الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

معرض اكسبو 2017 طاقة المستقبل في كازاخستان

معرض اكسبو 2017 طاقة المستقبل في كازاخستان

بقلم : أحمد عبده طرابيك



يعتبر معرض " إكسبو " من الأحداث العالمية الكبرى ، فهو بمثابة معرض المعارض ، ومنتدي المنتديات الاقتصادية الدولية , الذي يعرض التطور الفكرى والابتكارات التقنية الحديثة وجذب الاستثمارات الاقتصادية لكل دولة ، ولذلك فهو يناظر كأس العالم لكرة القدم في مجاله التي تتنافس الدول في عرض تطوراتها التقنية ، وابتكاراتها الفنية ، ومهاراتها الرياضية ، حيث تتوجه أنظار العالم نحوه ذلك الحدث العالمي الهام .

معرض " اكسبو ٢٠١٧ " ليس بالفريد وحسب ، ولكنه يحمل أيضا صفة " المعرض الأول " ، أو معرض المعارض لأنه هو الأضخم في الحجم والدقة والحرفية في التنظيم على مستوى دول كومنولث الدول المستقلة والعالم الإسلامى ، بالإضافة إلي أن كازاخستان هي الدولة الرابعة آسيوياً التي تنال شرف تنظيم مثل هذا الحدث الجم بعد اليابان وكوريا الجنوبية والصين . وقد تم انعقاد أول معرض من معارض " إكسبو " فى عام ١٨٥١ ، ومن ضمن ٧٠ معرضا تم تنظيمه بعد ذلك فإن هناك ١٠ معارض فقط تمت خارج حدود أوروبا وأمريكا الشمالية منها ما كان فى اليابان وكوريا الجنوبية والصين وملبورن ( أستراليا ) عام ١٨٨٦ وريودى جانيرو ( البرازيل ) عام ١٩٩٢ و بريسين ( أستراليا ) عام ١٩٨٨. و قد أشار الرئيس نور سلطان ناظربايف رئيس جمهورية كازاخستان خلال زيارته لمعرض " اكسبو ٢٠٠٨ " فى " سرا جوسا " إلى ضرورة تنظيم هذا المعرض فى مدينة أستانا عاصمة كازاخستان .

فى العاشر من يوليو ٢٠١١ قدم النائب الأول لوزير خارجية كازاخستان " جوشيبايف " طلب برغبة بلاده إلي أمين عام مكتب المعارض الدولى فى تنظيم " اكسبو 2017 " . وخلال عامين متصلين بذلت الدبلوماسية الكازاخية قصارى جهدها لاستضافة المعرض فى دورته لعام ٢٠١٧ ، فقد استطاعت الدبلوماسية الكازاخية التعريف بمبادرة كازاخستان الجديدة لدي الدول الأوروبية والأفريقية والآسيوية والأمريكية ، كما طالب الرئيس نور سلطان نزار بايف الدول الإسلامية بدعم ترشيح بلاده من أجل استضافة هذا المعرض خلال انعقاد الدورة الثامنة والثلاثين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي التي عُقدت في صيف 2011 في كازاخستان . وخلال انعقاد الدورة رقم 152 للسكرتارية العامة للمكتب الدولى للمعارض في 22 نوفمبر 2012 بالعاصمة الفرنسية باريس ، حصلت " آستانا " عاصمة كازاخستان علي شرف استضافة معرض " اكسبو 2017 " بأغلبية الأصوات ، متفوقة علي كل من كندا واستراليا وأسبانيا وفرنسا وصربيا والنرويج .

عندما اتخذت كازاخستان قرارها للتقدم بطلب استضافة معرض " اكسبو 2017 " , فقد اعتمدت على دبلوماسيتها التي اكتسبت خبرة وثقة كبيرة علي المستوي الإقليمي والدولي ، من خلال رئاستها لمنظمة الأمن والتعاون فى أوروبا عام ٢٠١٠ ، ومنظمة التعاون الإسلامى فى الفترة من ٢٠١١ إلى ٢٠١٢ ، وانعقاد مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية على أرضها فى العاصمة أستانا أعوام ٢٠٠٣ ، و ٢٠٠٦ ، و ٢٠٠٩ ، و ٢٠١٢ ، ونجاحها فى تنظيم دورة الألعاب الأولمبية الشتوية عام ٢٠١١ ، ومنتدى أوراسيا الإعلامى السنوى ، ومنتدى أستانا الاقتصادى . هذه الخبرات الدبلوماسية جعل سياسة كازاخستان الخارجية تتمتع بتعددية الاتجاهات ، وجني ثمار ذلك فى العلاقات الوطيدة مع أكبر لاعبى السياسة العالمية كالولايات المتحدة الامريكية والصين وروسيا والاتحاد الاوروبى ودول آسيا ومنطقة المحيط الهادئ .

