الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

فن كتابة السيناريو 6 - من الملخص الي السيناريو

الكاتب : كريم بهاء

تخلص ذهننا الآن من كل المراحل المعطلة عن كتابة السيناريو ، فكثيرا ما قد نبدأ الامساك بالورقة و القلم او على ازرار الحاسب و نبدأ في كتابة المشاهد و نستغرق فيها قبل ان نتوقف دون ان ندري لماذا توقفنا ؟ دون ان نفهم ما هي الاسباب التي عطلتنا .
و اتذكر صديقة لي هي كاتبة مميزة بالفعل و لكنها تنطلق في كتابتها للسيناريو بمنطق المشاعر و الحالة المزاجية و دون دراسة كافية لذلك كلما التقيت بها – على فترات متباعدة قد تفصل بينها اشهر – اكتشف انها تكتب فيلم جديد و انها وصلت لحوالي ثلاثين مشهد او اكثر ثم توقفت ! .. و اعود بعد فترة لاجدها تكتب فيلم آخر و يتكرر نفس الامر .
لماذا يحدث لها هذا لأنها اعتمدت على ثقة غير دقيقة في التداعي الحر – اي انها تسترسل في الكتابة و ستصل إلى نهاية منطقية ترضيها على الورق – و يناسب كثيرا اسلوب التداعي الحر هذا الكتابة للقصة او الرواية او ادب السيرة الذاتية ، لكنه لا يتناسب مع كتابة السيناريو .
السبب في هذا هو خضوع السيناريو لعملية يمكن ان نسميها بعملية تفتيت حقيقي غير موجودة في الادب ، فالسيناريو كل جملة فيه يمكن دراستها و تحليلها تماما كما يحدث مع الفيلم في صورته النهائية فكل لقطه فيه يمكن تثبيتها و تحليلها ، و هي امور جعلت من مهنة الكتابة مهنة اكثر صعوبة و تتطلب مساحة من ازاحة المعوقات
لنتخيل السيناريو كطريق نود شقه في طبيعة جبلية صحراوية ، سيكون علينا في البداية التعامل مع كل المعوقات و التي منها رسم خريطة اولية للطريق ، ثم نبدأ في دراسة الموقع العام للتعرف على شخصية المكان و ما الذي يجب تجنبه اثناء شق الطريق مثلا ، ثم نتعرف على المسافة الكلية لحساب مدي ملائمة الطريق للظروف الاقتصادية و الاجتماعية ... آلخ .
انك تلاحظ ان نفس الامور هي ما تجري مع السيناريو ، فخريطة الطريق الاولية هي الفكرة ملخصة في سطور ثلاثة ، و دراسة الموقع العام هي دراسة الشخصيات الرئيسية التي ستحمل على عاتقها الفكرة ، و المسافة الكلية و ملائمتها للظروف هي الحبكة بعناصرها المختلفة .
هناك كتاب يستطيعون القيام بكل هذه المراحل في عقولهم قبل البدء في كتابة السيناريو لكن هذه الطريقة لا يصلون إليها من كتابتهم الاولي و لكنها بعد فترة طويلة من الممارسة ، و لذا كثيرا ما انصح تلاميذي بألا يثقوا كثيرا بما يدور في عقولهم بل الافضل دائما و الاسلم ان تضع ما في عقلك على ورق ، اخرجه من عقلك و ستجد ان تقييمك له مختلف .
لذا امسك الورقة و القلم و ابدء في كتابة الفكرة ، و تحمس لشخصيتك الرئيسية و عبر عن كل ما لها و كل تاريخها سواء سيظهر في الفيلم ام لا حتي تتعرف عليها جيدا ، ثم ابدء في دراسة محددات الحبكة المكان و الزمان و البطل الضد و الممثل / ممثلة المناسب لدور البطولة .
لاحظ انه في بعض الاحيان ستجد انك بحاجه لزيارة اماكن معينة للتعرف على تفاصيلها بشكل افضل ، و لاحظ ايضا انك ربما تحتاج للقراءة عن زمن بعينه او تجربة تاريخية محددة حتي يمكن الكتابة عنها ، اذن مرحلة الوقوف على الحبكة هي في الغالب مرحلة عمل بحثي يتطلب منك الحركة و البحث في الامور المتعلقة بالزمان و المكان تحديدا .
و بعد ان تسلمت من عقلك كل هذه المعلومات مكتوبة على ورق ، حينها ستصل إلى مرحلة هامة جدا و هي الظهور الاول لشكل كلي لفيلم – ليس في صورة السيناريو- لكن في صورة :

