أخر المقالات

البوذية السياسية عشــــــق العبوديـــــــة

الكاتب : محمود عدلى

أن المتأمل لتاريخ الأمم و الشعوب السابقة وجد معادلة غريبة جداً ,و هى أنه كلما زاد الشعب خنوعاً و خضوعاً و استسلاماً و أستكانة كلما زاد حاكمهم طغياناً و ظلماً و عدواناً .

و الملاحظ فى النفس البشرية شيئاً عجيباً وهو ما ذكره ابن القيم رحمه الله فقال :
فى كل نفس داعية الالوهية , وأعتبر بفرعون فأنه قدر فأظهر وغيره عجز فأضمر .

معلوم ان الانسان ما هو الا روح وجسد ومعلوم ان الروح هى نفخة من عند الله عزوجل و الجسد هو من الطين ,و لهذا لو تهيأت الظروف لأى نفس بشرية الا ما رحم ربى لأعلنتها على الملأ صراحة و لنا العبرة فى فرعون و النمرود .

فان كلاً من الفرعون و النمرود لما تهيأت له الظروف وواتته الفرصة ورزقوا بشعب مستخف و سلبى أعلنوها صراحة على الملأ " أنا ربكم الأعلى " و لم يكن قولهم هذا ضربة لازم و لا من فراغ ,بل لعلمهم المسبق بعدم وجود من يردعهم و لا من ينهاهم و لا من يزجرهم عن قولهم السخيف هذا ,بل تيقنوا مسبقاً أنهم يحكمون قوماً من البلهاء و شعباً من المستخفين و الا لما تجرؤا على لفظها و النطق بها ولأسروها فى أنفسهم حتى حين .
ولهذا كان المثل المصرى القائل :
" قالوا لفرعون ايه الى فرعنك ..قال ملقتش حد يلمنى "

و لهذا كان من أكبر العوامل وأولها لصناعة فرعون هو وجود شعب من الحمقى و المغفلون الذين يسهل جداً خداعهم و الاستخفاف بهم, شعب سلبى كل همه أشباع حاجاته و السعى وراء شهواته دون أدنى مبالاة بمن يعبث بمصيرهم و مصير اجيالهم القادمة .

ولهذا كان الملهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ينمى هذا الحس عند الرعية لاصلاح نفسه أولاًَ و تنمية الوعى الشعبى لديهم ثانياً ,فقام يوماً على المنبر فقال :
ما أنتم فاعلون لو حدت عن الطريق هكذا؟ وحرف ييده.
فقام رجل فى أخر المسجد فقال له :
لو رأيناك أنحرفت عن الطريق هكذا , لقلنا لك بالسيوف بل هكذا ياعمر .

آه لو كان غيرك يا عمر قيلت له لقال :
خذوه فعلوه ,ثم فى السجن ضعوه ,ثم أصلبوه و حرقوه وأقتلوه .
لكن عمر بن الخطاب الملهم قال :
الحمد لله الذى جعل فى رعيتى من لو أنحرفت عن الطريق لقومنى .

ولما قام رجل يوماً و قال لعمر بن الخطاب :
أتقى الله يا عمر .
فرد عليه عمر قائلاً بعد أن دمعت عيناه :
لا خير فيكم أن لم تقولوها ,و لا خير فينا أن لم نسمعها .

و السؤال الذى يلح دائماً علىَّ :
لماذا الدول العربية التى يفشو فيها صناعة الفراعنة على غرار الدول الغربية ؟؟؟
و الجواب واضح فلما أختلف منظور الحاكم زالت الفروق ,فالغرب ينظر للحاكم على انه خادم للشعب موظفاً عادياً , لا فرق بينه و بين اى فرد من أفراد الشعب بل أن المسئولية التى يحملها على عاتقه ان لم ينهض بها أسقطته أرضاً ,و ان لم ينجز ما وعد سقط من أعينهم جميعاً .

و لهذا من أهم عوامل صناعة الفرعون و أخطرها وأهمها على الاطلاق هو وجود الشعب السلبى المستخف و الذى يصدق فيهم قول الله تعالى :
" فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ "

التعليقات