لقد جاءت نتيجة التصويت فى باريس عام ٢٠١٢ باختيار كازاخستان لتظيم معرض " اكسبو 2017 " بمثابة اعتراف عالمى بجدارة أستانا ، نظرا لثقلها الدولى , لاستضافة هذا الحدث الدولي الهام ، كما أن وقوع الاختيار على كازاخستان دليل على التقدير الدولى لإنجازات كازاخستان التي حققتها علي المستوي القومي والدولي ، وعلامة فارقة لآفاق التنمية المحلية خاصة ومنطقة أوراسيا عامة . وقد ساعد عنوان المعرض " طاقة المستقبل " الذى اقترحته كازاخستان على الفوز فى المنافسة . بل السبب الرئيسي فى اختيار أستانا لثمار جهود شعب كازاخستان العريق . حيث يشكل معرض " اكسبو " حشداً دولياً تتنافس فيه دول العالم بإبتكاراتها و إنجازاتها فى مجال العلوم والتقنيات والفنون والثقافة ، إذ يبلغ عدد المشاركين فيها ١٩٥ دولة ، ويتم اتخاذ قرار المشاركة في المعرض على المستوى الاستراتيجى للحكومات .

تنقسم المعارض ذات الصفة الدولية إلى فئتين . فئة المعارض الدولية العامة ، وفئة المعارض الدولية المتخصصة ، ويتم إقامة المعارض العامة كل ٥ سنوات حيث تتباين فى ضخامتها وأماكنها . وكان آخر تلك المعارض الدولية الذي أقيم فى مدينة شانغهاى ( الصين ) عام ٢٠١٠ وشارك فيه أكثر من ١٠٠ مليون نسمة من ١٩٠ دولة .

أما المعارض الدولية المتخصصة مثل " اكسبو ٢٠١٧ " فتقام كل عامين و لمدة ٣ أشهر ، وكان أول معرض دولى متخصص أقيم فى بريطانيا فى عام ١٧٥٦ ، وخلال ١٧ أسبوعا قام سكان مدينة لندن ببناء قصر الكريستال المشهور من الزجاج والهياكل معدنية . وقد زار هذا المعرض ما يربو عن ٦ ملايين بريطانى شكلوا ثلث سكان بريطانيا فى ذلك الوقت ومن حينها يتم تنظيمه دوريا .

إن كثير من الأشياء التى تحيط بنا اليوم والتي تعد من أساسيات حياتنا اليومية كانت تعرض للجماهير لأول مرة فى تلك المعارض ، مثل ماكينة الخياطة ، والهواتف ، ومعجون الأسنان ، والسلم الكهربائى المتحرك ، وماكينات العرض السينمائى ، والسيارات ، والطائرات ، والأقمار الصناعية ، وأجهزة الحواسب ، والهواتف الذكية . وقد أصبحت بعض المبانى التى تم تشييدها خصيصا لغرض إقامة وتنظيم تلك المعارض الدولية أصبحت رموزاً لتلك المدن والدول .

خلال تلك المعارض , يتم عقد المؤتمرات الدولية المتنوعة ، كالمنتدى الأدبى الذى تم تنظيمه فى باريس فى عام ١٨٧٨ ، حيث وضع المشاركون فيه اتفاقية دولية خاصة بحقوق المؤلفين وتم طرح ومناقشة طريقة برايل لقراءة المكفوفين وتحسين ظروفهم . وفى مدينة شيكاغو عام ١٨٩٣ تم تسمية وحدات القياس الكهربائية مثل " الأوم " ، و " الواط " ، و " الجوول " ، و " الفاراد " ، و " الفولت " ، و " الجنرى " . وفى معرض باريس الذى أقيم فى عام ١٩٠٠ تم تحديد مفهوم جديد للتقنية التلفازية . أما أشهر صورة بابليو بيكاسو المسماه " جيرنيكا " فقد أصبحت معروضا أساسيا لإسبانيا فى معرض باريس عام ١٩٣٧ .

فى عام ١٩٩٧ أصبحت كازاخستان عضواً فى مكتب المؤتمرات الدولى ، وفى عام ١٩٩٨ تم رفع علم الدولة لأول مرة فى معرض " اكسبو " المتخصص الذى عقد فى لشبونة بالبرتغال . وفى عام ٢٠٠٥ قامت كازاخستان بعرض منتجاتها للمرة الأولى من خلال معرض " اكسبو " الذى تم تنظيمه فى مدينة " ايتشى " اليابانية . وأثناء معرض " اكسبو " الذى عقد فى مدينة " سرا جوسا " الاسبانية عام ٢٠٠٨ احتل جناح جمهورية كازاخستان المركز الثالث ، وفى عام ٢٠١٠ ومن خلال معرض شانغهاى أقبل ما يزيد عن نصف مليون زائر على جناح كازاخستان .

