الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

فن كتابة السيناريو2 - كيف تكتب فكرة فيلم

الكاتب : كريم بهاء

لا يزال لدينا الكثير لنعرفه عن السيناريو ، تلك المرحلة الهامة و الرئيسية في صناعة الفيلم و التي تمر هي الاخري بمجموعة متصاعدة من المراحل تبدأ من ( الفكرة ) او ما يمكن ان نسميه الشرارة الاولي .
فأي فيلم يبدو من بدايته كأنه سلسلة من التفاعلات تتصاعد تدريجيا من مجرد كلمات قديمة في حاجه إلى ترتيب داخل عقل السينارست حتي تصل إلى نص سينمائي ( سيناريو ) ثم يتم تداولها بين جمهور معين و هو باقي العناصر الفنية في الفيلم من مهندس ديكور لمصمم ازياء لمدير انتاج و مدير تصوير و مهندس صوت و مساعدي اخراج و منتج و مخرج ليتم تنفيذها و من ثم يصبح هناك قابلية لترتيبها بصريا بواسطة المونتاج و اعداد النسخ النهائية للعرض حتي يتم عرضها فعليا .
و الشرارة الاولي لكل هذه التفاعلات هي ( الفكرة ) ، و كثيرا ما تنطلق في رؤسنا بدايات اولية لافكار قد لا تكتمل و قد تبدو مبهرة في شراراتها الاولي بعقولنا و قد تبدو أن لا مثيل لها ، او على العكس تماما لا نظن انها ستنجح و لا نظن اننا سنجد الممثل / ممثلة مناسبين للدور ، و في كثير من الاحيان تلمع في رؤوسنا افكار مرتبطة بازمات اجتماعية او اوضاع سياسية راهنة و باندفاع حماسي نبدأ في الكتابة متأثرين بما يحدث و لكن بعد قليل يخبو الحماسة و تنطفئ الشرارة ، و ايضا قد تتولد الشرارة من خلال بعض الصور التي تمر بمخيلتنا و نعتقد انها تصنع نقطة مثيرة في فيلم فنبدأ في بناء هذا الفيلم و لكن مع الوقت نتوقف و لا نجد اي شئ مبهر في الفيلم إلا تلك الصور التي كانت في مخيلتنا .
فما الذي يحدث ؟ في حقيقة الامر ان الذي يحدث هو ازمة ابداعية يمكن التعامل معها اذا تمكنا من ترتيب اوراقنا و ترتيب خطواتنا ، اذ لكي تولد الشرارة الاولي سلسلة من التفاعلات لابد ان نهيئ لها الظروف المناسبة بل و لابد لنا ان نفهم مصدر هذه الشرارة و كيف ننميها .


و الفكرة – اي فكرة – طالما هي درامية فهي تتكون من ثلاث محددات رئيسية لا تخرج عن احداها و هم :
- شخصية
- حدث
- فكرة مجردة ( تسمي في بعض الكتب مقدمة منطقية )
هذه المحددات الثلاثة تستطيع بسهولة ان تبدأ من احداها و لكنك ستكتشف في النهاية ان كل فكرة درامية تحتوي على الثلاث محددات و اي فكرة بدون احداها لا تكن فكرة اصلا ، و هذه المحددات على شموليتها يمكن بسهولة تحديدها فلننظر فيها بشكل اعمق و اكثر تفصيلية .
المحدد الاول : الشخصية .
دائما ما ننبهر بالآخرين مهما كان سلوكهم بل احيانا لا يجذب انتباهنا إلا الشخصيات المختلفة او المغايرة عن واقعنا اليوم المعتاد و الشخصيات التي نتلقي بها ، و في كثير من الاحيان يصبح المدخل الافضل لأي فكرة هو الشخصية ، ابدء فكرتك بشخصية تعرف عليها و اسأل نفسك اسئلة حولها مثل :
لماذا هذه الشخصية دون غيرها هي ما تصلح لفكرتي ؟ ( محدد1 : الشخصية )
ما هو المهم في حياة هذه الشخصية يجعلها تصلح لأن تكون درامية ؟ ( محدد2 : حدث )
لماذا لفتت هذه الشخصية انتباهي ؟ ( محدد3 : فكرة مجردة )
الاسئلة الثلاثة السابقة تغطي في نهاية الامر المحددات الثلاثة للفكرة الدرامية كما نلاحظ و يمكن ادراك ان كل حدث مهما كانت بساطته يمكن ان يصلح لأن يكون حدث درامي لكن المهارة تكمن في طريقة تقديمه ، اعتقد ان احد منا لن ينسي مشهد شهير في فيلم ( اتش دبور ) حينما يحاول البطل التعامل مع حمام بلدي ، و كيف ان ما يبدو لنا امر بسيط و فعل نمارسه بشكل يومي اكثر من مرة و هو دخول الحمام تحول إلى مأزق كبير لدي البطل و اخذ الكاتب يصعد مفارقاته في هذا المشهد بدءا من دخول البطل للحمام و اعتقاده ان الغسالة هي التواليت ثم بحثه عن مقعد ليحطمه و يتمكن من الجلوس عليه كتواليت .

