الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

فن كتابة السيناريو 4 - الحبكة ، كيف تكون قابلة للتصديق؟

الكاتب : كريم بهاء

انتهيت من كتابة فكرة لفيلمك و انتهيت من تحديد الشخصية الرئيسية و اصبحت هناك خطوة ضرورية ، هو الربـــــــــــــــط بين العنصرين ( الفكرة – الشخصية ) من خلال ( الاحداث ) .
هنا يأتي دور الحبكة .. و كثيرا ما نسمع العديد من قصص الحياة اليومية مثل حدوث جريمة قتل ما او جريمة سرقة و تبدو تفسيرات البعض لها - سواء الصحافة او السلطة – غير مقنعة ! و نستخدم حينها لفظ ان هذه التفسيرات ( غير محبوكة ) .
يبدو اذن ان اهم ما يميز الحبكة عند المتلقي هي قدرتها على اقناعه بأن هذا يحدث بالفعل ، امامه بطل يسافر عبر الزمن او بطل يسقط في فخ اعدته العصابة او امامه بطل في حاجه إلى التنكر .. آلخ من سلوكيات البطل ، يصبح رهان الكاتب فيها على مدي قدرته على ( حبك ) قصته .
تحقق الحبكة سيأتي اذا تعرفنا جيدا على الاحداث التي يمكن ان تقوم بها الشخصية الرئيسية او تسقط فيها ، فكثيرا ما نجد سلوك الشخصيات غير منطقي و يحوي التواء في الاحداث لكي تستمر مما يجعلنا حينها لا نصدقها ، و خطورة أن يصبح المشاهد غير مصدق للاحداث انه بهذه الطريقة يخرج من حالة الاستمتاع بالفيلم إلى حالة السخرية من الفيلم ، و هو شعور كثيرا ما يصيب المشاهد المصري تحديدا عند متابعته الاعمال الدرامية المصرية .
الحبكة اذن هي : علاقة متبادلة بين الاحداث تقع عبر زمان و مكان.
على هذا يمكن تحديد محدداتها الاساسية و هي الزمان و المكان و الشخصيات المتصارعة – التي حددنا منها بالفعل البطل و يبقي البحث عن البطل الضد – و هذا ما سيجعلنا نفهم منها شكل الصراع .
لكن قبل الدخول في محددات الحبكة و لهذا مجاله في المحاضرة التالية علينا اولا ان ندرك العلاقة بين حبكة الفيلم و المتلقي ، خاصة ان نجاح اي حبكة لأي عمل درامي سواء كان فيلم او مسلسل .. آلخ ، مرتبطا اساسا بقدرة هذه الحبكة على ان تكون مقنعة .
على هذا يكون هناك مجموعة عناصر لتحقيق حبكة مقنعة ، و يمكن تلخيص عناصر الحبكة إلى عنصرين اساسين هما
1- توافر مبدأ السببية في الحبكة .
2- توافر المفارقة في الحبكة .

مبدأ السببية :
لاحظ ان كل سلوك من سلوكيات حياتنا اليومية يكون له سبب و يكون هذا السبب مصدر لسلوك آخر و بالتالي يولد هذا السلوك سبب جديد لسلوك جديد و هكذا سلسلة لا تنتهي ، إلا انك تلاحظ طوال الوقت ان هناك سببا لما يحدث و اذا فقدت القدرة على ايجاد السبب وراء سلوك ما تفعله تجد ان المشكلة في عجزك عن التفسير ، اذ يبدو السلوك الذي تقوم به غير مقنع .
لنأخذ مثال و لكن على سلوكيات الشخصيات في الافلام – و هي لا تبتعد كثيرا عن سلوكيات حياتنا اليومية – ففي فيلم الارهاب و الكباب ، نجد ان هناك سلوك واضح لدي شخصية البطل و هي رغبته في ان يقوم احد بتوفير خدمة له – و هي انهاء اوراق نقل ابنائه من مدرسة بعيدة لأخري اقرب – مقابل ما يقوم به هو شخصيا من خدمة و هي المساهمة في توفير خدمة المياه من خلال عمله .
يصطدم سلوكه بحالة التراخي من موظفين يتشاجر سعيا لتحقيق رغبته فتكون نتيجة سلوكه هذا – المدفوع من رغبته – هو تحول المشاجرة إلى حادث ارهابي و في لحظة مسببة بشكل جيد يجد نفسه ارهابيا يحمل مدفع رشاش في يده و قد اصبح الموظفين رهائن محتجزين لديه .
السببية هنا متحققة بشكل جيد كما هو واضح من خلال ايجاد رغبة للبطل يسعي لتحقيقها و ان من يعيق تحقيقها ( الموظفين ) يبدأ الصراع – و هو لا يقصد وصول الصدام لهذه النتيجة – لتكون النتيجة في النهاية هو تحول البطل إلى ارهابي .
اذن فمبدأ السببية ببساطة يمكن تحقيقه من خلال المأزق الذي تضع فيه البطل و تصدمه بتعطيل رغبته مما يدفعه إلى نتيجة و هي قبول الدخول في الصراع و تبدأ العقبات التي يجب ان تكون هي الاخري سبب النتيجة التي وصل إليها البطل و العقبات تبدأ في التصاعد كلها مبنية بنفس الطريقة ( سبب ثم نتيجة ، فالنتيجة نفسها تصبح سبب لما بعدها و يصبح السبب الجديد في حاجه إلى نتيجة جديدة .. و هكذا حتي نهاية الفيلم )
ما رأيناه من مبدأ السببية هنا هو في البناء الدرامي للعمل الفني و لكن حتي على مستوي الوحدات الاصغر في السيناريو و هي المشاهد ، لابد ان تتوافر السببية بين المشاهد للانطلاق من مشهد إلى آخر ، فيكون كل مشهد هو سبب ينتظر تحقق نتيجة ما في المشهد الذي يليه و هكذا .
نجد في نفس الفيلم ، مشهد يظهر فيه مذيع تلفزيوني و هو يتحدث عن ان الارهابي معتوه ( سبب ) ، مما يتسبب في اغضاب البطل و يقرر تقديم طلب للحكومة كرد فعل على اتهامه بالارهابي ( نتيجة ) ، المشهد الذي يليه استقبال مفاوضه و هو وزير الداخلية لطلبه باستقالة الحكومة بدهشة ليكتشف ان قرار كهذا خارج حدود تفاوضـــه ( سبب ) ، المشهد التالي تجمع مجلس الوزراء لبحث الامر ( نتيجة ) ..
هذه السلسلة من الاحداث المسببة يمكن تتبعها في خط سير المشاهد التالية ايضا حيث نجد صدام الوزراء يقود وزير الداخلية للاعتزاز بنفسه و كبريائه ليقرر التدخل لانهاء الاحتجاز مهما تكلف الامر بدون مفاوضات ( نتيجة و تحوي داخلها السبب للمشهد الذي يليه ) .
هكذا نكون قد وضحنا فكرة السببية و كيف تتحقق و لكن يصبح الدور الاكثر فعالية لخلق سلسلة من الاحداث المسببة هو مهاراة الكاتب ذاتها في خلق التسلسل المناسب من الاحداث وفقا لمدي دراسته لشخصيات عمله و الظروف المحيطة بها .