يعد إقامة معرض " إكسبو " في أي دولة شرف عظيم لها ، وفى الوقت نفسه يشكل مسئولية كبيرة تلقى على عاتقها . فمن المقرر أن يتم افتتاح معرض " اكسبو 2017 " في كازاخستان في العاشر من يونيو 2017 ، وبستمر حتي العاشر من سبتمبر 2017 . ووفقا للتقديرات الأولية فمن المتوقع أن يستقبل المعرض ما يزيد عن خمسة ملايين زائر ( بمعدل ٥٠ ألف زائر يوميا ) من ١٠٠ دولة ، وعشر منظمات دولية . وستبلغ مساحة المعرض ١١٣ هكتار منها ٢٥ هكتار لشغل ٩٣ جناح عرض ، أما باقى المنطقة فسوف تخصص كمواقف للسيارات ولأغراض أخرى . ومن المخطط له أن تقوم الدولة بتشييد " مدينة اكسبو " للمشاركين وتشمل عددا من الوحدات السكنية تصل إلى ١٠٥٠ وحدة ، و ١٥ فندقا تحت فئة ٥ نجوم ، و ٢٨ فندقا مابين فئتى ٣ و ٤ نجوم . أما منطقة المعرض نفسه فستبلغ مساحة الجناح الكازاخى فيها ٢٤ ألف متر مربع وسيصبح هذا الجناح رمزا للمعرض عاما كاملاً . وهناك بعض المساحات الأخرى ستصل كل منها إلى ٤ آلاف متر مربع وسوف تخصص لأجنحة " عالم الطاقة " و " الطاقة للحياة " و " الطاقة للجميع " و " طاقتي المستقبلية " . وسوف يتم تخصيص مساحة ١٤ ألف متر مربع لعرض أنشطة مركز الفنون ، وفى هذا العام سيتم بناء أجنحة للشركات ومركزا المؤتمرات .

ووفقا لنتيجة المسابقة المعمارية الدولية الخاصة بأفضل تصميم لمجمع المعارض " اكسبو ٢٠١٧ " فقد وقع الاختيار على تصميم الشركة الامريكية " ادريان سميث اند جوردون جيل اركيتاكتشر " والتى تعد من الشركات المعمارية العالمية الرائدة من بين ٤٩ تصميما طرحت للمنافسة . بدأت الشركة فى التنفيذ والتى لها سابقة أعمال فى العديد من المشاريع الكبرى في أنحاء العالم فهى التى صممت برج " خليفة " فى دبى بالإمارات العربية المتحدة ، ومبنى " برج المملكة " فى مدينة جدة السعودية والذى يعتبر من أعلى مبانى العالم .

وفى ظل الاستعداد لمعرض " اكسبو 2017 " ، فقد تم إنشاء الشركة الكازاخية " أستانا القومية اكسبو ٢٠١٧ " لتنفيذ هذا المشروع وأقرت جمهورية كازاخستان قانونا يقبل تعديلات فى ٨ بنود تشريعية تشمل قانون الميزانية وقانون الضرائب . علاوة على ذلك تم إنشاء عشر مكاتب عمل إعداداً لإقامة المعرض ، ويعمل مكتب العمل الخاص بتنمية البنية التحتية وبناء منشآت المعرض تحت مظلة " شركة أستانا القومية " ، وتقوم وزارة الصناعة والتقنيات الجديدة فى جمهورية كازاخستان باستخدام مصادر الطاقة المتجددة وجذب الاستثمارات وتنمية السياحة . وسوف يعمل معرض " اكسبو ٢٠١٧ " علي تنمية وتطوير البنية التحتية للعاصمة " أستانا " وتوفير فرص عمل جديدة ، واعطاء دفعة قوية لتنمية المشاريع الصغرى والمتوسطة فى العاصمة والمناطق المجاورة لها فى مجال السياحة الداخلية والفندقة والخدمات .

