الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

فن كتابة السيناريو 5 - محددات الحبكة الدرامية

الكاتب : كريم بهاء

التعرف على المبادئ التي تخلق حبكة جيدة لن يكتمل إلا بالتعرف على محددات الحبكة ، فالكاتب يقوم بعمل بحث جيد لفهم الجو العام – اذا جاز التعبير – لعمله الفني ، و هذا الجو العام يتشكل من عناصر ثلاث اساسية :

1- المكان
2- الزمان
3- الشخصيات

و قيام الكاتب بدراسة مكتوبة للمحددات الثلاثة هي التي ستمكن الكاتب من صنع حبكة جيدة .

1- المكان

للأماكن العديد من المفاهيم الفلسفية التي في فهمها يمكن ان تصب بشكل جيد في تحديد اماكن مناسبة لتكون مسرح للاحداث التي تريد صنعها في عملك الفني ، فالمكان الجيد دراميا هو الذي يناسب الشخصية ، و المعروف ان اي شخصية حياتية تؤثر و تتأثر بالمكان ، و ليس اوضح من هذه العلاقة بين الانسان و المكان من المسلسل الشهير ( الرايه البيضاء ) للكاتب اسامه انور عكاشه ، حيث يكون الشجار على فيلا بها العديد من الاعمال الفنية و هي في ذاتها تحفة فنية نجد السلوك الهادئ الذي يقوم به صاحبها مفيد ابو الغار يتناسب معها تماما و لكن بمجرد ان يسكن الفيلا مجموعة من الصيادين يأتون بسلوكياتهم التي منها الكاسيت بصوته العالي و تتحول الاجواء الهادئة للمكان إلى صخب لا يتناسب مع طبيعة المكان و لكنه تصعيد مناسب للاحداث الامر الذي يصل في النهاية إلى تحطيم احدي القطع الاثرية .

اذن فمن اول الدراسات المرتبطة بالمكان :
أ‌- دراسة مدي تأثير الشخصية بالمكان مما يعني التعرف على التفاصيل التي تضيفها الشخصية للمكان .
العلاقة بين الشخصية و المكان محكومة ايضا بمدي ما يكشفه المكان من سلوك الشخصية و هو الامر الثاني في دراسة المكان
ب‌- دراسة مدي اتساع المكان مما يعني دراسة تفاصيله الانشائية .
فالمكان على قدر اتساعه يسمح للشخصية ايضا بالحركة فيه ، و لذلك نجد ان افلام الحركة تهتم بوجود المكان الواسع المفتوح الذي يمنح حرية الحركة ، حتي لو كان شقة او منزل ، نجد ان له عدة مداخل و له اجواء ممايزة و هناك استغلال لكل عناصر المنزل ، مثل فيلم Leon حيث نجد قاتل محترف مختبئ في شقة صغيرة بعمارة سكنية و الشرطة تستعد للقبض عليه ، ليقوم الكاتب باستغلال كل عناصر المكان من سلم و مناور و وحدات تكييف ... آلخ .
ايضا نجد ان المكان لو كان جزء من الطبيعة يسمح بكشف سلوكيات جديدة من الشخصية مثل الصحراء في فيلم عمر المختار ، حيث نجد سلوكيات الشخصية على الرغم مما تقوده من حرب تحرير إلا انها تبدو هادئة راضية بمصيرها ثابتة المبدأ على النفيض من شخصية الجنرال جرتسياني و هي البطل الضد العصبي الساعي وراء المجد بما يتناسب مع الطبيعة التي جاء منها ، تذكروا معي مشهد ظهور جرتساني في القاعة الضخمة بروما ، قاعة تتمتع بقدر مهول من الفخامة المصنوعة و على الرغم من اتساعها فأنها تظل غرفة محددة الاركان على عكس الصحراء الواسعة الممتدة .
و الانتقال للدراسة التالية ستدفعنا بالضرورة للحديث عن الزمان .







2- الزمان
المرحلة الثالثة من دراسة المكان تستتبع بالضرورة دراسة الزمان خاصة و ان المكان يتغير بتغير الزمان ، فشكل المباني يختلف و بالتالي تصبح الاماكن في كثير من الاحيان دليل على الفترة الزمنية و دراسة المكان خاصة في اطاره الزمني من المهام التي يقوم بها الكاتب قبل البدء في كتابة السيناريو .
لكن دراسة الزمان لا تتوقف فقط على علاقتها بالمكان بل ان دراسة الزمن تتعدي ذلك و خاصة ان الزمان له أكثر من بعد في العمل الفني .

