الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

التفوق على النفس أنكار الذات

الكاتب : محمود عدلى

أن فضيلة أنكار الذات لهى من أجمل الفضائل ان لم تكن أفضلها , ولعل السبب فى هذا هو مخالفة النفس فيما تطلب من شهرة و عظمة و حب الذات .
فهذا شئ مغروز فينا كبنى البشر يسمو روحياً من يتغلب عليه , و من افتك الامراض التى تصاب بها المجتمعات هو حب الذات و الرياء و الادعاء .
و لذلك كان أنكار الذات هو بمثابة العمود الفقرى للفضائل و الاعمال الصالحة , لأن الأجر و الثواب يسقط بالرياء مباشرة .
فلو سقط أنكار الذات أكتملت فضائل النفس بسقوطه .
ففى صحيح مسلم من حديث سعد بن أبى الوقاص رضى الله عنه قال :
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(إن الله يحب العبد التقي النقي الغني الخفي).

و لهذا يقول الله تعالى :
( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة:271)
فكل الصدقات مقبولة اذا صدقت النية و أخلصت العمل لوجه الله لكن أخفاء الصدقات خير من أعلانها , لأن فيه نصيباً من هضم النفس و لذلك كان ختام الاية عجيب " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " أى أن الله يعلم السر و العلن , يعلم ظواهر الأمور و بواطنها .

فأنكار الذات قد يصل بالانسان الى مرحلة ملائكية أو أفضل , لأن الملائكة قد جُبلت على فعل الطاعات و الخيرات , لكن الإنسان يدور بين الخير و الشر .
و قد يظن البعض أن أنكار الذات فيه نوع من محو قيمة الانسان أجتماعياً لكن الحقيقة أن الانسان الذى ينكر ذاته هو اعظم الناس قدراً و أجلهم شأناً و أرفعهم منزلة لأنه لا ينتظر من الناس شئ , فمدحهم و ذمهم عنده سواء .
فكفى بالمرء ذلاً أن ينتظر من الناس شيئاً .

أن الناس قد لا تعرف قدر المنكرين لأنفسهم و لكن الله يعرفهم و سيجعل الناس تشعر بغيابهم و يشعرون بالفجوة التى يحدثونها فيفتقدون لوجودهم فهم الغائبون الحاضرون .
و فى هذا يقول الشاعر :
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ** لا يذهب العرف بين الله والناس.

فما أعظم أن تكون غائباً حاضر عن أن تكون حاضراً غائب .

ولقد كان زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما يعول أسراً كثيرة فى حياته و لم يكن أحد يعلم بذلك , حتى أن الناس أتهموه بالبخل لشدة ما كان يُخفى الصدقات , فلما مات جاع مئة بيت من بيوت المدينة فعلموا أنه هو الذى كان يعولهم .

و لهذا من تأمل أغلب الصفات الذميمة و جد أن أصلها هو حب الذات فالبخل و الحسد و الحقد و الأنانية و الانتهازية فى الاصل هى نتيجة لحب الانسان لنفسه .

أن الذى ينكر ذاته هو أنسان تفوق على نفسه , فانكار الذات اقرار بالحقيقة فى أنبل صورها وانصاف للإنسانية فى ابهى أمثلتها .

يقول أحمد شوقي عن إنكار الذات :
"تمثال من إنكار الذات والفناء في الجماعات، وصورة من التضحية المبرأة من الآفات المنزهة عن انتظار المكافآت".

بقلم ,
محمود عدلى

التعليقات