أخر المقالات

كلمات علي جدار

كلماتُ تمور بصدره مور الماء الممزوج بالشاي الناعم الرخيص في برادٍ يعلوه الهباب وسط ركية نارٍ وجمرٍ علي حافةِ حقلٍ بعيد.. علي أطرافِ البلدة القديمة.. عندما كان لا يعرف من البلاد إلا أسماءها، ومن الناس إلا صورها الشاخصة في العيون.
أرد أن يتلفظ بتلك الكلمات التي لم يكن صدره يطيقها، كانت بحجم وجوده الذي اكتشفه فجأة في صوتها، فأصر علي تحويلها إلي فكرة مجردة، لا إنسان من لحمٍ ودمٍ ودفء. أراد أن ينطق، وهو الأخذ في الصمت الذي علمته له الوحدة، ولقنته له الليالي الباردة، وتلك الثلوج الجاثمة علي ظهره.
تردد مثل الموج الحائر علي جانب الشاطئ منذ الأزل، ما بين بوحه بالخواء، وبين خوفه من معاودة الوقوف علي الديار من الصباح إلي المساء مع (طرفة) منشداً:
ـ أتعْرِفُ رسمَ الدارِ قَفْراً مَنازِلُهْ كجفْنِ اليمانِ زخرفَ الوشىَ ماثلُهْ
قالت له :
ـ أنت الذي تنسمتُ رحيق صوته، وأنت الذي يبدأ النهار من عيونه.
أإشفاق منها لحاله، أم بوح الصبابة من شدة الغرق؟ وصدره يعانق الخواء دونها، هي المبعثرة علي البُسطِ من فرط الانفراط وحيدة كمسبحةٍ اشتاقتْ يد العابد المترنم. وصوتها يخترق جدران ذاكرته كما يخترق صمت وحدته، يواصل طريقه إلي دراجته التي تهشمت به في وجه الجدار الحجري لحظة تعلم الامتطاء الأولي، والدمُ يسيل من جبينه، والصبية يتضاحكون، والجدار يبتسم في تحدٍ عجيب. لم تكن تعرف أن صورتها غير المكتملة في ذهنه، ترتسم الآن علي وجه الجدار، وأن ابتسامة الجدار تصير لها، فتراجع واضعاً يده علي الجبين متلمساً أثر الجدار به، فوجده غائراً مثل قصص المعلم التي شكلت ملامح الحياة في انعقاد وحدته، وصارت لافتاتها، قبل أن يُضيعها الشرطي بعجرفته مطالباً بأوراق الهوية. غير أنه أدمن الصوت، وأدمن اختراقاتها لذاكرته، فحسبها تلك التي ربتت علي كتفه حين جلوسه أسفل شجرة التوت باكياً بعدما ألقي الصبية بحقيبته في مياه الترعة التي جرفتها بعيداً، وتضاحكوا من خوفه من المياه الهادئة. وخالها تجالسه وصدرها العاري يختبئ في صدره، خائفاً من حريته المختلسة، وانطلاقته التي لن يهدأ بعدها أبداً، وهو يطلق كلماته ـ أخيراً في وجه العالم ـ مثل رصاصة لا تستقر إلا في رأسٍ تشبه الجدار الحجري.
قالت:
ـ أراك تقتل الأفاعي بعصاك الغليظة، وأنا أتبختر أمامك بقميصي الأزرق.
لم يفهم ما دلالة حلمها هذا. ولماذا الأفاعي، وهو بلا عصا؟ غير أنه اشتاق لتمزيق القميص الأزرق بعنفٍ لا يستطيعه، فسخر من ضعفه أمام صوتها الناعس علي صدره، ومال برأسه ليزيح الصورة المتخلقة، ويود لو طار بها بعيداً عدة أيام بلياليهن، ولتكن النهارات ليلٌ، ليتصلا ليلةً واحدة، فوق فراشٍ يصنعه من أردية الشرطي المتعجرف ويزينه بالبياض.
ارتشف الشاي الممزوج بنكهة القرنفل، ونظر لها حائراً.. "هل هذا طعم حبات القرنفل؟ أم انه مذاق شفتيك ما زال ممزوجاً بريقي السائل في فمي؟".. فكر للحظات في كلماته التي لم يقلها، فظنتْ أنه عاد إلي الشرود بعيداً عنها بعدما دنت منه بقطوفها. فعلقتْ سؤالاً مستديراً في عنقه، وجذبته إليها كما كان يفعل الفلاحون العائدون مع الغروب بماشيتهم. نظر إليها، ودخانها يحول بين عينيه وشفتيها اللتين تتحركان كمقرض صغير حاد يريد انتزاع ما تبقي من تلك الليلة في ذاكرته التي تلاشى منها أسماء البلاد والديار التي عهد له بها (طرفة)، ودراجته، والجدار الحجري، ولم يبقى بها إلا صوتها الناعس، وإرتعاشاتها السريعة المتصلة بدفء مائها الحارق.
لم يكن صوتها يخترق ذاكرته فحسب، بل كان يعيد رسم الوجود من حوله، وهو حائرٌ بوجوده وبكلماته. فهل ينطق بها ليأخذ وجوده للوجود؟ أم يقبض عليها في صدره الذي لا يطيقها عازلاً وجوده عن الوجود؟
قالت:
ـ أراك ..............
فقال:
ـ بل لامسيني، كي أتخيلك من اللمس.. قد كدت أنسى أنك من لحمٍ ودم.. أنك حقيقية.
