الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

صديقي ظلام

الكاتب : كريم بهاء

في نفس الشارع .. نفس البيت .. نفس الدور .. يعيش اثنان .. من نفس العمر .. نفس الطول .. و ربما نفس الشكل .. لكن في الحقيقة كان بينهما اختلاف .. فقط واحد اختلاف بسيط .. صنع فارق كبير ..
لم يكن مراد يرتدي النظارة السوداء من فراغ او ليتزين بها او ليحمي عينيه من الشمس كما هي وظيفتها .. و لكنها لتحجب منظر عينيه عن الاخرين .. فلم يكن مراد قادرا على ان يري ..
في ظلام دائم يعيش مراد .. بينما سمير .. اذا سألته ما هو اكثر شئ يحبه فسيقول لك .. النور ثم النور ثم النور ..
حب سمير للنور امر معروف للجميع .. و هو حب اخلص فيه سمير بكل طريقة ممكنة .. فلقد عرف كل شئ عن تاريخ النور ..
منذ ان بدأ الانسان في استعمال النار ليضئ كهفه المظلم .. حتي اخترع المشاعل .. فالكهرباء .. و تحويل الطاقة من شمسية الي كهربائية .. او من رياح الي كهرباء .. او من اي شئ الي كهرباء .. المهم ان النتيجة في النهاية هي النور ..
غرفته على كل حائط هناك لمبة و على المكتب اباجورة و في السقف نجفة بمروحة .. حتي حين ينام يبقي ضوء مسمي بالسهاري ليأنس سمير و ينام
واضح جدا ان سمير يكره الظلام .. و على السلم اكثر من مرة انتبه الي بطء حركة جاره مراد في صعوده و هبوطه بسبب انه يعيش في الظلام ..

.. و في سرك .. كم مرة استغل سمير ظلام مراد و تلاعب به .. فمرة يقلد صوت قطة او كلب يجلس على السلم .. و يتابع مراد المتردد في صعوده بسبب وجود حيوان على السلم .. و مرة حاول ان يصنع صوت اشباح ( بوعاهاهاهاعا ) ..
و لكنه توقف حينما فوجئ ذات مرة بمراد ينادي عليه و يقول له .. ازيك يا سمير ..

يومها هرش سمير في راسه و لم يعرف .. كيف لمراد ان يعرف .. بأنه هو من يقلد كل هذه الاصوات ..
لكن سمير لم ييأس و ظل يستمتع بمضايقة مراد و ظلامه.. حتي وقع في الفخ ..
ففي احدي المرات .. اعد سمير الفخ جيدا .. جعله فخ مركب و معقد .. مكون من عدة افخاخ بعد دراسة المكان جيدا و رسم خريطة له .. و سماها الافخاخ السميرية .. و ضحك بطفولية شريرية مصطنعة ( نياهاهاها)

السلم اربع مستويات يصعدها مراد .. ببطئه المعتاد .. على كل مستوي هناك فخ من الافخاخ السميرية .. الفخ الاول بسيط .. قبل صعود مراد سينطلق سمير و يضغط جرس سكان الدور الاول .. و حين يخرج سكانها لن يجدوا الا مراد .. نياهاهاها ..

الفخ السميري الثاني .. فطبيعي ان مراد سيهرب من سكان الدور الاول خجلا .. و مندفعا فلن يستطيع تفادي القطة المشمشية الجالسة في هدوء وسط السلم تتناول السمكة التي سيضعها لها سمير .. و حين يصطدم بها مراد المندفع .. ستصرخ القط بالـ (مياااااااو) .. و يتبعها سمير حينها بالـ ( نياهاهاها ) ..
و اكتفي سمير بفخ ثالث و اخير .. بأن يستغل فرصة فزع مراد بسبب ما حدث و يخطف العصي من يديه و يطير .. و اطلق ضحكته عاليا مجلجلا .. نياهاهاهاهاهاهاها
كل شئ في مكانه .. سمير ينتظر مراد على اول السلم .. القطة تتناول السمكة بسعادة مسترخية .. و مراد يدخل من العمارة .. و بدأت الخطة