و في نفس الوقت نجد شخصية اخري في فيلم (changeling ) من اخراج كلينت ايستوود هي شخصية ام فقدت ابنها منذ عدة اشهر و الشرطة المتعجلة في حل القضية لتحسين صورتها اعلاميا تضع بين يديها طفل آخر و يتم تدريب الطفل ليظل يردد ان هذه المرأة هي أمه ، و وسط ذهول الام و عدم قدرتها على استيعاب الموقف يتم التقاط الصور و تظهر في الصحف صورة ام تمكنت الشرطة من اعادة ابنها لها لكن في قرارة نفس الام هي تعلم جيدا ان هذا ليس ابنها ، هذا الحدث المعقد تحكمه سلوك شخصية ام فقدت ابنها تريد استعادة ابنها و امامها طفل صحيح يشبه ابنها لكنها تدرك انه ليس هو و من هذا الحدث المعقد تتصاعد باقي احداث الفيلم .
و طالما نتحدث عن الشخصية فعلينا ان ندرك ان لكل شخصية – بما فيها شخصياتنا جميعا – هناك فكرة مجردة تحكمنا و تحكم سلوكنا ، بل و تكاد تكون هي الدافع الاساسي للكثير من تصرفاتنا ، و لتوضيح هذه الفكرة نجد ان الاعمال المعتمدة على السيرة الذاتية و التي تعتمد على شخصيات واقعية تفتقد هذا الوعي بأن كل شخصية لها فكرة مجردة تحكمها لذا نجد العديد من هذه الشخصيات في مسلسلات مثل ( ام كلثوم ) او غيرها تتصرف بملائكية و بسلوك لا يشوبه خطأ ، مما يجعلها شخصية منفرة و غير منطقية ، و هذا على عكس ما نراه في مسلسلات كتبت بوعي عن شخصيات واقعية مثل مسلسل ( الملك فاروق ) حيث تظهر ان الفكرة المجردة التي تحكم الشخصية هي رغبتها في الحياة كأنسان لا كملك ، و مسلسل آخر و هو (اسمهان) نجد ان الشخصية في سعيها طوال احداث المسلسل تطارد حريتها و تسعي لها مهما تكلف الامر و هذا ما يؤدي بها في النهاية للقتل .
المحدد الثاني : الحدث .
الحدث هو البعد الاكثر ارتباطا بفكرة الصراع ، و في اي فكرة درامية لابد من وجود حدث يدفع هذه الفكرة للامام و يصل بها إلى بر أمان و هو نهاية الصراع ، و الحدث الدرامي هو تماما اي حدث يومي لكن الفارق الاساسي بين الحدث الدرامي و اليومية هو ان الحدث الدرامي يحتاج إلى السببية اي يكون هناك سبب يؤدي إلى ظهور هذا الحدث و ان تكون الاحداث مترابطة مع بعضها في سلسلة متتابعة بحيث لا يشعر المشاهد بالملل و لا يصاب بنوع من عدم الفهم ، و سيأتي في محاضرات لاحقة شرح فكرة السببية بشكل اكثر تفصيلا ، لكن ما يهمنا هنا الآن ان نفهم ان الحدث الدرامي يكتسب منطقه من وضوح الصراع .
فالصراع يتم بين الشخصية – التي تحدثنا عنها – ضد شخصية أخري قد لا يعنينا في البداية و نحن نكتب الفكرة ان نحدد على وجه الدقة من هي الشخصية الآخري ، لكن يمكن ان نشير لها باعتبارها مجموعة من العوامل او الظروف ، كأن تكون مجموعة اشخاص او مجتمع او ظاهرة طبيعية كبركان او زلزال ، او حتي و إن كان صراع داخلي يمكننا ببساطة تعميمه اثناء كتابة المسودة الاولي لفكرتنا و ذلك حتي لا نتعمق في تفاصيل قد تعطلنا بل نؤجل مرحلة تحديد البطل الضد او الطرف الثاني في الصراع إلي مرحلة لاحقة تعرف بالملخص الدرامي .
لكن ما يعنينا في سعينا لتهيئة الظروف للشرارة الاولي لفيلمنا لكي تنطلق هي ان نري هل الشخصية التي اخترنها تناسب هذه الاجواء من الصراع ، و هل هي قادرة على الدخول في صراع ضد هذا الطرف بذاته ، فطفل صغير مضطهد هل يمكن ان ادعه يدخل في صراع ضد المجتمع ليقاوم هذا الاضطهاد ، اعتقد ان الصراع هنا محسوم لصالح المجتمع الذي سيضرب الطفل و يضعه في الفراش بدون عشاء ، لكن لو اصبح هذا الطفل مراهق يستطيع ان يخطف من المجتمع ما يريد و يجري ! و يسعي المجتمع من خلال الشرطة ان يقبض عليه ، هنا سيصبح هناك صراع منطقي و متوازن في القوة مثلما جاء في الفيلم البرازيلي ( city of god ) .
المحدد الثالث : الفكرة المجردة .
الفكرة المجردة هي قيمة اخلاقية او اجتماعية ، هي النتاج لدخول شخصية ما في صراع ما ، لتصل في النهاية إلى حقيقة او رسالة او معني مطلق ، فمثلا نجد في مسرحية (هاملت) التي تدور حول ابن شاب يعرف من شبح ابيه ان العم قتل الاب و استولي على العرش و يظل هاملت في صراع بين نفسه و بين ما حوله من ظروف في محاولة منه لاثبات الجرم على العم إلي ان يفشل في النهاية في اثبات الجرم و يخسر كل من حوله و يقتل لنكتشف في النهاية ان التردد يدمر صاحبه ، هذه الكلمات الثلاث هي الفكرة المجردة التي تحكم مسرحية هاملت .
او قد نجدها كما في فيلم ( المنسي ) حيث يصل البطل – ابن الطبقة المتوسطة - في النهاية إلي مواجهة القوة الراسمالية المتمثلة في رجل الاعمال – الطرف الثاني في الصراع – ان بينهما معركة مؤجلة و سيظل كل منهما يحتمي بما يستطيع فالفقير سيحتمي بالفقراء و البسطاء امثاله ، اما الغني فسيحتمي برجال حراسة خاصة .
و قد نجد احيانا ان التركيز على الفكرة المجردة و اهمال العناصر الاخري من الفيلم يضعف المستوي الفني للفيلم ، و هذا الامر نلاحظه كثيرا في افلام المخرج خالد يوسف الذي يقدم شكل آخر من الافكار المجردة و هي القيم الاخلاقية و الاجتماعية لكنه و نتيجة سعيه لتوضيح فكرته المجردة طوال الوقت يصبح هاجسه هو توضيحها بصريا بأي شكل من الاشكال ، و يحدد محاضر السيناريو الامريكي (روبرت مكي ) عدة عناصر يمكن ملاحظتها في هذه النوعية من الافلام فيقول انها تحتوي على اربع عناصر و هي :
- مشاهد للاثارة الحسية .
- مشاهد مثقلة بجدل سياسي و تأمل فلسفي في غير محله .
- وصف منطوق لوعي الشخصيات بذاتها و عواطفها .
- مساحات موسيقية لا حصر لها للتاثير على مشاعر المشاهدين .
ليس من الغريب ان نجد ان كل هذه العناصر متوافرة و بوفرة في افلام خالد يوسف لأنه من الواضح يركز على الفكرة المجردة التي يريد توصيلها و ينسي تماما ان المشاهد جاء ليتابع شخصية تتحرك داخل احداث في صراع يطمح المشاهد ليراها و هي تصل إلى نتيجة ما سواء بالانتصار او الهزيمة ، و لا يعني المشاهد كثيرا مثالية الشخصيات من عدمها ، فكثير من المشاهدين تابعوا و باستمتاع سلسلة افلام ( الاب الروحي ) على الرغم من انها تدور في اجواء عالم الجريمة و البطل من القتلة لكن هناك فكرة مجردة تحكم هذه السلسلة و هي فكرة قيمة العائلة و الولاء للاب و مدي قداسته ، هذه هي ما تصل للمشاهد في النهاية و كلما وصلت فكرتك المجردة للمشاهد دون وعي منه كلما كان افضل ، لماذا ؟ .
لأن الفن عموما متعته في انه غير مباشر يحمل بين طياته رسالة – كود في علم الاتصال- يسعي المتلقي لفكها و يجد متعة كبيرة في فكها و قرائتها و فهمها وفقا لتجربته الخاصة ، اما المباشرة في الفن فلا حاجه لها لأن الحياة بها لاكثير من المجالات للحديث المباشر كالخطب الدينية و المحاضرات العلمية .. آلخ .