مبدأ المفارقة :
ببساطة يمكن تعريف المفارقة بأنه حدوث الشئ( و ) نقيضه ، حرف الواو هنا يفيد المعية اي انه في نفس الوقت يحدث هذا التناقض و نجد المفارقات موجودة بشكل واضح في النكات بصبغتها المصرية .
و المفارقة لا يجب ان تكون بالضرورة مضحكة او كوميدية بل على العكس احيانا تتصف المفارقة بالمأساوية الشديدة ، فالمفارقة التي يعتمد عليها فيلم مثل اضحك الصورة تطلع حلوة ، هو تورط شاب ثري في حب فتاة من طبقة متوسطة و ما يترتب على هذه المفارقة من احداث هو ما يصنع الفيلم ، لكن لو تخيلنا ان الشاب الثري احب فتاة ثرية من نفس طبقته او العكس هل كانت ستحدث مشكلة في هذا الفيلم بالطبع لا .
بالطبع هناك مفارقات اخري اكثر تعقيدا مما ذكرت ، فنفس ما نقضت به المفارقة السابقة نجده متحقق في مسرحية روميو و جولييت و التي تحولت لفيلم اكثر من مرة بنفس الاسم ، فنحن امام شاب ثري يحب فتاة من نفس طبقته و لكن المفارقة التي تنشأ هنا هو عدم قدرته على الارتباط بها لوجود موروث من الخلافات العائلية ، او على العكس ان يكون هناك عدم توافر لمقاومات الحياة المادية من عمل يحقق دخل جيد و منزل كما في فيلم الحب فوق هضبة الهرم .
اذن فالمفارقة لا تعتمد فقط على كونها ( مفارقة في شخصيات ) كما في النموذج الاول و هو فيلم اضحك الصورة تطلع حلوة ، بل يمكن ان تكون المفارقة ( زمنية ) كما في روميو و جولييت ، حيث ان الاثنان في زمن آخر قد يمتلكا قدر من الحرية يجعلهما مستقلين بذواتهما عن عائلتيهما ، او تكون المفارقة ( مكانية ) كما يتضح من عنوان فيلم ( حب فوق هضبة الهرم ) فتلك الهضبة التي لا تشهد إلا مقابر و موتي و مكان مقفر جدا بطبيعته الصحراوية قد يحوي اكثر المشاعر دفئا – و هي الحب - متناقضا مع مظاهر الموت به .
اذن المفارقات يمكن ان تظهر في الفيلم بأشكال مختلفــــــــة ( شخصيات ) ( زمان ) ( مكان ) و ايضا المفارقة بشكلها الواضح المنتشر في الاعمال الكوميدية و هي المفارقة (اللفظية) ، كأن تقال جملة و يقصد بها معني مغاير تماما مثل المفارقة اللفظية في فيلم الناظر فنجد التالي :
داخل مبني المدرسة حين يتوجه الناظر لأحد المدرسين الجالس امام الفصل بالسؤال
الناظر : انت بتعمل ايه هنا ؟
فيرد المدرس : بتشمس .
في حين ان مجلسه امام الفصل يكون في بهو المبني بعيدا عن اي شمس ، و تصاعد المفارقة اللفظية عندما يفتح الناظر باب الفصل فيجد طالب يضرب الطلبة و هم يصرخون
فيقول الناظر : تصدق بتمطر جوا ..
بعد وضوح هذان المبادئان الاساسيان لخلق حبكة مقنعة للمتلقي سنتعرف في المحاضرة التالية على محددات الحبكة التي بالتعرف عليها يمكننا استعمالهما في تحقيق مبدأي السببية و المفارقة في السيناريو

التعليقات