الملخص الدرامي Synopsis :
هي ترتيب لاحداث الفيلم يتضح منه الشخصيات الرئيسية و الجو العام للاحداث زمانا و مكانا .
على هذا يكون الملخص هو شكل اولي لا يحتاج إلى الاستدراج و الاسترسال و لكن يحتاج ايضا إلى التكثيف يحتاج إلى توضيح البداية و النهاية ، توضيح عناصر العقبات ، و ليس العقبات بمسمي عام اي نقول عقبة اجتماعية او سياسية .. آلخ بل ما هي هذه العقبة ؟ فلو كانت عقبة اجتماعية مثلا .. يكون على الكاتب شرحها من خلال حدث .
مثال : ابن يريد السفر لرحلة و لكنه لا يتمكن من فعل هذا لأسباب سياسية .
في الملخص نكتب العبارة السابقة بالطريقة التالية :
- يرغب الابن في السفر ( للعراق ) كي يعمل هناك خاصة و انه يمر بضائقة مالية ( لكن ) الاب يرفض هذا تماما و يتشاجر مع الابن و ذلك لأن العراق بلد غير آمن خاصة بعد آحداث ( احتلال ) العراق و الفوضي الحادثة هناك ..
لاحظ الكلمات بين الاقواس فيها تحديد للمكان ، و تحديد لعقبة ما اما البطل و تحديد للزمن .
هذا تحديدا هو المطلوب من الملخص الدرامي و الذي لا يفضل ان تزيد عدد صفحاته عن السبع او الثمان صفحات بل إن براعة بعض الكتاب – مثل اسامه انور عكاشه – انه عندما طلب منه كتابة مسلسل للعائدة إلى ساحة التمثيل الدرامي و هي سميرة احمد قدم لها ورقة من صفحة و نص هي ملخص مسلسل امرأة من زمن الحب و هو نفسه الملخص الذي تحول إلى عمل درامي من 22.30 ساعة ، براعته كانت في قدرته على توصيل معلومات محددة عن كل هذه العناصر في عدد قليل من الكلمات .
و في كثير من الاحيان يكون الملخص هو المرحلة التي يبدأ الكاتب عندها في تحريك عمله الفني آي يعرضه على شركات انتاج او ممثل او مخرج لجس النبض و رؤية امكانية تنفيذ هذا الملخص و تحويله إلى عمل درامي ام لا .
و يكشف الملخص للكاتب عن العديد من المناطق المضيئة في عمله الفني فقد تتكون داخل عقله صورة واضحة لبعض المشاهد و قد يحدث العكس ، ان يكتشف ان بعض الاجزاءء او الاحداث مبهمة حتي بالنسبة له ، و هو ما يدفع الكثيرين للدخول للمرحلة التالية .
المعالجة الدرامية Treatment :
هي ترتيب لاحداث الفيلم يتضح منه شخصيات الفيلم الرئيسية و الثانوية و يتم فيها تحديد مباشر للزمان و المكان مع سرد تفصيلي اكثر للاحداث و يمكن اضافة بعض جمل الحوار الهامة .
لنأخذ نفس المثال السابق الخاص بالابن الذي يرغب في السفر و لكنه لا يسافر لاسباب سياسية .
- أثناء جلوسهما على المقهي يتفق حازم الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره مع صديقه فتحي على السفر إلى العراق و ذلك هربا من الظروف المادية الخانقة لهما بعد فشل كليهما في الزواج و بينما يتابع يحيي – والد حازم – التلفزيون الذي يعرض احداث احدي التفجيرات الارهابية في العراق يدخل عليه حازم ليعرض عليه امر السفر .
- في البداية يرحب يحيي بالامر خاصة و هو يتحدث لحازم عن حالة البلد الصعبة و لكنه حين يسأل حازم عن البلد التي سيسافر لها و يعرف منه انه يستعد للسفر للعراق هنا يعترض الاب و يرفض بشدة بينما يثور حازم عليه للمرة الاولي في حياته محدثا اياه عن ان كل شئ في حياة حازم كان سببها الاب ، و امام اخوة حازم و امه يطالب حازم يحيي بأن يتركه يحدد مصير حياته حتي لو كان اختياره هو الموت .
- يرحل حازم غاضبا تاركا ابوه يحيي الذي يلحق به في غرفته و يهدده بأنه لن يدفع ثمن تذكرة الطائرة و ان على حازم ان يدبر طريقة آخري لسفره بعيدا عن ابوه .
- يجلس حازم في غرفته وحيدا يفكر في طريقة تدبير ثمن التذكرة .
هذا الاسترسال بعض الشئ في الشرح يمنح توضيح أكثر لشكل الصراع و هناك ايضا بروز لعنصر الحوار في الجزء المرسوم تحته خط .
بعد كتابة المعالجة و هي مرحلة قد نحتاج لها او لا على حسب وضوح الفكرة من خلال الملخص ( يلاحظ في بعض الاحيان لجوء الكاتب لكتابة المعالجة مباشرة بعد تحديد فكرته و شخصياته دون الحاجه لكتابة الملخص ، سواء كان هذا او ذاك يجب ان نوضح ان الكتابة تجربة ذاتية و ان العمل نفسه احيانا هو ما يفرض على الكاتب طريقة الكتابة فبعض الاعمال التي تتعرض لسير ذاتية او فترات تاريخية طويلة نجد ان من يكتبها يضطر فعلا لتجاهل مرحلة الملخص لأنها ستكون معطلة له و محاولة تكثيف الاحداث في ازمنة و اماكن مبهمة قد لا يتناسب مع توضيح فكرته لذا يلجأ إلى كتابة المعالجة السينمائية مباشرة – بالطبع هذا يعني مجهود اكبر في حالة الرغبة في ادخال تعديلات ) .