الإنشاءات التى يتم تشييدها فى اطار " اكسبو ٢٠١٧ " سوف تجعل " أستانا " لتكون ميدانا دوليا عريضا فى مجال الاعلام والمعارض . وتنظر كازاخستان إلى هذا المعرض باعتباره فرصة مثلى لتنمية الحوار الخاص بضمان أمن الطاقة والبيئة والاستقرار والازدهار على الصعيد العالمى . وبعد انتهائه ستؤول ملكية منشآت المعرض إلى صندوق الاسكان فى " أستانا " ، خاصة أن تلك المنشآت سيتم بناؤها بطريقة حديثة تضمن لها إمكانية تفكيكها وتغيير هياكلها دون هدمها ، لأن تشييدها سوف يتم على أساس التصميم الاجتماعى والبيئى والاقتصادى الدائم . والجزء الأكبر من الطاقة التى سيستخدمها زائرو المعرض سوف يتم الحصول عليها من مصادر الطاقة المتجددة ( طاقة الشمس والرياح ) . أما أجنحة المعرض فستستخدم فيما بعد كمكاتب ومعاهد للبحوث والعلوم والتقنيات والمختبرات العلمية . ومع بداية عام ٢٠١٧ ستصبح مدينة " اكسبو " نموذجا للحياة البيئية الجديدة .

إن موضوع معرض " اكسبو ٢٠١٧ " ( طاقة المستقبل ) سوف يسهم كثيراً على جذب أفضل التقنيات العالمية فى مجال الحفاظ على الطاقة والتطبيقات الجديدة فى استخدام مصادرها البديلة ، كالشمس ، والرياح ، ومياه البحار والمحيطات ، ومن المتوقع أن تصبح " أستانا " ساحة واسعة لعرض أحدث الأبحاث والدراسات من مختلف دول العالم فى هذا المجال .

لقد أصبحت كازاخستان على أهبة الاستعداد لعرض عدد من المشاريع والدراسات الهامة والحديثة مع تطبيقاتها العلمية والعملية . حيث يندرج تحت موضوع " طاقة المستقبل " المصادقة على أكثر الأساليب تقدماً فى مجال الاستفادة من الطاقة فى المستقبل القريب ، وإدخال تطبيقاتها فى الصناعة كشرط ضرورى للتنمية المستدامة . ومن الأهداف الرئيسة لمشروع " طاقة المستقبل " التحفيز علي توليد مشاعر الإدراك بالمسئولية تجاه المجتمع الدولى عن طريق المؤسسات والمنظمات والشركات والأفراد ، بغرض تكوين دراية تستوعب مدى تأثير استهلاك الطاقة على الحياة البشرية وكافة المخلوقات الحية على الكرة الأرضية . ويعتبر ذلك مسألة هامة جدا ، حيث أن استهلاك مصادر الطاقة التقليدية فى الإضاءة والتدفئة ووسائل النقل يثير مشاعر عدم الثقة والخوف من انخفاض واستنزاف مواردها ، وانعكاس استخداماتها على صحة الناس والأمن البيئى على كوكب الأرض .

لذلك سوف يساعد معرض " اكسبو ٢٠١٧ " على دراسة مصادر الطاقة من وجهة النظر العالمية ، والأخذ فى عين الاعتبار المشاكل البشرية التى تخص ليس فقط ضمان صحة البشر ونقاء البيئة ، بل والإسراع فى دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية . فمن الواضح أن إيجاد الحلول المناسبة لكل هذه المسائل يرتبط بكثير من العوامل بما فيها ضرورة أن يبدأ كل فرد بنفسه .

لقد أصبح تفهم العالم المعاصر في ازدياد تجاه مدى أهمية كازاخستان ، التى تقع على حدود أوروبا وآسيا وتساهم مساهمة بالغة فى مجال تعزيز التعاون بين الدول التى تمتد من المحيط الأطلسى إلى المحيط الهادئ . فالعلاقات الدولية فى اطار الاتجاه العالمى" الغرب - الشرق " والتى تتكون من الاتصالات الأطلسية بين الولايات المتحدة الامريكية والغرب ، والعلاقات بين أوروبا وآسيا ، والتعاون متعدد الأطراف فى منطقة المحيط الهادئ وآسيا ، كل ذلك يشكل دائرة عالمية واسعة ولكن التعاون بين الاتحاد الاوروبى ودول آسيا يعتبر حتى الآن حلقة ضعيفة فى الدائرة المذكورة . واختيار أستانا لاستضافة " اكسبو ٢٠١٧ " يحقق فرصا جديدة لتنشيط وتنمية التعاون بين الدول الأوروبية والآسيوية .

يسمح موضوع المعرض بإظهار أحدث التقنيات فى مجال الطاقة صديقة البيئة ودراسة امكانات تطبيقها واستخدامها فى الدولة الغنية بموارد النفط والغاز واليورانيوم . فالموقع السياسى الاستراتيجى لكازاخستان بالإضافة لسياستها الخارجية كل ذلك من شأنه أن يساعد على تعزيز التعاون مع الدول التى تقع غربا وشرقا من السهل الكازاخى العظيم .



كاتب وباحث في الشئون الآسيوية

ahmedtrabic@hotmail.com

التعليقات