الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

كتابة الفيلم الكوميدي

الكاتب : كريم بهاء

في سوق ضخم في الانتاج السينمائي مثل سوق الفيلم الامريكي يتم انتاج اكثر من 20 % من الافلام من النوع الكوميدي .
و في مصر تعتمد صناعة السينما بشكل اساسي على نوع الفيلم الكوميدي لابقاء صناعة السينما حية و موجوده .
ولعل العبارة الشهيرة التي تتردد بين كل كتاب الفيلم الكوميدي توضح لنا اهمية هذه النوعية من الافلام فمن المعروف انه يمكن ان ترفض جهات انتاجيه تنفيذ او تمويل فيلم لانه قاتم اكثر من اللازم الا انه من المستحيل ان تجد جهة انتاجيه ترفض فيلم لانه مضحك اكثر من اللازم ! .
فما هو سر الفيلم الكوميدي و جاذبيته ؟ و لماذا يعد رهان ناجح للعديد من كتاب السيناريو ؟ و هل يشترط لكي تكتب فيلم كوميدي ان يتمتع الكاتب بخفة ظل ؟ و هل هناك قواعد يمكن اذا اتبعناها نصنع الضحك عند المتلقي ؟
في الحقيقة ان سر جاذبية الافلام الكوميدية يكمن في مساحة الضحك و كيف يمكن ان تصنع الابتسامه من خلال مناقشة قضايا مجتمعية مختلفة بطريقة ساخرة ، فسلوك الكوميديا منذ ان ظهرت كجزء من الاحتفالات الريفية في الثقافة الهيلينية - اي منذ اكثر من 2400 عام - يتمحور حول السخرية من السلوكيات الادني في المجتمع مثل سلوكيات البخل او النفاق او الكذب بحيث تتحول هذه السخرية الي طاقة ايجابيه تدفع الي فهم هذا السلوك الردئ و كيف يؤثر على حياتنا ، و يطمح بعض الكتاب او يتصور ان هذا الفهم كفيل بدفع المتلقي الي تغيير تلك السلوكيات الادني .
لكن هذا غير منطقي على الاطلاق ، فبفضل ما يعرف بمساحة الضحك و هي قيام المشاهد بفصل مشاعره عن الممثل و ما يحدث معه يجعله يفكر في الامر بشكل عقلي و ليس بشكل شعوري ، فالمشاهد يعي جيدا ان الممثل لن يصاب بسوء جراء قيامه بمشاهد فيها خطوره بل ان الامر يتعدي هذا فإن المشاهد في كثير من الاحيان يعتبر نفسه فوق مستوي السلوك الردئ الذي يتم السخرية منه و بالتالي يضحك عليه .
الا ان هذا الفصل بين مشاعر المشاهد يدفعه طوال الوقت للتفكير بشكل عقلي فيما يحدث امامه من احداث و من ثم يصبح هذا الامر هام بالنسبة للكاتب و يجعل هذا الامر الفيلم الكوميدي بمثابة خطاب مباشر بين الكاتب و المشاهد يطرح فيه الكاتب افكاره من خلال شخصياته الدرامية و يتوقع ان يستقبلها المشاهد بشكل واضح لا لبس فيه .
لكن هل يشترط ان يكون الكاتب خفيف الظل ؟ في الحقيقة الامر لا يحتاج الي خفة ظل بقدر ما يحتاج الي التجربة و الممارسة ، فالكتابة الساخرة تعتمد على مهارات واضحة يمكن تعلمها و هو ما دفع البعض لوضع انواع محددة للفيلم الكوميدي سوف يتم الاشارة لها فيما بعد .
اما المهاراة التي علينا ادراكها الان هي مهارة صنع المفارقة الدرامية
فالمفارقة هي حدوث الشئ و نقيضه ، بهذه البساطة و لا يخلو فيلم من مفارقة لكن المفارقة في الفيلم الكوميدي تعتمد على خلق المفارقة بين محددات الحبكة المختلفة - و التي سبق الاشارة اليها في معرض حديثنا عن فن كتابة السيناريو - اي ان المفارقة تكون بين الشخصين و الزمان ، او الشخصية و المكان ، او المكان مع الزمان .