التتابع sequence :
سلسلة من المشاهد مرتبطة بعضها ببعض او متصلة عبر فكرة واحدة و تشكل السلاسل من التتابعات الشكل الكلي لسيناريو الفيلم .
على هذا يكون التتابع هو المرحلة الاخيرة قبل كتابة السيناريو ، فكل مشهد يتم كتابته و تحديده بشكل مفصل مع تحديد مجموعة المعلومات الخاصة بكل مشهد و الهدف من المشهد و الشخصيات التي ستظهر فيه و المكان و الزمان تحديدا تفصيليا مما يساعد في النهاية على البدء في السيناريو و قد اتضحت امامنا كل السبل و الطرق و اتضحت كل المشاكل .
لكن التتابع يكشف عن مشكلة فنية هامة جدا و هي الايقاع .
و الايقاع هو علاقة مع الزمن اي ان حدوث حالة الملل او عدم الفهم نتيجة السرعة الشديدة في عرض المعلومات هي مشكلة مرتبطة بالايقاع و يكشف عنها التتابع ، و يفضل اثناء الكتابة القيام بعمل التتابع على هيئة كروت .
كل كرت يحوي المشهد و تفاصيله و من خلال قراءة هذه الكروت يمكن تحقيق نوع فهم للايقاع في الفيلم الخاص بك .
و طريقة كتابة التتابع نشرحها على نفس المثال السابق .
- م10 : المقهي ليلا حيث يجلس حازم مع صديقه فتحي على يتحدثان عن فشلهما في الزواج و يتصاعد الحوار بينهما ليكتشفا ان الحل الوحيد في السفر من خلال فرصة يعرضها فتحي على صديقه حازم بالسفر للعراق و يتردد حازم في قبول السفر من عدمه إلا انه يعد صديقه بالتفكير .
- م11 : الشارع ليلا .. يسير حازم وحيدا في شارع رئيسي يتابع فوضي البشر و هي تتحرك في كل مكان و يلاحظ ظواهر مختلفة من السلبيات في المجتمع المصري فيجد مجموعة من الباعة الجائلين يحتلون الطريق و لكنهم فجأة يندفعوا هاربين بينما يظهر بعض رجال البلدية و هم يطاردونهم ، يكاد شرطي ان يمسك باحدهم إلا انه يفلت و يسقط بين يدي حازم الذي ما يلبث ان يترك البائع ليهرب بينما ينظر الشرطي لحازم بغضب و يتركه راحلا ..
- م12: منزل حازم ليلا .. الاب يحيي يجلس بملابس البيت يتابع التلفزيون الذي يعرض حادث القيام بعملية ارهابية في العراق ، و يدخل حازم ليبدأ في حديث ودي مع والده عن رغبته في السفر و النقاش يتصاعد بينهما إلى الحدة خاصة بعد ان يعرف يحيي ان ابنه حازم يريد السفر للعراق ....
هكذا يتضح دور التتابع في تفصيص الملخص و تحويله إلى الخطوة الاخيرة و هي عملية كتابة السيناريو .