فهناك دراسة لـ :
- زمن العرض ، اي زمن عرضه على المتلقي ؛ فهل هذه الفكرة تناسب العصر الحالي ام لا فكثيرا ما تخرج اعمال تبدو ان قضيتها تناقش زمن مضي مثل فيلم ( فيلم ثقافي ) فالعقبات التي يتعرض لها ابطال الفيلم تناسب فترة الثمانينات و اوائل التسعينات لا بداية الالفية الجديدة ، كذلك هناك فيلم Eagle eye و هو فيلم كان يفترض ان يقوم باخراجه ستيفن سبيلبرج في بداية الالفية إلا انه شعر ان تركيبة الاحداث تناسب زمن المستقبل و قد انتهي لتوه من اخراج فيلم minority report الذي لم يلقي الناجح المتوقع لذا رفض اخراج الفيلم ، و لكن بعد عدة سنوات عندما تم البدء لتنفيذ السيناريو اكتشف مخرجه انه اصبح مناسب للعصر الحالي و لا حاجه لجعله فيلم تدور احداثه في المستقبل .
- زمن الاحداث ، و هو ما نحتاجه للوقوف على عناصر مرتبطة بشكل المكان و جغرافيته كذلك الوقوف على اللغة او اللهجة المستخدمة .
- زمن الفعل ، اي المدة الزمنية المناسبة لعرض فكرتك ، هل هي ساعتين او 10 ساعات ، مما سيساعدك على تحديد إلى اتجاه توجه فيه فكرتك ، هل تناسب عرضها كفيلم روائي ام مسلسل تلفزيوني او قيلم من سلسلة أجزاء .. آلخ .
تحديد هذه المفاهيم حول الزمن يساعد ايضا في توضيح الفكرة داخل عقلك ككاتب و يجعل كتابة السيناريو فيما بعد اكثر سهولة .


3- الشخصيات
تعرفنا في محاضرة سابقة على شخصية البطل و لكن لدفع الاحداث و جعلها في حالة من الحركة الدائمة مما يجعل المتلقي مترقبا لما سيحدث ، تحتاج إلى وضع عقبات ضد البطل ليصبح هناك ( صراع ) بين واضع العقبات و بين البطل ، و بالتالي نحتاج إلى ما جري التعارف عليه بأنه ( البطل الضد ) و كما تعلمنا كيف ندرس شخصية البطل علينا ايضا ان ندرس شخصية البطل الضد ما هي دوافعه و ابعاده الثلاثة الشكلية و الاجتماعية و النفسية في دراسة تفصيلية للشخصية .
كذلك عليك التعرف على طبيعة الشخصية و تاثرها بما حولها ، سواء كان زمان او مكان .

و تبقي ملاحظة انصح بها من يكتب ؛ فكثيرا عندما يفكر الكاتب في فكرة ما و يبدأ في صياغتها كسيناريو يري نفسه هو بطلا لهذا العمل ، مما يجعله يتوحد مع بطله اكثر من اللازم و قد يؤثر فيه و في سلوكه لأنها في هذه اللحظة تصبح هي سلوكيات الكاتب و ليست الشخصية ، لذا فمن الافضل ان تبدأ في طرح فريضة لنفسك ، هو من هو الممثل / ممثلة المناسب للقيام بدور البطل / البطلة ، بحيث يحدث احلال في عقل الكاتب ليبتعد هو عن الشخصية و يتركها تتحرك وفقا لسلوكياتها المنطقية .

اذن على الكاتب ان يتعرف على الاماكن التي ستدور فيها احداث فيلمه قبل ان يبدأ الكتابة ، و أن يتعرف على الزمان ، و يدرس شخصياته جيدا ! و قد يري البعض ان هذا مجهود لا يحتاجه الكاتب و لتظهر هذه المحددات حين ممارسة كتابة السيناريو ، لكن ما قد لا ينتبه له اصحاب هذا الرأي ان دراسة هذه المحددات كمرحلة اولية و منفصلة عن كتابة السيناريو تشكل في حد ذاتها جزء من عملية الكتابة ، فكما ذكرناه عن الوعي بالمكان و الزمان يساعد على خلق الاحداث مناسبة مسببة و بالتالي خلق حبكة جيدة لها منطقية مقبولة ، فكثيرا ما نري افلام تخلو من المنطقية بسبب عدم اتفاق سلوك الشخصية مع الاجواء المحيطة و تفقد مصداقيتها .

اذن وهو الملاحظ انه لن تجد حبكة فيلم بدون هذه المحددات الثلاثة و هي التي تساعدك على بناء حبكة منطقية تخضع في ترتيب احداث الحبكة الي مبدأ السببية و المفارقة التي سبق التحدث عنهما في مقال سابق .

التعليقات