الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

متلازمة ستوكهولم 1

الكاتب : محمود عدلى

متلازمة ستوكهولم Stockholm Syndrome

فى عام 1973م و بالتحديد فى ستوكهولم في السويد قام بعض اللصوص بالسطو المسلح على بنك كريديتبانكي Kreditbanken و قاموا بأخذ موظفى البنك رهائن لمدة ستة أيام ولكنهما أيضا أظهرا نوعا من اللطف والتعاطف تجاههم , وعندما أتت الشرطة لتحرير الرهائن و القبض على اللصوص وجدت رفض تام و تعاطف مع الجناة من قبل الرهائن .

و من هنا بدأ أطلاق هذا المصطلح على كل من يتعرض لاستغلال جسدى أو معنوى أو مادى مثل ضحايا الاغتصاب و أسرى الحروب و المقموعين و الرهائن ,ثم يبدى تعاطفاً تجاه المعتدين او الجناه او الطغاة .
وقد حدث ايضاً أن ابنة ثري أمريكي من كاليفورنيا تدعى «لباتي هيرست»، التي كان قد اختطفها بعض المسلحين الثوريين عام 1974م. وقد أبدت باتي تعاطفا غريبا مع مختطفيها وتجاوزت ذلك إلى التعاون معهم في إحدى عمليات السطو، قبل أن ينتهي بها الأمر لأن يتم إلقاء القبض عليها ويحكم عليها بالسجن. الا أن محامي الدفاع عن هيرست قال إنها كانت تعاني مما يعرف بمتلازمة ستوكهولم، والتي اصطلح عليها مؤخرا لتفسير المشاعر غير المنطقية التي يشعر بها المختطَفون تجاه مختطِفيهم.
أيضاُ من الحالات الشائعة حالة «ناتاشا كامبوش».التي كانت قد اختطفت وهي في العاشرة من عمرها واحتجزت داخل أحد الأقبية لـ 8 سنوات. وقيل إنها «أجهشت بالبكاء عند سماعها خبر موت مختطفها، وقامت بإشعال شمعة حيث يرقد جسده».

و دائماً نجد أن عقل اللاواعى للضحية يلزمه و يشعره بحاجة ملحة دائمة لارضاء المعتدى أو الجانى خوفاً على حياته أو تجنباً لأذاه , فيبدأ العقل الواعى بالتعاطف مع المعتدى أو الجانى و السعى فى ارضاءه بل والارتباط بهم عاطفياً و يرفض أى محاولة لأنقاذه مما هو فيه خوفاً من العواقب , فعندما تكون الضحية تحت ضغط نفسي عالى جداً ، فأن عقله اللاواعى يبدأ بعمل ميكانيزم او صنع آلية للدفاع عن حياته ، و ذلك عن طريق التقة والاطمئنان للجاني، خصوصاً إذا أظهر المعتدى شيئاً من العطف او الشفقة او الاهتمام فإن الضحية يُضخم هذا الشئ البسيط . والعجيب فى الامر ان الضحية يرى أن في إنقاذه خطورة على حياته ، وكذلك كل من حاول مساعدته أو مد يد العون له , ومن هنا ينشأ تعلق الضحية بالمعتدى .

و الحقيقة أن متلازمة ستوكهولم ما هى الا امتداد لظاهرة فى علم النفس تسمى " التماهى مع المعتدى " أى أن الضحية يتماهى و يندمج ويتطابق قولاً و فعلاً مع المعتدى بل ويؤمن بأفكاره و يرى الأمور من زاوية المعتدى و يرى أنه على صواب و من ثم يبحث عن المبررات للمعتدى .

بهذا تصبح متلازمة ستوكهولم موقف سلبى و ذل و خضوع وأذعان لاارادى تجاه المعتدين والجناه و قد يبدو غريبا هذا ولكنها آلية يُحافظ بها الضحية على حياته .

شروط الأصابة بمتلازمة ستوكهولم :

1- وجود التفاعل و الاتصال المباشر بين الضحية و المعتدى .
2- شعور الضحية بخطر حقيقى يهدد حياته سواء كان مباشر أو غير مباشر .
3- أن يكون الضحية سريع الاستسلام وعرضة للوقوع تحت الضغط النفسى .
4- عدم وجود مبادئ و قيم وأخلاقيات لدى الضحية و الاستعداد التام من أجل التضحية بأى شئ حفاظاً على الحياة .
5 - قطع الاتصال الخارجى و رؤيته الوضع من زاوية المعتدى .

لابد أن يكون هناك تفاعل حقيقى و اتصال مباشر بين الضحية والمعتدى عن طريق ممارسة أساليب الظلم و الاجحاف و القمع و التعذيب على الضحايا مما يورت الضحية شعور بالخوف من المعتدي عند أدنى أدراك أو شعور يهدد حياة الضحية , فيسعى فى استجلاب ارضاء المعتدى دون أن يدرى و يفرح جداً عند رؤية اقل علامات الرضا على وجه المعتدى .
وعندما يكون الضحية سريع الاستسلام و قليل الحيلة و يشعر أنه غير قادر على اتخاذ قرار أو التفكير يبدأ فى الاستسلام للواقع المهين و الذليل كآستراتيجية منه للبقاء على الحياة .

و لا يقتصر الامر على الرهائن و أسرى الحرب و المفموعين و المختطفين فقط , بل قد يظهر فى أى علاقة فيها ظلم و اجحاف و أستغلال من طرف لطرف أخر و تظهر جلية جداً فى العلاقات الزوجية الفاشلة التى تحدث بسبب جهل الاسر و أحساس الزوجة بالخذلان من المجتمع و عدم وجود معين لتخرج من تلك الازمة مع الشعور بأنهيار حياتها و فقد أولادها الذين هم فلذات أكبادها , فتسعى فى رضا هذا الزوج المعتدى عليها و تحاول جاهدة أسترضاءه بشكل أو بأخر , وترى أن أى عمل فيه شفقة ولو بسيط جداً تراه مثل الجيل العظيم و الجميل الكبير و علامة الخير فيه , فتصبر و تتحمل و تبحث له عن المبررات و تصبر نفسها بكلام لا طائل منه : " ظل رجل أفضل من ظل حائط " و هكذا .

الحقيقة أن المصابون بمتلازمة ستوكهولم Stockholm Syndrome هم أكثر المؤمنين بمقولة :
" الشر الذى نعرفه أفضل من الخير الذى لا نعرفه "
فيقعون فى نوع من التكيف مع واقع مفروض حتمى و يبدأون فى الاستسلام لهذا الواقع المرير بل و التأقلم عليه لتصبح متلازمة ستوكهولم Stockholm Syndrome بعدها محاولة للهروب من ضغط نفسى رهيب عن الطريق التأقلم مع وضع قهرى .

بقلم ,
محمود عدلى

التعليقات