الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

فن كتابة السيناريو3- تشكيل الشخصية الدرامية

الكاتب : كريم بهاء

كما ذكرنا محددات العمل الدرامي بثلاث محددات هي الفكرة المجردة ، الحدث ، الشخصية و عليهم نبني عملنا الدرامي اي كان نوعه ، الشخصية هي المحدد الاول الذي سنقوم بدراسته ، و السبب في البدء به أنه اكثر محدد واضح و ملحوظ لنا ، فالشخصية هي ذلك البعد الانساني من العملية الدرامية و بالتالي فهي موجودة في كل منا ، فكيف لنا ان نغفل عن ملاحظة انفسنا و سلوكنا الانساني ؟ .
نحن نلاحظ ان كل انسان هو بطل في تجربته الذاتية و دعوني اسأل كل من يقرأ هذه السطور أسئلة لتوضح له هذا ، في طفولتك ما هو حلمك ؟ ما الذي رغبت في تحقيقه ؟ ما الذي نجحت بالفعل في تحقيقه و ما الذي فشلت في تحقيقه ؟ هل كنت ترغب في وقت من الاوقات في تجاوز العقبات التي تضعها الحياة امامك ؟ كيف واجهتها ؟ و هل نجحت ام فشلت ؟ ، هل اجبرتك الحياة على القيام بافعال لا ترضي عنها ؟ هل قبلت القيام بها ام رفضت ؟ ، و ما هي نتيجة اي سؤال من الاسئلة التي قمت بتوجيهك لها ؟ هل اكتشفت حقائق جديدة في الحياة اصبحت مبادئ ؟ ام هل اكتشفت زيف الحياة ؟ هل تعلمت قيم جديدة ام لم تتعلم اي شئ ؟ .
خذ نفس هذه الاسئلة و اجب عنها لكن ليس و انت في مرحلة الطفولة و لكن في مرحلة الشباب ، و خذ نفس الاسئلة و تخيل نفسك في مرحلة الشيخوخة و حاول ان تتصور ما الذي ستواجهه في تلك المرحلة العمرية .
اللعبة السابقة لم يكن مقصود منها إلا ادراك ان كل منا يحوي بذور و مكونات الشخصية الدرامية داخله حتي و إن لم يكن هو يري ذلك ، و يسهل على الانسان ملاحظة نفسه اكثر من اي احد آخر – احيانا بالطبع يغفل عن حقائق حول نفسه و لكن حتي هذا فهو سلوك متعمد من الانسان – و قد توصل العلماء إلى امر غريب يقوم به مخ الانسان و هو انه يقوم برسم صورة ذاتية – بورترية – لنفسه يتصور نفسه بصورة قد تخالف الواقع و مدي قرب او ابتعاد هذه الصورة عن حقيقة الانسان هي التي تخلق نوع من انواع الدراما الحياتية كأن يتصور الانسان قدرته على حمل اوزان ثقيلة و ما ان يجرب حتي يصطدم بعجز جسده عن حمل هذه الاوزان ، او – و هذا كثير الحدوث – أن يتصور الانسان انه قادر على عدم السقوط في خطأ ما فإذ به في النهاية يجد نفسه يرتكب هذا الخطأ و احيانا يتمادي فيه .
اذن نستطيع من خلال هذه الصورة الذهنية التي كونها المخ و ما نلاحظه على انفسنا من سلوك ان نرسم بورتريه بالكلمات لذواتنا .
لكن ما فائدة هذا فيما نتعلمه ؟ الحقيقة انه ذو فائدة عظيمة ، فالنبع الذي يستقي منه الفنان السينمائي عالمه الدرامي يكون دائما من الاشخاص الذين التقي بهم في مختلف مراحل حياته و قد يكون تداخل بين عدة شخصيات قابلها و قد يكون نتاج لشخصية تمني ان يقابلها و بها صفات عكس كل من قابلهم .. آلخ ، فكيف يأتي للفنان القدرة على قراءة الاخرين و هو لم يستطع بعد قراءة نفسه .
