أخر المقالات

فلسفة العدالة

الكاتب : محمود عدلى

فلسفة العدالة

أختلفت تعريفات العدالة من مجتمع لأخر , وكانت العدالة من أبرز ما تناولته الفلسفة قديماً وحديثاً بسبب الاختلاف حول معنى العدالة نفسه و بدأت هذه اسئلة كثيرة تطرح نفسها دون أجابات محددة مثل :

هل العدالة موجودة فعلاً ؟
" أى لها وجود حقيقى أم أنها فى العالم المثالى "
ما المفهوم الحقيقى للعدالة ؟
هل يمكن تحقيق العدالة ؟
هل العدالة قيمة مطلقة أم أنها قيمة نسبية ؟
ما هى وسائل تحقيق العدالة ؟

كل هذه الاسئلة جعلت الفلاسفة يبحثون فى مبحث العدالة قديماً و حديثاً و أول من تناول مفهوم العدالة الفكر المصرى القديم حيث أن العدالة كانت تعنى تحقيق المساواة بين الأفراد .
و كان هذا يظهر فى التعاملات اليومية و الدينية عند القدماء المصريين .
ثم تناول مفهوم العدالة الفكر اليونانى القديم و أختلفوا فى فهمها و كان من أوائل من تناولوا مفهوم العدالة هم السفسطائيون , فكانت فلسفتهم قائمة على الشك المنهجى فكانوا يرون أن العدالة تتمثل فى مصلحة الأقوى و يضع معايير العدالة النظام الحاكم للمجتمع و هذا يؤدى بطبيعة الحال الى ديكتاتورية الأنظمة و فاشيتها لأن أغلب الأنظمة لا تحقق العدالة أصلاً ...فكيف تسعى لوضع معاييرها ؟؟؟
ولهذا فان العدالة من وجهة نظر السوقسطائيين قيمة نسبية متغيرة .

حتى أتى أفلاطون فأعاد صياغة تعريف العدالة فرأى أن العدالة هى الفضيلة و القيمة المثلى للفرد و المجتمع وان كل فرد له ما له من الحقوق و عليه ما عليه من الواجبات فأن أدى ما عليه من الواجبات أستحق أخذ ما له من حقوق و بهذا فان منظور العدالة عند أفلاطون يكون قيمة مطلقة ثابتة لأن الفضائل لا تتأثر بتغير الأنظمة الحاكمة أو المجتمعات .
لكن أفلاطون لم يكن يؤمن بالمفهوم الديمقراطى للعدالة وهو المساوة لوجود الفوارق الطبيعية بين الناس و بعضهم البعض مثل القوة و الذكاء .
فتكون المساواة هنا لم تحقق العدالة لأنها ساوت بين الذكى و الغبى بين القوى و الضعيف .

أما ارسطو فقد أختلف مع كلا من أفلاطون و سوفسطائيين و رأى أن العدالة هى توزيع الثروات بغض النظر عن الفوارق سواء الطبيعية أو الأجتماعية .

أما مفهوم العدالة فى الأسلام فالعدالة فى الاسلام تعنى : أعطاء كل ذى حقٍ حقه .
بغض النظر عن الطبقية فالناس سواسية كأسنان المشط كما الرسول صل الله عليه وسلم و لهذا مفهوم العدالة فى الأسلام لا يعنى المساواة بل كل من كان له حق يأخذه و من ليس له حق فلا حق له فى أن يأخذ شئ .
فان كان الفقير يستحق فهو مقدم على المسكين و متوسط الحال .
أما اذا كان هناك أولوية فى العمل فمن الظلم مساواة القوى و الذى يعمل كثيراً مع الضعيف الذى يعمل بما يتناسب مع قوته و لذلك يقول النبى صل الله عليه و سلم :
" أعطى الأجير حقه قبل أن يجف عرقه "
فالعدالة فى منظور الاسلام تتمثل فى الو سط الذهبى حيث لا أفراط و لا تفريط .