خريطة طريق لكيف تكتب الفكرة
بعد ان وصلنا إلى فهم مبادئ للمحددات الثلاثة يمكننا ان نضع خريطة طريق تكشف لنا عن كيف يمكن ان نعد شرارتنا الاولي لتصبح جاهزة كي تتسبب في السلسلة المتتالية من التفاعلات وصولا للسيناريو ثم الفيلم في صورته النهائية .
الحاجه إلى اختزال فكرتك في عدد محدود من الاسطر هو الحاجه إلى تكثيف موضوعك ، تخيل صديق لك في مشكلة و جاء ليحكي لك مشكلته و لكنه اخذ يتحدث لمدة طويلة ستكتشف مع الوقت انك اما توهت منه ، او انك اصبت بالملل ، او لم تعد قادر على تحديد موقع المشكلة و قد يصل الامر في النهاية إلي ان تلوم صديقك نفسه معتبرا اياه هو المخطئ
تخيل نفس الصديق لو استطاع ان يحدد باسلوب بسيط و في ايجاز ماهية مشكلته حينها ستستطيع ان تراها معه و تصبح قادر على فهمها بشكل افضل .
و ارجو ان نتذكر دائما ان الفن هو تقنية حياتية للتفكير من خلال التكثيف و بالتالي فتكثيف فكرتك في ثلاث سطور هو بمثابة اطلاق شرارتك الاولي .
يمكن تحديد مجموعة من العناصر تتبعها يصل بنا إلى فكرة في ثلاث اسطر كما هو موضح في الشكل التالي :

