الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

تباين المواقف من الأزمة الأوكرانية أوزبكستان نموذجاً



تباين المواقف من الأزمة الأوكرانية " أوزبكستان نموذجاً "
بقلم : أحمد عبده طرابيك

شكلت الأزمة الأوكرانية ، والأحداث المتسارعة التي جرت بها ، والتي انتهت بانفصال شبة جزيرة القرم عن أوكرانيا بعد موافقة أغلبية السكان علي الانضمام إلي روسيا ، شكل كل ذلك توتراً شديداً في العلاقات بين روسيا من جهة ، وأوكرانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية من جهة أخري ، الأمر الذي أدي إلي فرض عقوبات اقتصادية وسياسية علي روسيا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ، وردت روسيا علي تلك العقوبات بعقومات مماثلة ، في نفس الوقت أطلقت الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين تهديدات بمزيد من العقوبات علي روسيا .
تباينت مواقف الدول من الأزمة الأوكرانية ، وتعاملت وسائل الإعلام المختلفة مع الموقف من الأزمة الأوكرانية بحسب التوجهات السياسية لتلك الوسائل الإعلامية ، أو بحسب مواقف الدول التي تنتمي إليها وسائل الإعلام تلك ، فعلي الصعيد العربي ، ورغم البعد الجغرافي الكبير بين أوكرانيا والعالم العربي ، إلا أن الشعوب العربية التي حركتها وسائل الإعلام ، تفاعلت بشكل كبير مع الأحداث الأوكرانية ، وخاصة أن اللاعبين الأساسيين الذين يملكون أوراق اللعب في الأحداث الأوكرانية هم أنفسهم الذين يملكون أوراق الأحداث ويحركونها في العالم العربي ، وخاصة الملف السوري ، ولذلك كان التفاعل مع الأحداث الأوكرانية ليس من ناحية التأثير فيها ، أو الاستفادة منها ، بل لمجرد أنها تشكل هزيمة لطرف لا يلقي قبولاً عربيا ، أو انتصار لطرف بحظي بالقبول العربي .
وسائل الإعلام العربية تناولت الأحداث في أوكرانيا ، كما تتناولها في الأحداث العربية العربية ، متأثرة بالمواقف السياسية والانتماء السياسي لكل من تلك الوسائل الإعلامية ، ولذلك فمن خلال وسائل الإعلام يمكن معرفة توجهات الدولة وموقعها السياسي من الأزمة الأوكرانية بحسب ما تتناوله وسائل الإعلام بها ، التي تحيزت بشكل واضح لذلك الطرف أو ذاك ، دون تقديم معالجة مهنية للأحداث والوقوف بحيادية بين طرفي الصراع .
الدول التي تعنيها الأزمة الأوكرانية ، أو تتأثر بها بشكل مباشر أو غير مباشر ، وخاصة الدول التي كانت ضمن اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية السابق ، والتي تشاركت لمدة تزيد عن سبعين عاماً مع كلاً من أوكرانيا وروسيا في دولة واحدة ، ولديهما الكثير من القضايا المتشابهة ، حيث توجد الكثير من القوميات والعرقيات المختلفة . أوزبكستان الدولة الأكبر من حيث عدد السكان في دول آسيا الوسطي ، كان لها موقف متوازن ، ويتصف بالعقلانية من الأحداث في القرم ، عبرت عنه وزارة الخارجية الأوزبكية ، نشرته وكالة " جهان " للإعلام من خلال بيان صدر في الرابع من مارس 2014 ، قبل الاستفتاء الذي تم في شبه جزيرة القرم ، والذي أسفر عن انضمام شبه الجزيرة إلي روسيا ، وقد جاء موقف أوزبكستان متماشياً مع المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية ، والتي تتقيد بحزم وثبات بمبدأ تسوية الخلافات الدولية الناشئة بوسائل سلمية والإمتناع في العلاقات الدولية عن التهديد بالقوة أو إستخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو إستقلالها السياسي .
وقد وجدت هذه المبادئ الرئيسية إنعكاسها في دستور جمهورية أوزبكستان " حول نظرية نشاط السياسة الخارجية لجمهورية أوزبكستان " الذي يحدد أولويات أساسية لسياستها الخارجية في المرحلة الراهنة ، حيث تقيدت أوزبكستان بهذه المبادئ تجاه القضايا الدولية المماثلة وتتطلع إلي التقيد بها في المستقبل أيضا باعتبارها من مبادئ وأسس سياستها الخارجية . ولذلك فقد عبرت أوزبكستان عن أن المخرج العقلاني الوحيد للخروج من الأزمة الأوكرانية هو إجراء مباحثات ثنائية مباشرة لإيجاد حل وسط مقبول لكلا الطرفين لتسوية القضايا الناشئة ، وذلك آخذا في نهاية المطاف صعوبة التنبؤ بتطور الأحداث في أوكرانيا والقرم مستقبلا بعين الإعتبار وإنطلاقا من تقارب الشعبين الأوكراني والروسي ومن القيم الروحية والثقافية الأزلية المشتركة وعلاقاتهما الإقتصادية ، وخاصة أنه كلما مر مزيد من الوقت كلما إزدادت التناقضات وتعقد الوضع أكثر فأكثر .
الدول العربية والإسلامية ومن خلفها وسائل الإعلام عبرت عن مواقفها من الأحداث في أوكرانيا وشيه جزيرة القرم بحسب قربها أو بعدها من الدول الكبري ، المؤثرة في الأحداث الأوكرانية ، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ، ولم تتخذ موقفاً يخدم مصالحها القومية والوطنية ، أو حسبما يتماشي مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي ، وميثاق الأمم المتحدة ، والتي تدعو إلي تسوية الخلافات الناشئة بين الدول بالوسائل السلمية ، والامتناع عن استخدام القوة أو التلويح بها ، وكذلك عدم تجاوز نصوص القوانين الدولية المتعارف عليها ، والتي أقرها المجتمع الدولي . وخاصة أن الدول العربية لها الكثير من القضايا والمشكلات ، ويتطلب حلها مساندة القوي الكبري وكافة المجتمع الدولي ، والاحتكام إلي القوانين القرارات الدولية المتعلقة بتلك المشكلات والقضايا .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com



التعليقات