الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

سلسلة أعرف نفسك 5 - الخداع الذاتى

الكاتب : محمود عدلى

أجهل الناس من يجهل نفسه حتى لو كان عالما .

خداع النفس (Self Deception) :

هو تلك الطريقة التي نتبعها لتضليل أنفسنا بغرض قبول ما هو زائف أو غير موجود على أنه حقيقي. وهو باختصار طريقنا لتبرير المعتقدات الخاطئة,و قد يكون علاج لبعض أزمات حياتنا , فكما يقول علماء علم النفس : علاج الوهم بالوهم .

وقبل أن أبدا فى هذا البحث سمعت قصة أود أن تعرفوها , يُحكى أنه كانت هناك قرية بسيطة و كان اذا أتى الليل قام حارس ليلى بحماية أهل القرية حتى يناموا مطمئنين وكان دائماً يمشى فى القرية منادياً بصوت عالٍ قائلاً : كل شئ على ما يرام .
وكان أهل القرية كلما سمعوا صوته أحسوا بالطمأنينة و الراحة فيخلدون الى النوم مباشرة .

وفى أحدى الايام تعرضت أحدى البيوت للسرقة فأجتمع أهالى القرية مسرعين نحو الحارس ليكتشفوا حينها أن هذا الحارس كان أعمى , فخاب أملهم بعدما كانوا يصدقون أن كل شئ كان على ما يرام و أنهم كانوا يخلدون الى النوم مثل البلهاء و الحمقى والمغفلون .

نستفيد من هذه القصة أننا يمكن أن نخدع حواسنا و أعضائنا بكل سهولة ويسر أو يسهل على أى أحد أن يقوم بهذا , ولهذا نتهرب من مواقف كثيرة فى حياتنا بحجة أننا لا نقوى على مجابهاتها ,لكن أعلموا جيداً أن قلوبنا جبانة و عقولنا تهول المصائب فنقع أسرى فى فخ الاضطراب النفسى فنصاب بالشلل الفكرى فلا نستطيع أن نتخذ قراراً لذلك كان لزاماً علينا أن نتحايل على قوبنا و عقولنا مثل هذا الرجل الأعمى أياً كانت المشكلة , حتى تسير المشكلة بسلام و يصبح الأمر على ما يرام .

و الخداع ذاتى يشبه التنويم المغناطيسى الى حد ما , و الحقيقة أن الخداع الذاتى قسمان :
القسم الاول : ايجابى .
وهو ما ذكرناه آنفاً وهذا نستفيد منه لتقوية قلوبنا و تهدئة عقولنا وعلاج بعض مشاكلنا حتى نصل الى الحل السليم للمشكلة و يصبح كل شئ فعلاً على ما يرام .

القسم الثانى : سلبى :
و هو أن يكذب الانسان على نفسه من أجل تجنب عواقب معينة و الهرب من واقع الحياة و تبرير الفشل الذريع,وفي هذه الحالة يعمل عقلهم الباطن على إيهامهم بأنهم على صواب وأن كل شئ على ما يرام , وهذ ليس صحيح .
و الحقيقة أن هؤلاء لا يلاحظون هذا الأمر والسبب في عدم ملاحظتهم لذلك هو انهم اعتادوا خداع أنفسهم إلى حد ان ايمانهم بهذا إيماناً راسخاً وأنهم على حق, و حتى أنهم يفعلون الخطأ و يظنون أنهم على صواب فيقعوا فيما يُسمى بالذنوب الأنانية
وهى أن يبحثون عن ذنوب وعيوب الأخرين وينسون أنفسهم وهم ملئ بتلك العيوب لكن السبب فى ذلك يرجع الى محاولة منهم للتهرب من واقعهم و مشاكلهم و البحث فى عيوب وذنوب وذلات الأخرين حتى يثبتوا لأنفسهم انهم أحسن حالاً من غيرهم ..... لأن الأنسان يرى ما يريد أن يراه وما يبحث عنه ..و الأمر ليس كذلك .

وهؤلاء قال الله فيهم :

" أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ "

لقد نسوا أنفسهم متعمدين ذلك حتى يهربوا من حل مشاكلهم و الاثم الغارقون فيها ,و لذلك تجد هؤلاء واهمون حالمون يظنون أن الخير فيهم و ليس فيهم منه مثقال ذرة .
قال الله عزوجل:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ(12)

يتعامون عن حقيقة أنفسهم مصابين بداء الكبر و الغرور و هذا النوع ...كيف تعرفه ؟!!!
حينما تنصحه يقول الله عزوجل :
"وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ "
هكذا يظن أنه أحسن حالاً بل و يبرر لنفسه مثل اللصوص يخدعون أنفسهم بالقول إنهم يسرقون من الأغنياء الذين لا يتصدقون بالمال على الفقراء وبذلك يبررون أفعالهم الإجرامية و الراقصة التى تتصدق و تحج و تفعل الخيرات و لا تعلم أن الله طيب لا يقبل الا طيب , فذات يوم من الايام الامام ابو حنيفة رضى الله عنه وارضاه , كان يمشى فى الطريق فوجد رجلا سرق تفاحه من بائع التفاح ثم تصدق بها على رجل فقير
فسأله ابو حنيفه عجبت لك !! سرقتها وتصدقت بها ؟؟...
قال الرجل نعم سرقتها فكتبت لي سيئة , وتصدقت بها فكتبت لي عشر حسنات
قال له ابو حنيفه بل سرقتها فكتبت لك سيئة ,, و تصدقت بها فلم يقبلها الله منك , ان الله طيب لا يقبل الا الطيب ...
وفى هذا يقول علماء النفس أن قدرة الانسان على خداع نفسه لا حدود لها.
وقد قيل أن أسوأ و أقدم أشكال الخديعة هو خداع البشرية لنفسها.

ولهذا فان هذا القسم يمنعك من التواصل الحقيقى مع مشاكلك الحقيقية و نحن فى حاجة لبعض الحكمة لنهرب من جنون الواقع .

و لا يقتصر خداع النفس على إخفاء الحقيقة عن أنفسنا، بل قد يصل الأمر الى تزييف و تشويه تلك الحقائق.. فكم من انسان حاول أن يقدم نفسه في صورة لا تتفق مع حقيقته، بل أحياناً تتناقض معها فكان أضحوكة للجميع .
ولهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(المُتَشَبِّع بِمَا لَمْ يُعْطَ كلابِسِ ثَوْبَي زُورٍ) متفق عليه.

و أعلم جيدا أنه لن يخدعك أحد أبداً ما لم تخدع نفسك أولا ...

ولهذا كان لزاماً علينا أن نعرف قدرات أنفسنا جيداً ... حتى لا ننخدع بسهولة, فان أجهل الناس من يجهل نفسه حتى لو كان عالما , فعار على أى أنسان مهما بلغ من العلم مبلغا ما أن يجهل نفسه بل وينخدع منها .

بقلم ,
محمود عدلى

التعليقات