إن الملاحظ في تجربة فنية مثل يوسف شاهين انه في اكثر من فيلم يحاول اعادة قراءة ذاته و جوانبها بدءا من اسكندريه ليه و التي يحاكم فيها ظروف الاجتماعية التي كادت ان تحطم احلامه مرورا بـ حدوته مصرية الذي يحاكم فيها ذاته وصولا إلي اسكندريه كمان و كمان الذي يحاول فيه قراءة علاقته كمخرج بممثل و ما حدود هذه العلاقة و كيف يمكن ان تنتهي و تنهار .
و قد يتسأل البعض و هل انا مثل يوسف شاهين بقيمته حتي اقدم افلام عن تجربتي الذاتية ؟ و لن اجد رد انسب من تكرار عبارة بدأت بها ، ان كل انسان هو بطل تجربته ، و ما يجعلنا نشترك معك في رؤيتها و التوحد معها هو قدرتك على تقديمها لنا فنيا ؛ و هذه هي المهمة الصعبة لكنها ليست مستحيلة .
يستدرجنا الكلام من هذه النقطة للحديث عن مفهوم البطولة ، و هل كل شخصية في العمل الدرامي هي بطل ؟ .
في البداية نفرق بشكل سريع و عابر بين البطل و باقي شخصيات العمل بأنه هناك شخصية رئيسية هي التي ترتبط بالخط الرئيسي للاحداث و قد لا تكون هي المحرك الاساسي للاحداث و هناك شبكة من الشخصيات تتحرك في مواجهة الشخصية الرئيسية سواء معها او ضدها .
و ما يميز الشخصية الرئيسية هي عدة جوانب نجدها مشترك في كل اشكال البطولة في مختلف الوسائط الفنية سواء مسرح ، ادب ، سينما ... آلخ .
1- القدرة على اتخاذ قرار .
2- القدرة على المواجهة ( اي الدخول في صراع ) .
من شخصية بسيطة فنيا مثل شخصية العسكري رجب في فيلم اسماعيل يس في الاسطول إلى شخصية معقدة مثل الراوي في فيلم نادي الشغب و الذي قام بدوره ادوارد نورتون .
البطولة تبدو لنا بسيطة بهذا الشكل فكلنا مررنا بهذين الامرين ، اما اتخذنا قرار او دخلنا في مواجهة ؛ بالطبع تختلف القرارات و المواجهات من شخص إلى آخر حسب موقعه في الحياة فهناك من يري ان اهم قرار في حياته انه حلق شعره زيرو بينما الآخر كان امام قرار ان يمنح اخيه جزء من كبده ليعيش ام لا .
و الرائع في الامر ان الشخصان - الحالق و المانح – تصلح مواقفهما لتقدم في شكل افلام و لكن تختلف طريقة التناول .
اذن السؤال الآن هو ما هي طريقة تناول البطل في الاعمال الفنية المختلفة ؟
و للبطل رحلة مبهرة عبر تاريخ الانسانية ، فشخصية البطل تمثل حضورها في تجربتنا الانسانية منذ تم خلق آدم و قراره الشهير بأن يأكل من الشجرة المحرمة ، مرورا بالعديد من الاشكال المختلفة التي كونتها المجتمعات و ظهرت بصورة واضحة في انتاجها الفني سواء في المسرح ، الفنون الشفاهية كالغناء و الشعر ، الأدب ؛ فهناك :
البطل الملحمي
البطل الاسطوري
البطل التراجيدي
البطل في السير الشعبية ( و السيرة الشعبية فن مصري اصيل لا اعرف سببا لتخلينا عنه !)
