الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الحاج ماركيز وعقدة الخواجة

الكاتب : أشرف عمر

حالة التهليل المصرية للكاتب الكوبي جابريل جارسيا ماركيز وتناول موضوع موته على إنه مصيبة أو قارعة حلت بالبشرية جمعاء تعكس فكر التبعية والشعور العميق بالنقص لدي الذات العربية عموما والمصرية خصوصا وعقدة الخواجة المستحكمة فينا؛ خصوصا أن هذا الرجل توفي عن عمر ناهز الـ 87 عام وهو عمر مديد بلا شك.
رحم الله دكتور مصطفى محمود فقد كان فيلسوفا وأديبا وعالما ومتصوفا حقا وباحثا في الدين والعلم ومربيا فاضلا أو بمعنى أصح هو خير مربي للعقل المصري الحديث كما كان محسنا ورجل خير ولكنه لم يحظ بمعشار ما حظي به ماركيز حيا وميتا مما يجسد المثل القائل "شاعر الحي لا يطرب" أو كما يحلو للبعض ترديده في شكل الحكمة " لا كرامة لنبي في قومه"
مع احترامي الكبير لماركيز ولكل محبيه ولكن الصورة العربية للمثقف أصبحت صورة مشوهة وغريبة لا يمكن السكوت عليها طويلاً؛ فقد أدمن المثقفين العرب عموما والمصريون خصوصاً فكرة إظهار ثقافة الواسعة وسعة أفقهم عبر احتفائهم بآداب وثقافات غير عربية وغير شرقية عموماً، وأوغلوا في تغريب أنفسهم داخل بلدهم من خلال انضمام كل أصحاب رأي أو اتجاه سياسي للأدب الممثل لهذا الرأي فنرى الليبراليين عموما يحتفون جدا بالأدب الغربي وممثليه، في حين يحتفى أصحاب الاتجاه اليساري بالأدب اللاتيني وممثليه الذين يمثلون الفكر اليساري في الصورة التي تعجب اليسار المصري بشكل عام.
يمكن تلخيص هذه الحالة الغريبة في المشهد الساخر من فيلم عمارة يعقوبيان عندما سئل البطل أحد أفراد الأسرة اليسارية التي تعرف عليها عم يقرأ فقال له "الحب في زمن الكوليرا" رائعة جابريل جارسيا ماركيز. لقد أصبح من لوازم المثقف المصري أن يقول أن يعشق فلان الانجليزي ويهيم بفلان الفرنسي وأنه مفتون بفلان الإيطالي أو الأرجنتيني أو المكسيكي أو الكولومبي.....إلخ، وحبذا أو لو كان صديقاً لأحدهم أو زعم ذلك حتى يزيد من قيمة نفسه بين أقرانه ولدى الإعلام. في حين أننا نجد أن رجلا رائعا مثل دكتور مصطفي محمود حمل على عاتقه – منفرداً – عبء تثقيف الشعب المصري والعربي وتبسيط العلم الحديث له بل وتقريبه من دينه في وقت لم يتصدر لهذا الأمر المشايخ أنفسهم ولكن الرجل لم يجد هذا الاهتمام أو معشاره كما قلت سابقا من هؤلاء المثقفين.
أذكر أنني قرأت مرة أن دكتور مصطفى محمود رحمه الله كان يبذل الجهد الأكبر في الحصول على أفلام برنامجة العظيم "العلم والإيمان" وأنه كان يراسل الجهات المختصه بشخصه ويذهب للسفارات يتواصل معهم للحصول على هذه الأفلام، وبالتأكيد لا ينسى أي منا طريقته الرائعه في التعليق على هذه الأفلام بطريقة لطيفه تحببها لنا وتربطنا بالله عز وجل وتحببنا في العلم. لقد كان الرجل موسوعيا بحق ودائرة معارف تسير على الأرض وكلماته وحكمه ما زالت تشع نوراً حتى الآن وتتجلى بيننا كل يوم ولكنه لا يجد الكثير من المثقفين الذي ينشرون هذه الكلمات أو تلك الحكم وينسبونها إليه لأنها لن تعطي للعامة انطباعاً عنهم بأنهم مثقفون وواسعوا المعارفون ومنفتحون على الغرب وأنهم يجيدون اللغات الحية والميتة.
رحم الله دكتور مصطفى محمود وأمثاله من عظماء مصر الذين لم تقدرهم الدوله ولا مثقفيها ولكن وجدان المصريين المخلصين يأبى نسيانهم وسيرد لهم حقهم ولو بعد حين.

التعليقات