كيف هذا ؟ لنفترض وجود شخص من عائلة ثرية مرفهه الي اقصي درجة انتقل بطريقة ما عبر الزمن الي الماضي ببدائيته و لنتخيل انه واجه ديناصورا و الذي يعد احد مفردات الزمن الماضي طبيعي ان اول شئ سوف يفكر فيه هو تصوير الديناصور ليضع صورته على الفيس بوك ثم سيدرك انه لا قيمة للتليفون او الفيس بوك في الزمن الذي ذهب اليه ، الامر ذاته اذا كان نفس الشخص المرفهه اضطرته الظروف للتخلي عن كل رفاهياته و الدخول الي حمام بلدي ! هذا ليس الا احمد مكي في شخصية اتش دبور .
و لكن الكوميدي لا تعتمد فقط على المفارقة الدرامية بل انها و لكي تخلق الضحك بصورة اكبر لجأنا الي المبالغة في المفارقات .
فمن هنا ظهرت الشخصيات الدرامية بشكل غير موجز ، فلم نعد نرسم شخصية رجل عجوز ، بل ان الامر يحتاج الي مفارقة فليكن عجوز متصابي ، او شاب (فافي) ، او فتاة مسترجلة .. الخ
هذه المبالغة شملت ايضا عناصر الزمان و المكان بتفاصيله المختلفة ، و لعلنا نتذكر المبالغة في مشاهد مبني المجمع بفيلم الارهاب و الكباب للكاتب وحيد حامد اذ يظهر زحام المجمع و كأن الناس لا تتحرك بل تدور في دوائر و الازدحام يصل الي درجة رهيبة تجعل لا مكان لقدم بالفعل و لا مساحة للحركة على الاطلاق مما يدفع البطل للقفز نحو الغرفة التي يريد الدخول لها .
اذن تحقيق المفارقة و المبالغة قادران على خلق مساحة الضحك التي نحتاجها في الفيلم الكوميدي .
و من ثم تم وضع تصنيفات للفيلم الكوميدي تعتمد على خلق المفارقة او المبالغة في محددات الحبكة الثلاث - الشخصية ، المكان او الزمان ، الحدث - و نذكر من هذه التصنيفات التي تتغير من بلد الي اخري و من ثقافه الي اخري ، و نحن هنا اذ نقدم نموذج لانواع الفيلم الكوميدي فاننا نقدم النموذج المتعارف عليه ثقافيا في مصر و الوطن العربي و الذي تم انتاج انواع منه داخل مصر او يعرض انواع مشابه من دول اخري مما يجعل المشاهد معتاد على مشاهدة هذه الانواع و نذكر الانواع العشر و هي
1- كوميديا سمكة خارج الماء :
يعد هذا النوع الاشهر في افلام الكوميديا و هو متداخل مع انواع الكوميديا الاخري حيث يتضح من اسمها المفارقة التي تقوم عليها و هي دخول البطل في اطار زمان او مكان مغاير لطبيعته و مغاير لسلوكه و عليه ان يتصرف داخل هذا الزمان او المكان وفقا لادواته التي يمتلكها ثم مع وصولنا الي منتصف الفيلم يبدأ في اكتساب ادوات و خبرات جديدة تساعده على تجاوز المفارقة التي ادت به الي الخروج من الماء - المقصود هنا عالمه القديم - ليعود الي عالمه بعد ان يكون استفاد من هذا الانتقال في الزمان او المكان بشكل يدعم فكرة الفيلم الاساسية .
و من هذه الافلام و اكثرها وضوحا في السينما المصرية نجد فيلم المليونير من تأليف ابوسعود الابياري و بطولة اسماعيل يس و الذي يظهر بشخصية جميز الذي يحل محل مليونير نظرا لتطابق الشبه بينهما و يسقط جميز البسيط الفقير في عالم المليونير ليصبح علي جميز مواجهة عالم المليونير المعقد بكافة تفاصيله من ادوية و عصابات و جرائم ارتكبها المليونير ، و لا يملك الا ادواته فينجح في النجاه مره و اخري ينهار فيدخل مستشفي المجانين .. الخ ، و الواضح بالنسبة لنا اننا نرسم الشخصية في هذا النوع الفيلمي و نحدد طباعها ثم نضعها في مكان معاكس لها تماما في الطباع و نتركها تتصرف لتخلق تصرفاتها المفارقات الضاحكة ، فالشاب الثري حين يجد نفسه في بيت بسيط له حمام بلدي لن يفهم على الاطلاق كيف يمكنه قضاء حاجته مثل اتش دبور .. الخ .