ثم جاءت مرحلة انتقالية في حياة الشعوب – و لن نقول شعب واحد – بتعدد الثورات و النزعات القومية و رفض سيطرة فئة اجتماعية معينة كالملوك و الاقطاعيين مما دفع لتغيير طبيعة المجتمع و بالتالي تركيبة الابطال في المجتمع ، و هذا ما ادي إلى ظهور ابطال جدد في الفنون الدرامية المختلفة ، فظهر :
البطل الكلاسيكي
البطل الرومانسي
البطل البيروني
البطل الواقعي ( من مدرسة الواقعية النقدية )
نهاية بالمرحلة الاجتماعية التي نعيش فيها الآن و التي فرضت على صناع الدراما ابتكار اشكال جديدة من البطولة تتناسب مع المرحلة الاجتماعية التي نعيشها الآن فظهر
اللابطل anti hero
البطل المنعزل
البطولة الكرنفالية .
و كل عنوان من عناوين هذه الاشكال المختلفة من البطولة هو بمثابة مجال لدراسات علمية موسعة لا مجرد محاضرات محددة المنهج كالتي نتحرك فيها و لكن يمكن ان ننصح بالاطلاع على اعمال ادبية مختلفة تكشف هذه الانواع المختلفة من البطولة و اسباب تكونها الاجتماعية خاصة ان المجتمع دائما هو الذي يختار ابطاله في كل شئ من اول شكلهم إلى سلوكهم .
فنحن لا ننسي فترة الثمانينات في مصر و تكون طبقة جديدة لديها قدرة شرائية لم تكن تملكها من قبل و هي طبقة المهن الحرة المتمثلة في الحرفيين و كيف ان هذه الطبقة انتخبت ابطالها الذين يظهرون على الشاشة فكان لابد لعادل امام ان يصبح هو النموذج البطولي على الشاشة حتي و إن لم يكن يملك الوسامة الكافية او القوة البدنية الكافية و لكنه كان تجسيد لهذه الطبقة من الحرفيين في صورتها و على الطرف المقابل اصبحت نادية الجندي هي نموذج المرآة التي يرغب الحرفيين في رؤيتها و هي تخترق صفوف الرجال و تسيطر عليهم تماما كما يحدث مع هؤلاء الحرفيين في حياتهم اليومية امام امرأة بالتركيبة الشكلية لنادية الجندي .
اذن نلاحظ مما سبق ان هناك طريقة محددة يمكن ان ارصد بها الشخصية الدرامية و اعرضها مكتوبة في ثلاث نقاط بحيث تصبح اكثر تحديدا و تحمل ملامح واضحة تساعدني على خلق اطار الاحداث الذي ستسير فيه داخل الفيلم .
و الطريقة هي رسم الشخصية وفقا لثلاث ابعاد :
بعد جسماني
بعد اجتماعي
بعد نفسي
حين نبدأ في التحضير لعمل درامي قد نري ان هناك اكثر من شخصية تصلح لأن تكون بطل ، و لا يمكن ان نجيب اي شخصية تحديدا هي البطل عندي في العمل الخاص بي إلا من خلال كتابتها – او ما احب ان اسميه اجراء مفاوضات معها – لنري مدي صلاحيتها لأن تكون هي الشخصية الرئيسية في عملي الفني ام لا ، قد تنجح المفاوضات و نجد اثناء كتابة الشخصية انها بالفعل هي الشخصية المناسبة تماما للفكرة ، و قد نجدها لا تصلح مطلقا و نعلن موتها و نبدء في البحث عن شخصية جديدة .
الآن بعد ان امتلكت رسم لشخصيتك و استطعت ان تحدد تركيبتها البطولية ما هي الاحداث المناسبة لهذه الشخصية و كيف يمكن صياغتها في اطار دراما الفيلم وفقا للفكرة الاولية التي تصورتها ؟ والتي تحدثنا عنها في المقال السابق .. و كيف يمكن ان تقودنا معرفتنا للشخصية الي المرحلة التالية من فن كتابة السيناريو . .

التعليقات