الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

فيفي عبده واللقب

الكاتب : مي أبو العلا

في عام 1996، صدر للكاتب والمفكر الكبير د. مصطفى محمود كتاب بعنوان "زيارة للجنة والنار"، فصله الأول الذي يحمل الكتاب اسمه عبارة عن مسرحية سرح فيها الكاتب بخياله في زيارة إلى درجات الجنة وساكنيها ودركات الجحيم وساكنيه. وذكر في مسرحيته أمثلة لأناس في الجحيم كان يعدهم الناس في الدنيا من الأخيار، وأمثلة أخرى لأناس في الجنة كان يعدهم الناس في الدنيا من الأشرار. بعد صدور الكتاب، انهالت عليه الانتقادات والاتهامات لذكره أسماء بعينها في الجنة وأخري في الجحيم وكأنه يعلم الغيب حيث كتب في أحد فصول المسرحية على لسان ملك إلى شيطانته التي كانت تغويه في الدنيا حيث كانت تصحبه في زيارة إلى الجحيم:

"الملك: حسناً، وإن كانت هذه هي النار، فأين شلة الأنس وأين نجوم الحظ والطرب وأهل الفرفشة والدندشة، إني لا أرى أحداً هنا من شلة الأنس ولا من فرقة "حزمني يا دادي" !

الشيطانة : معظم شلة الأنس اللي في بالك في الجنة .

الملك: إزاي في الجنة ؟!

الشيطانة: لقد اعتزلن جميعًا في أواخر العمر ومنهن من تابت قبل موتها بسنة ومنهن من تابت قبل موتها بشهر .. والتوبة مفتوحة إلى ساعة الحشرجة .. والله يتوب على من تاب .. وهو فعّال لما يشاء. "

وواضح أنه كان يقصد ضمن من قصد الراقصة فيفي عبده التي تثير الجدل في بلادنا اليوم عام 2014 بسبب منحها لقب الأم المثالية من نادي الطيران الرياضي. وفي رأيي أنه ما ذكرها إلا لأنه لمس أن جميع المصريين مجمعين - وكأنهم يعلمون الغيب - على أنها فاسقة من أهل النار لا يجب أن تمنح لقب مثالية تحت أي مسمى لا أم ولا غير ذلك. ولاقت نصيباً وافراً من الهجوم والانتقادات للأسباب نفسها التي هوجم عليها المفكر عام 1996 حين تخيل أنها قد تكون من أهل الجنة لحسن خاتمتها!!! بيد أن الانتقادات تعدت الصحف الورقية والمجلات إلى مواقع التواصل الاجتماعي الإليكترونية التي تعد هشيماً يتوق للاشتعال ولم يبخل الساخرون بوقتهم ولا بجهدهم في البحث عن صور الراقصة الأكثر عرياً ليرفقوها بنكاتهم على تلك المواقه. ذلك الوقت والجهد اللذين لو أنفقوهما في صنع معروف بدلاً من الخوض في الأعراض لكان خير لهم.

وأتعجب لهذا الانتفاد لأن لقب "الأم المثالية" في النهاية ما هو إلا لقب قد تلقب به أي إنسانة في الكون مهما كان عمرها أو ديانتها أو مهنتها أو درجة جمالها أو حجمها أو ثقافتها أومستوى تعليمها أو ظروفها الاجتماعية، كما أن لقب الأم المثالية لا يعتبر الفائز به قدوة لغيره وإنما هو مجرد رمز لصورة من صور الكفاح على اختلاف أشكاله، وكما أن اليمامة أماً مثالياً فإن اللبؤة كذلك أماً مثالية! ولا دخل الحنان أو للشراسة هنا باللقب من قريب أو بعيد. ولكن بلادنا – على ما يبدو – تضع شروطاً محددة لتلك المثالية وهي:

الشرط الأول: أن تكون الأم مسنة وعلى وجهها ارتسمت خطوط السنين.و يا حبذا لوكانت قعيدة او تستند إلى عكاز.

الشرط الثاني: يفضل أن تكون مسلمة محجبة كي تفوز برحلة العمرة في آخر المسابقة – رغم أن اللقب ليس دينياً وإنما لقب دنيوي مطلق تماماً كما أنه نسبي بحت بدليل أن كل منا يرى أمه العظمى!

الشرط الثالث والأهم في تصوري: أن تكون بلا زوج وهذا يعني في بلادنا قطعاً أن تكون أرملة - أرملة بالذات وليست مطلقة حيث أن المطلقة في بلادنا كالراقصة فيفي عبده تماماً لا يصح أن تحصل على اللقب لأسباب "مصرية صميمة" بل إني لأشعر في أغلب الأمهات المكرمات بالفخر والتباهي كونهن أرامل وكأن الأمر مدعاة للشرف!!! رغم أن آلاف الأمهات يعشن في ظل أزواج قساة القلوب بخلاء ومع ذلك نجحن في الحفاظ على أبنائهن من شرور وانحدارات كثيرة.

الشرط الرابع: تفضل بلادنا كذلك أن تكون الحاصلة على اللقب فقيرة أو متوسطة الحال وكأن المرأة ميسورة الحال يكفيها ثراؤها ولا تمت للمكافحات بصلة.
غير ذلك من من الشروط التي تنطوي على علامات الغلب والمذلة والمسكنة.

إن الكفاح ليس كفاح الفقر وحده وإنما كفاح الظروف السيئة جميعها من فتن مستشرية وفرص قليلة وفساد فكري واستسلام لليأس ورؤية غير واضحة وانعدام ثقافة وثقة بالنفس وغياب قدوة، وعليه لا يصح أبداً حصر المثالية في الفقر والعوز أو حتى التدين لأن الله سبحانه وتعالي لا تقتصر مجازاته على فئة الفقراء لصبرهم وإنما بجازي كذلك الأغنياء لشكرهم النعمة، ولا ينظر للأخير على أنه مكتف بغناه كما يفعل أهل بلادنا. كما أنه يؤتي المجتهد ثمرة اجتهاده في الدنيا حتى لو لم يكن مؤمناً أو ملتزماً دينياً. وإن سماح بعض الأشخاص لأنفسهم بالحكم على صلاح الغير أو فسقه إنما يدل على تدني رهيب على المستوى الأخلاقي والديني والفكري، وضيق أفق معتاد من شعب لا يفقه إلا الحديث الأجوف والسخرية الهدامة.

ويجب علينا ألا ننسى أننا لا نعرف على أي حال سيختم الله حياتنا، وعلى أي درجة إيمانية سنلقى آجالنا. من أين يأتي الساخر بتلك الثقة اللامتناهية؟ أم له عند الرحمن عهداً بأنه من الآخرة لمن الفائزين؟ ألسنا نكرر في دعائنا يومياً "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا"؟ ألم يقل رسول الله الحبيب " إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ ؟ لأن قلوبنا يقلبها الله كيف يشاء سبحانه، لندع الله بالهداية لنا وللناس أجمع ونعوذ به سبحانه أن يذيغ قلوبنا. ارحمو من في الأرض، يرحمكم من في السماء.

مي أبو العلا

التعليقات