينيت التي ترجع اهميته لكونه مكتشف اسطورة سينمائية لمعت بعد ذلك اسمه شارلي شابلن ، كذلك سعي الانتاج – خاصة الامريكي – للوقوف على فكرة هي التي طورت صناعة السينما فيما بعد بشكل كبير و هي فكرة القوالب الجاهزة اي ملاحظة نجاح نوع معين من الافلام و طريقة معينة من تتابع الاحداث – السرد – بحيث يتم تكراره بأكثر من شكل و يتم تعديل فقط الشخصيات او اماكن الاحداث و زمنها .. آلخ .
على الطرف الآخر كان الجمهور المتعطش للمزيد كطفل صغير سريع الملل سريع الضجر و هو ما دفع صناع الافلام لتطوير موضوعاتهم و تعقيدها و الدفع بالمزيد من الاحداث و خلق ما سيعرف بعد ذلك باسم الحبكات و خلق الانواع الفيلمية المختلفة لارضاء الجمهور .
هكذا لم تكن اعوام الحرب العالمية الاولي تدق الابواب حتي كان الجميع يتعامل مع السينما باعتبارها فن جاء ليبقي و صناعة مربحة لها جمهور ضخم من مختلف الطبقات الاجتماعية ، و لها خطوات محددة في التنفيذ و منها ضرورة وجود اعداد مسبق لما سيتم تصويره و هو ما عرف بعد ذلك باسم السيناريو .
جاء بعد هذه الفترة العديد من المنظرين و النقاد و الاكاديميين و حاولوا وضع تحديد لكل تخصص من تخصصات فن الفيلم و كان من ضمنها السيناريو و سعي العديد منهم لتعريف السيناريو و نذكر هنا آخر تعريف دقيق يمكن الوقوف عنده و النظر إليه باعتباره التعريف المناسب للسيناريو – مع العلم ان هذا التعريف تم وضعه منذ ما يقرب من ثلاثين عام – و هو تعريف محاضر السيناريو الشهير ( سد فيلد )
السيناريو هو : قصة تروي بالصور يدور حول شخص او اشخاص في مكان او اماكن يعبر عن هذه العناصر دراميا بواسطة بناء محدد له بداية و وسط و نهاية .
مراجع ينصح بالاطلاع عليها للتوسع في موضوع المحاضرة :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- ديفيد روبنسون ، تاريخ السينما العالمية ، ت : ابراهيم قنديل ، المجلس الاعلي للثقافة – المشروع القومي للترجمة كتاب رقم 99 ، القاهرة ، 1998

- جورج ميديك ، موسوعة السينما المصورة في العالم – المجلد الاول من السينما الصامتة إلى السينما الناطقة ، دار الراتب الجامعية ، بيروت ، بدون تاريخ

- أرثر نايت، قصة السينما في العالم: من الفيلم الصامت إلى السينيراما، ت : سعد الدين توفيق، دار الكتاب العربي ، القاهرة، 1967

- جورج سادول، تاريخ السينما في العالم ، ت : إبراهيم الكيلاني ، فايزكم نقش ، منشورات بحر متوسط ، بيروت- باريس، مطابع عويدات، 1968

- ستانلى جيه سولومون، أنواع الفيلم الأمريكي ، ت : مدحت محفوظ ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995

- سد فيلد ، السيناريو ، ت : سامي محمد ، دار المأمون ، بغداد ، 1989

التعليقات