بسرعة اندفع سمير نحو جرس باب سكان الدور الاول .. و فجأة
من طفي النور ؟؟؟ .. انقطعت الكهرباء .. و سقط كل شئ في .. الظلام
توتر سمير و لم يعرف ماذا يفعل .. فما حدث لم يكن في الحسبان .. و نسي الافخاخ السميرية و نسي مراد و فكر في طريق للهرب من عدوه ظلام الذي يكرهه جدا جدا ..
و في الظلام مد يده الي جيبه و اخرج الكشاف الصغير الذي يعمل بالبطارية و ما ان فتح ضوءه حتي وجد مراد يقف امامه تماما .. و انتفض سمير لتتحول النياهاهاهاهاها .. الي .. آهههههههه ..
اندفع سمير هاربا .. و بالطبع نسي القطة المشمشية و التي في ضوء الكشاف لمعت عيناها و لكنه لم يراها و اصطدم بها .. لتنطلق منها المياوووو .. و من جديد اختفت النياهاهاها .. و اصبح مكانها .. الا آآآهههههه..
وقف سمير مرتعدا في الظلام و قد سقط منه الكشاف على الارض .. احتمي بظهره في ركن و حاول الاندفاع نحو الكشاف .. و لكن اخر ما رآه هو يد تمسك الكشاف و تطفئه .. و تحول كل شئ للظلام
بما ان الخطة فشلت .. و العدو اكتسح لم يكن امام سمير الا امر من اثنين اما الاستسلام و اعلان الخسارة .. او الصراخ من الخوف بمرارة .. و لا تفكر كثيرا .. سمير صرخ بقوة قبل ان يعود النور من جديد ..
لم يكن الا انقطاع كهرباء صغير .. تسبب في قطع النور .. و وقف سمير يتنهد و امامه مراد الذي امسك بالكشاف في يد و العصا في يد ..
مد مراد يده بالكشاف و كأنه سيعطيه لسمير و بتردد حاول سمير ان يأخذ منه الكشاف لكن بسرعة وضع مراد الكشاف في جيبه و تابع صعود السلم و هو يقول : ازيك يا سمير
و رحل مراد .. تاركا سمير وسط الكثير من علامات التعجب و الاستفهام .. يحاول ان يفهم ما حدث و لما فشلت خطته .. و قرر ان عليه استعادة الكشاف الخاص به ..
في اليوم التالي .. جلس سمير على السلم في انتظار مراد .. و الذي حين دخل كان كل شئ ساكن و لذلك و يالدهشتك يا سمير .. فقد فاجئه مراد قائلا : ازيك يا سمير ..
هنا انفعل سمير و قال بغضب.. كيف عرفت ؟ كيف عرفت ان انا انا و ليس شخص اخر يجلس هنا او انه لا احد يجلس هنا .. كيف تري و انت لا تري؟
قبل ان يجيبه مراد .. اخرج من جيبه الكشاف الصغير و قال بهدوء لسمير : اعتقد انك مدين لي بالاعتذار ..
سمير : عن ماذا ؟
مراد : عن محاولة ايقاعي في العديد من الافخاخ و اقربها ثلاثة افخاخ بالامس .. فخ الجرس و القطة و اخيرا فخ ثالث لم اعرف ما هو و لكنك كنت تنوي فعل شئ ..
سمير المندهش لمعرفة مراد بكل هذه الافخاخ تسأل هل اطلع على اوراق الخطط ؟ .. هل اخبره احد بها ؟ و لكن لا احد يعرف ؟ ..
و حين ادرك سمير ان كل الاعيبه مكشوفة و ان لا مجال للخداع اعتذر .. و هنا قرر مراد ان يكشف له الحقيقة .. خاصة بعد ان سأل سمير و قال : مراد هل تري في الظلام ؟ ..
ابتسم مراد و اجاب .. عشت منذ مولدي في الظلام فهو صديق ..

و تابع مراد : حين يصبح الظلام صديقك .. تستطيع ان تري بالعديد من الحواس غير العين .. فانا اسمع الاصوات جيدا و احدد مصدرها .. كما استطيع باللمس ان اعرف الاتجاهات .. و من الرائحة استطيع ان اتبين الكثير من الاشياء خاصة و ان لكل شئ رائحة مميزة ..
اذن تعرف بوجودي من خلال صوتي ؟ .. فسر سمير و لكن مراد رد عليه لا و لكن من خلال رائحتك .. تضايق سمير و احبط و قال بغضب : هل رائحتي مميزة الي هذه الدرجة .. فاجابه مراد مهدئا : " انها رائحة الخوف التي اشمها .. رائحة خوفك من الظلام " ..
و استمر بينهما الكلام لساعات .. اكتشفا خلالها انه تجمعهما الكثير من الاشياء .. انهما جيران .. زملاء في نفس المدرسة .. يجمعهما حب نفس المواد الدراسية .. و .. و .. و ..
من الرائع ان تكسب صديق جديد .. هكذا قال سمير لنفسه .. و لم يكن الصديق هو مراد و فقط .. بل لقد تعرف سمير على صديق جديد اسمه ظلام
فأنت لن تعرف جمال النور الا حين تعرف الظلام .. و حين تعرف كيف تعيش في الظلام حينها ستستمع بالحياة في النور .. هكذا تعلم سمير من مراد حب الظلام و عدم الخوف منه .. و في المرة القادمة .. حين انقطعت الكهرباء .. و اختفي النور .. كان سمير الوحيد القادر على التحرك في المنزل بحرية و هو يري بحواسه المختلفة .. ليدرك انه تعلم من صديقه مراد الكثير .. و اصبح لهما صديق مشترك اسمه .. ظلام

الصورة لـ علي نبيل

التعليقات