أما العدالة من وجهة نظر الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم David Hume هى أن العدالة هى نحقيق الرفاهية للفرد لكونه مستهلكاً حتى يحترم القانون و يلتزم به .
و بهذا يكون ديفيد هيوم David Hume أبتعد عن المعنى الجوهرى للعدالة .

أما الفيلسوف الألمانى أيمانويل كانط E.kant فكانت العدالة فى نظره قيمة أخلاقية ترتبط بثلاثة معايير أخلاقية أخرى هي : الحرية، والكرامة، والواجب.
فحتى تتحقق العدالة فى نظر كانط E.kant يجب أن يكون الفرد له كامل الحرية محفوظ الكرامة يؤدى ما عليه من واجبات حتى يأخذ ما له من حقوق .

أما الفيلسوف نيتشه فكان يشك فى أمكانية تحقيق العدالة ووجودها على أرض الواقع و كان يرى العدالة من سمات المجتمع الضعيف و لا مجال لها فى المجتمع القوى .
و يكون برأيه هذا قد غلب السوفسطائيين فى السخافة اذ أن العدالة تبحث فى أعطاء حق كل صاحب حق لا يستطيع آخذ حقه .

العدالة من منظور القانون تعنى الاحكام و القوانين التى تسن و تطبق للسعى لتحقيق العدالة فى المجتمع , و من هنا نشأ الربط بين العدالة و القانون .
ويميل القانون الى رأى الفكر المصرى القديم حيث يرى أن العدالة هى المساواة فى المعاملة بين الأفراد .

هذا الربط الحاصل بين العدالة و القانون لا أساس له من الصحة راجع أن شئت مقالى الذى بعنوان " القانون الوضعى ... بين الأنحياز و التقصير " فلقد رددت على هذه المسألة و بينت أنه لا علاقة بتطبيق القانون و تحقيق العدالة , و أن القاضى لا يتحرى تحقيق العدالة بقدر ما يتحرى تطبيق القانون و هذه ما جعل الفجوة تزداد أتساعاً بين العدالة و القانون .

العدالة من المنظور الأجتماعى و هى تنقسم الى قسمين :
القسم الأول : العدالة الأجتماعية فى ظل الفوارق الطبيعية .
القسم التانى : العدالة الأجتماعية فى ظل الفوارق الأجتماعية .

أولاً :العدالة الأجتماعية فى ظل الفوارق الطبيعية :
فالفوارق الطبيعية : هى الفوارق التى تكون بين الناس دون تدخل المجتمع فيها (أسطورة المعادن).
مثل الذكاء و القوة فلا أحد منا يختار أن يكون ذكياً او قوياً .
ولهذا فالعدالة الأجتماعية لا تستطيع أن تقضى على الفوارق الطبيعية تماماً و المساواة هنا تعنى هضم حقوق النوابغ فى المجتمع و خلق نظام أشتراكى لا مجال فيه للتنافس و الابداع .
و لكن العدالة الأجتماعية تسعى فى محاولة منها للتقريب و التوفيق بين حاجات الانسان و بين قدراته المحدودة , ويكون هذا عن تحقيق فرص لتنمية القدرات و المواهب مثل الدراسات التأهيلية و ايجاد الفرص المناسبة

ثانياً : العدالة الأجتماعية فى ظل الفوارق الأجتماعية .
أما الفوارق الأجتماعية فهى الفوارق التى تكون بين الناس بسبب مساهمة و تدخل المجتمع فيها .
مثل الفوارق الطبقية و التى تتمثل فى طبقة الحكام و الاغنياء و بين عامة الشعب و طبقة الفقراء .
و هنا تسعى العدالة الاجتماعية للقضاء على الفوارق الاجتماعية عن طريق تحقيق تكافؤ الفرص فى حالة تساوى القدرات و المواهب فلا يكون هناك أى دور للمحسوبية و الرشاوى و الوساطة , و تيسير الاسباب التى تسعى لتحقيق المساواة فيكون لأفراد المجتمع نفس المستوى التعليمى و الصحى .

التعليقات