2- كوميديا الرومانس :
يعتمد هذا النوع في اغلبه على نفس مفارقة السمكة خارج الماء و لكن يتم هذا داخل اطار قصة حب ، فنجد البطل فقير مثلا و تضره الظروف الي ان يمثل دور الثري او يتعرف على فتاة ثرية فينسحب الي عالمها لانه يحبها ، و نجد ان الكثير من هذه النوعية و لدهشتنا من بطولة عبد الحليم حافظ لكن من يتولي الاضحاك في هذه الافلام هو الشخصية التي تم ابتكارها لتقوم بدور السنيد ، او ظل البطل و اشتهر عبدالسلام النابلسي و اسماعيل يس باداء هذه الادوار ، و تكون المفارقة المضحكة في كثير من هذه الافلام بين شخصية البطل المثالية في اغلب الوقت و شخصية السنيد .
3- كوميديا رياضية :
هي الكوميديا التي تدور في اجواء رياضة ما ، نجد ان الالعاب الرياضية تفرض طبيعة معينة في المكان بحيث يصبح عالم اللعبة الرياضية و تفاصيلها هي البطل الحقيقي في الفيلم و من اشهر هذه الافلام في السينما المصرية فيلم 4-2-4
4- كوميديا عسكرية :
كما الحال في الكوميديا الرياضية نجد هنا ان البطل هو عالم المكان ، فتصبح الاجواء العسكرية هي البطل ، و بالطبع بمجرد ذكر هذا النوع تداعب ذكرياتنا سلسلة الافلام التي قام اسماعيل يس ببطولتها و تدور في اجواء عسكرية مثل اسماعيل يس في الاسطول و الطيران و البوليس الحربي .. الخ ، و نلاحظ ان في كل هذه الافلام نجد التيمة الثابته هي عدم انتماء البطل الي عالم العسكرية الا ان التحاقه بالجيش نتيجة صدفة او ضرورة تجبره على هذا الامر فيلتحق باحد اسلحة الجيش ليكتسب مهارات جديدة تجعله قادرا على مواجهة الحياة اليومية العادية ! .
مما يجعلنا ندرك كيف تم توظيف افلام الكوميديا العسكرية و التي انتجت في اغلبها في اواخر الخمسينات و اوائل الستينات كنوع من انواع الدعاية للجيش ، بحيث يظهر المواطن العادي شخص يخاف من المياه مثلا و لكن بالتحاقه بالاسطول يتجاوز الخوف من المياه و يتحول الي بطل قادرا على مواجهة الشر المجتمعي المتمثل في معلم شرير - رأسمالي - و ينتصر عليه كما يحدث نجد في فيلم اسماعيل يس في الاسطول من تأليف حسن فؤاد و السيد بدير .
5- كوميديا المجموعة :
بدءا من هذا النوع نجد ان البطل ليس المكان و لكن عدة شخصيات ، حيث يتم تقسيم البطولة على شخصيتين او اكثر يتشاركان في مساحات متساوية في مغامرة ما و يجد كل منهم اسلوبه الخاص في مواجهة ما وقعوا فيه من مغامرة .
اعتمدت كوميديا المجموعة على البطولة الثلاثية اي ثلاث شخصيات في الاغلب و بشكل واضح نجد هذا النوع في افلام مثل سمير و شهير و بهير ، و يكون جهد الكاتب في هذا النوع هو خلق التمايز بين الثلاثة فيصبح لكل منهم صفاته و خطه الخاص في المغامرة .
6- كوميديا المراهقين :
تعتمد ايضا على فكرة المجموعة و من اشهر نماذجها في السينما المصرية فيلم عصافير الجنة من انتاج عام 1955 حيث تصبح الاجواء و احداث المغامرة مرتبط باجواء المراهقين و الاطفال .
