الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

متلازمة ستوكهولم 2

الكاتب : محمود عدلى

تناولنا بالبحث فى مقالنا السابق متلازمة ستوكهولم على المستوى الفردى , و فى هذا المقال سنتناول متلازمة ستوكهولم على المستوى الاجتماعى .

و لنبدأ أولاً بمناقشة بحث فى علم النفس للدكتورة النفسية دى جراهام Dee Graham أكدت الدكتورة دى جراهام ان أصابة المجتمع بمتلازمة ستوكهولم هو شئ موجود فى الواقع و قالت ان النساء جميعهم مصابون بهذا المرض لأنهم يقعون تحت نوع من الاستغلال الجنسى و الارهاب و العنف من قبل الرجال و الخوف من تدمير الحياة الزوجية لها و تشرد الاطفال ,و الحقيقة انها قالت ان كل النساء مصابون بهذه المتلازمة و لكن بدرجات مختلفة و لذلك دعت النساء الى أنضمام الى المنظمات النسائية حول العالم حتى يتخلصوا من هذا العارض النفسى .

و الحقيقة أن نظرية دى جراهام Dee Graham أثارت الجدل لأنها بذلك تضع النساء فى موقف دفاعى فقط وهو عندها افضل من موقف تدمير ذاتى لكن على أية حال تبقى نظرية و ان لم نتفق معها .

أن المجتمع لكى يقع ضحية لمتلازمة ستوكهولم لابد أن تتوافر فيه عوامل :

أولاً : أن يكون النظام الحاكم نظام قمعى مستبد :

و هذا من أهم العوامل على الاطلاق , لأنه بسبب الضغط النفسى الثقيل على المجتمع يجعل المجتمع يقع ضحية لمتلازمة ستوكهولم دون أن يدروا فيبدأون و بلا وعى منهم الاستسلام للواقع المرير و الرضا بالظلم الواقع على أعناقهم .
ويظهرون تعاطفاً غريباً تجاه الظالمين و الطغاة , بل و يبررون لهم أفعالهم القبيحة فى حق المجتمع , ولا يلقون حتى عليهم أي لوم ويوجهون اللوم كل اللوم الى أنفسهم . لا يرون في الطغاه أي ميزة سيئة ولا يقبلون أن يقال عنهم أي شيء سلبي من قبل الآخرين,و الحقيقة أن النظام الحاكم يستغل هذه النفوس المريضة ليزداد ظلماً و علواً و فساداً فى الارض .

و الحقيقة حين يحدث هذا يكون المجتمع حائر بين أمرين :

1 : ينتظر الفرصة المناسبة ليثور على هذا النظام القمعى .

2 : يتوحد نفسياً مع النظام الحاكم و الديكتاتور الذى يحكمهم ,بل و يتعاطفون معهم كنوع من الهرب لأحساس مؤلم بالعجز النفسى تجاه التغيير .

ثانياً : قطع الاتصال الخارجى و رؤية الوضع من زاوية النظام المستبد الحاكم عبر وسائل الاعلام القذرة :

و الحقيقة هذا الفعل الحقير يسلكه كل نظام قمعى مستبد حتى فرعون حينما قال لقومه :
" مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ " غافر 29

أى لا توجد رؤية أخرى الا رؤيته التى يرى بها أمور المجتمع و لذلك عندما صدقه قومه قال الله تعالى :
" فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ " الزخرف 54

و الحقيقة ان الطغاة و الظالمين و التى تتمثل فى النظم القمعية تحاول أن تجعل المجتمع فى حالة عزلة عن العالم الخارجى حتى لا يقعوا فى مقارنات مع المجتمعات الاخرى فيكتشفوا الظلم المجحف الواقع عليهم .
هذا المعتوه المخبول حاكم كوريا الشمالية الذى يدعى كيم جونغ أون ,هذا الديكتاتور الصغير منع الانترنت فى بلاده الا فى حدود ضيقة جداً فالاتصال بالإنترنت غير مسموح به في كوريا الشمالية. سوى عدد قليل جدا من المسؤولين الحكوميين هم الذين يتمكنون من الدخول إلى شبكة الإنترنت من خلال اتصال سري مستأجر من الصين . بل و الادهى أن كوريا الشمالية تتربع في أسفل تصنيف المؤشر العالمي لحرية الصحافة الذي ينشر سنويا من قبل منظمة مراسلون بلا حدود .

و بالطبع لا ننسى قطع وسائل الاتصالات لمدة ثلاث أيام أثناء ثورة الخامس و العشرين من يناير 2011 م و قس على ذلك ثورات التى قامت ,فالنظم المستبدة قامت بنفس الفعل الشنيع كمحاولة لتغييب وعى المجتمع .

ثالثاً : قتل القيم و المبادئ و الاخلاقيات و نشر الانحلال و الفساد فى المجتمع :

قال الله تعالى :
"َ فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ " الزخرف 54

أى مجتمع حتى يتم أستخفافه لابد أن يكون مجتمع منحل مجتمع منهار أخلاقياً و سلوكياً و هذا واضح جداً من دور الاعلام القذر الذى يقدم الراقصات و العاهرات قدوة لفتيات هن أمهات المستقبل , وكذلك تقديم الحرامى و البلطجى و الفاسد كقدوة للشباب و هم بناة المستقبل .

فعندما تقتل القيم و المبادئ فى المجتمع فليس هناك ما يستحق المجتمع ان يموت من أجله و لذلك يرضون و يتأقلمون مع حياة الذل و المهانة و العبودية و الاستعباد .

أغلب هؤلاء المصابون بمتلازمة ستوكهولم تجدهم يدافعون بشراسة عن النظم القمعية و الطغاة و الظلمة , فتجدهم ينشأون حملات بعنوان " أحنا آسفين يا ريس " بل و يبكون بسبب خطاب عاطفى تمثيلى هزلى لبضع دقائق و ينسون سنوات من الفقر و الجهل و القمع و التخلف فى عهده .

و هؤلاء الذين بكوا لموت الطاغية معمر القذافى بسبب التعاطف الاحمق التعاطف الغبى مع الطغاة و الظلمة و لم تسيل دمعته من أجل الذين قتلوا و شردوا بل أنه قتل اربعين ألف فى سبعة أشهر , فكان لزاماً عليهم الا يظهروا الشفقة له و لا يلينوا لمصيره لكن أنفسهم المريضة قتلت ضمائرهم .

و الحقيقة أنا أدعوكم لمشاهدة جنازة كيم جونج الرئيس السابق لكوريا الشمالية , ووالد الدكتاتور الصغير و الرئيس الحالى كيم جونج أون مشهد وقف قلمى عاجزاً عن وصفه , فلقد صدق قول القائل فيهم :
و من الذل ما لا وصف له .

أعلم جيداً أن قيود العقل و قيود الجبن و الركون الى الدنيا ,أشد من قيود الحديد .

بقلم ,
محمود عدلى

التعليقات