بالأمس كتب علي الجدار المقابل لنافذتها "بحبك"، واليوم ذهب ليكتب "أفتقدك"، وفي طريق عودته ظل يفكر فيما سيكتبه غداً. لكن (طرفة) أوقفه قائلاً:
ـ ويَأتِيكَ بالأخبارِ مَنْ لم تَبِعْ له بَتاتاً ولم تَضْرِبْ له وقْتَ مَوعد
فأتوه من قراهم ومن المدائن قائلين:
ـ متي تستفيق منك لنا؟
فكر في تلك الأغنيات التي تحتشد منذ عدة ليالٍ علي جداره كلما أوغل الليل في عتمته، فتوقظه مشتاقاً عطشاناً. يتحسس أثر الجدار علي جبينه، ولا يجرؤ علي الترنم بواحدة من تلك الأغنيات، لكنه يذهب في أحلامه ويشيد داراً للأوبرا ويعتلي مسرحها ويجعل منها أميرةً ينشدها آريات وجده وتعبه، وينتهي وهو يدور بها ومعها في الهواء مغادرين ذلك المسرح والجمهور الأصم والعازفين الذين تبتلعهم الأشواك المقدسة.
كان يصدق الموسيقى لأنها كانت تنبعث من صدره، ولأنها كانت تستطيع أن تتراقص علي نغماتها، ولم يكن يصدق لسعات النار علي جلده، لم يكن يصدق أنها وحدها مصدر تلك اللسعات، لم يكن يصدق أن شعرها ذهبي بفعل صباغة جيدة، وليس بفعل طبيعتها المتمردة.
سرحتْ شعرها في عينيه، ومشطها يُعيد تنظيم ذاكرته وتزينها بصورها المتخيلة، وأصابعها الدافئة تحتضن أصابعه في عربةٍ متهالكة متخفيان من العيون التي تزدحم بها مساء يوم الخميس حين العودة إلي البلدة القديمة. وعندما اقتربت العربة من البلدة، افتقد اسمها، فقد كانت ذاكرته تحترق في لهيب شعرها الذهبي.
قال له صاحبه:
ـ سأجلسك علي حافة حقل الذرة البعيد كما كان يفعل جدك، حيث لا شيء هناك إلا أنت، وكيزان الذرة المشوية، وأكواب الشاي المغلي بقسوة، وبحر يوسف.
ركية النار تحتضن براد الشاي، وعلي جدرانه التي يكسوها الهباب رآها قد حلت ثيابها وجذبت إيقاعات صدره لترقص عليها، ومياه بحر يوسف تصدر خريراً ضعيفاً رغم عتمتها.. "كيف عبرتِ جسور ذاكرتي ووصلتي إلي هنا؟".. لم تهتم بإجابته، وجذبتْ خنجراً كان مدفوناً في ركية النار ووشمتْ به ظهر يده اليمني، ثم طوحتْ به في بحر يوسف، وانهالتْ علي أصابع يده تقبيلاً.
قال له صاحبه:
ـ من هنا تبدأ ذاكرتك.
اعترض، بل من تباشير الصباح والعصافير تطوف به وهو متعلقٌ بيد جده خائفاً من تلك العصافير التي تحوم من حولهم دانيةً من تراب الأرض المبلل بالندى، وجده يهدئه:
ـ هذه عصافير الجنة.
ـ أنحن في الجنة يا جد؟
ـ خرجنا منها، ومازلنا نحلم بها.
بحثتْ لنفسها عن موطئ قدم إلي جوار العصافير، فلم تجد، وحاولت كثيراً أن تخترق هذه البداية ولو كامرأة كانت تعبر الطريق، أو تجلس علي طرفٍ من أطرافه. وأخيراً اهتدتْ إلي حيلةٍ بأن جذبتْ جمرةً وألقتها عليه، فلسعتْ ظهر كتفه الأيسر، فصرخ، وركع جده علي ركبتيه، واحتضنه واخذ يبلل موضع اللسعة بريقه، فحصل علي وشمٍ لزهرة عجيبة، سماها "زهرة الفردوس".
ملأ الغضب الآتين من قراهم والمدائن، فحملوا (طرفة) علي أعناقهم، وساروا به في مظاهرة حاشدة مرددين خلفه:
ـ وَلِلصَعبِ أَسبابٌ تَجُلُّ خُطوبُها أَقامَ زَماناً ثُمَّ بانَت مَطالِبُه.
وحاصروا ذاكرته بغتةً، بعدما انتزعوا حجارة ذلك الجدار الحجري الذي ما زال أثره غائراً في الجبين، وأطلقوها علي ذاكرته التي أصفرت. "انظري إلي جبيني.. أهذا صوت الكمان أم صوت جنوني؟".. كان يري صوراً لا يعرف أصحابها، وأعواماً تمر مسرعاتٍ كقطارٍ فارغٍ يقعقع في رتابة، ويسمع موسيقى حزينة تهمس كتعويذة سحرٍ غامضة.
كل حجرٍ كان يحمل كلمة، فدعاه صاحبه إلي جمع الكلمات وترتيبها ربما يزفر بنهاية الذاكرة، غير أن الذكريات كانت تتناثر مُحَطَّمَةً من حوله، وهي تجمعها بمكرٍ وتعيد ترتيبها، فيعترض، فتنثر ركية النار علي قدميه، فيسقط تاركاً لصاحبه ترتيب الكلمات، وتحل شعورها، وتسكب دموعها علي قدميه، فيحرقه ملحها، وتقدم له زهرتها ليستنشقها، والجدار ينهض بجهد صاحبه، والكلمات تتبعثر بلا معنى.. "من يرتب لي كلماتي وذاكرتي".


أحمد عادل القُضَّابِّي
الهرم ـ 2007/2010

التعليقات