7- كوميديا الفارس :
لم يكن الهدف من هذا النوع الا خلق موقف كوميدي بلا بناء درامي في اغلبه و نجد سلسلة من المواقف بعضها مفتعل الي درجة كبيرة و كل الهدف منه هو الاضحاك لذا ينتشر هذا النوع و يرتبط حقيقة باسم ممثلين باعينهم لعدم قدرتهم على استيعاب معني البناء الدرامي و لا تحقق هذه النوعية الا نجاح تجاري مؤقت مرتبط بزمن العرض و مع الوقت تتحول الافيهات التي خلقتها هذه المواقف الكوميدية الا افيهات دارجة و تقليدية يمكن ان ننساها مع مرور الوقت ، و هذا على العكس منه ما نجده في الافلام التي تصنع كوميديا معتمده على بناء درامي واضح تظل في ذاكرة المشاهده لقدرة المتلقي على استدعاء الموقف المضحك ككل في حياته اليومية و ليس فقط الافيه مهما كانت عبقريته .
8- كوميديا بارودي :
لا تختلف كثيرا عن الفارس من انها كوميديا تعتمد على عدة مواقف تخلو في كثير من الاحيان من الترابط او المنطق الا انها تستند في بناء السيناريو على مشاهد متعارف عليها لدي الجمهور من افلام و اعمال اخري ، في تناص واضح و مقصود مع الافلام التي حققت نجاح مع الجمهور ، و مبتكر هذا النوع هو ممثل و منتج و كاتب امريكي اشتهر بتقديم الافلام الكوميدية و هو ميل بروكس ، بدأت هذه النوعية في الظهور على يده بفيلم تاريخ العالم و الذي اعاد صياغة العديد من المشاهد المثير للجدل في الافلام التاريخية و الدينية مثل بن هور و الوصايا العشر ، ليتناول هذه المشاهد بشكل ساخر ، و قد تم تقديم مسلسل مصري يعتمد على اسلوب البارودي بعنوان افيش و تشبيه .
9- كوميديا سوداء :
هي نوع من الانواع المتداخلة بين الكوميديا و الموضوعات الاجتماعية الجادة حين تتحول الموضوعات الاجتماعية الي مادة صالحة للسخرية دون ان يكون القصد منها الاضحاك و يأتي الضحك نتيجة من عجز المجتمع عن حل مشكلاته كما نجد هذه النوعية واضحة في افلام رأفت الميهي مثل السادة الرجال و سيداتي انساتي .
10 - كوميديا غنائية :
هي نموذج اخر من التداخل بين الافلام الغنائية و الكوميديا بحيث يحدث هذا المزج استنادا الي طبيعة الممثل الذي يقوم ببطولة هذه النوعية و الذي يكون في الاغلب مطرب و قد اشتهرت سعاد حسني بتقديم هذه النوعية في وقت من الاوقات من تاريخ السينما المصرية .
الا ان هذه الانواع العشر لا تعد هي كل انواع الفيلم الكوميدي و لكنها الاشهر في السينما المصرية و العربية و تعتمد على ابنية كما تم توضحها في هذا المتن ، و في الخاتمة علينا ان ندرك ان نجاح الفيلم الكوميدي لا يكمن في القدرة على خلق الافيهات اللفظية بقدر ما هي القدرة على خلق المواقف و الاحداث التي تولد هذه الافيهات و تخلق ما يثير الضحك عند المتلقي ، و من هذا يتضح ان مهارة كاتب السيناريو في كتابة الفيلم الكوميدي لا تصبح في عدد الافيهات التي يكتبها بل في عدد المواقف التي يستطيع خلقها داخل بناء درامي واضح و محدد ، و هو ما نجده في متن مقال سابق لنا بعنوان كيف تكتب فيلما ناجحا ، لذلك سيظل هناك مجموعة من الكتاب حفروا اسمائهم ككتاب ماهرين في خلق الافلام الكوميدية مثل ابوالسعود الابياري و السيد بدير و بهجت قمر .

الصورة من فيلم اسماعيل يس في الاسطول

التعليقات