السيناريو :
المرحلة الاخيرة في الكتابة و تصبح مرحلة سهلة و سريعة في ايقاع كتابتها خاصة بعد ان تكون هناك دراسة حقيقية و جادة للتتابع ، و يتم تقسيم السيناريو إلى شكل بنائي معين هو ما سنهتم بدراسته في هذا الجزء ، اما المضمون فهو الخاص بالبناء الدرامي الكلي للعمل و تفاصيل المشهد و هذا في المحاضرة التالية .
يحتوي السيناريو على مجموعة من المعلومات الاساسية
- رقم المشهد : يكتب علي يمين الصفحة في الاعلي .
- الزمان و المكان بمصطلحات محددة : على يسار الصفحة في الاعلي فيتم تحديد الطبيعة الضوئية للمشهد ( ليل- نهار – غروب – فجر .. آلخ ) و ذلك لمساعدي التصوير ، المكان ايضا لنفس الغرض ( داخلي – خارجي )
- مكان المشهد : في السطر التالي بالمنتصف حيث يتم تحديد مكان احداث المشهد و تلك معلومة موجهه لمهندس الديكور و كذلك فريق الانتاج لتحديد ما اذا كانت هناك رغبة في الاستعانة بديكور مصنوع او ديكور من الطبيعة .
- الاحداث : تكتب في الطرف الايمن من الصفحة و يراعي ان تقسم الاحداث بشكل فقرات كما يراعي ان تبدأ بجملة اسميه حتي يسهل على فريق الانتاج و الممثلين ملاحظة دورهم في المشهد و ما هي عناصر الاكسسوار الخاصة في المشهد .
- الصوت : يكتب على الطرف الايسر من الصفحة محددا فيه كل ما يمكن ان سماعه خاصة إن كان له ضرورة درامية و تصل هذه المعلومات إلى فريق الصوت .
- وصف الانتقال : و هو الموجه للمونتاج حيث يتم تنبيه لما قد يحتاجه دراميا للانتقال للمشهد التالي سواء كان بلفظ قطع ، مزج ، اظلام ... آلخ .
هذه هي الصورة الاكثر انتشارا عن السيناريو في مصر ، على الرغم من وجود اشكال آخري للسيناريو لكنها لا تلقي رواج حقيقي و تبدو غير مفهومة لفريق العمل أحيانا .

التعليقات