ــــــ ترغب في ــــــ
الشخصية ـــــــ (الحدث الرئيسي ) ـــــ تدخل في صراع ضد ـــــ و تصل إلي ـــــــ الاكتشاف
(من هو البطل ؟) ــــــ تجبر علي ـــــــ ( البطل الضد ) ( نتيجة الصراع) ( الفكرة المجردة )


هذا الشكل هو وسيلة للمساعدة في ترتيب افكارك لوضعها في قالب يمكنك من كتابة الفكرة في سطور ثلاثة ، انصح بالالتزام به و لكن في نفس الوقت انصح باجراء المزيد من التجارب من جانبك كمبدع ، حاول ان تجد نموذج اسهل او ابسط ، حاول جاهدا ان تجد اقصر الطرق لشرح فكرتك حتي و لو في جملة واحدة ، المهم الا تتوقف عند هذا النموذج معتبرا اياه نهاية المطاف .
مصادر الافكار
الافكار دائما متوفرة في كل شئ و من كل شئ يمكن ان تخرج الافكار ، فعلي الرغم من ان الافكار التي تشكل المادة الخام للكاتب لا يمكن الامساك بها او جعلها شئ مادي ملموس ، لكنها تمتع بخاصية الانتشار و امكانية العثور عليها في كل شئ نذكر منها هنا العديد من المصادر :
التراث الادبي
الروايات
الاعلام و ما هو معروض من اخبار في الصحف او في المحطات التلفزيونية
احداث الحياة اليومية وفقا لما هو موجود في بيئتنا الاجتماعية
الشخصيات التي نلتقي بها في حياتنا اليومية
الشخصيات العامة
القصص الديني
العديد و العديد من المصادر و يبقي دور الكاتب انه كالباحث عن الذهب عليه ان يحفر و يستخرج الذهب قبل ان يتخلص من شوائبه و يثقله و يجعله مادة خام صالحة للتعامل ، صالحة لأن تكون – الشرارة الاولي - .

التعليقات