الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أعرف أنها عتبة النص نقد


قديمًا كان الشاعر يقف علي الإطلال يبكي، فإذا بالناقد حديثًا يأخذ مكان الشاعر في الوقوف، لكنه صار يقف علي عتبات النص لا الأطلال، يقف للقراءة لا للبكاء.
لم يعد الوقوف علي عتبات نصٍ أو مجموعةٍ من النصوص شيئاً من باب الترف النقدي، بل صار مدخلاً نقديًا قادرًا علي فتح مغاليق النص واستقراءه. وليست كل نصوص (بهاء طاهر) يمكن الولوج إليها عبر عتبة العنوان، إلا أن العنوان يكون أحيانًا هو المنفذ الصالح للتعامل مع النص، أو هو النقطة التي تمكن الناقد من استقراءه Induction.
وبدايةً؛ فإن عنوان المجموعة القصصية "لم أعرف أن الطواويس تطير"(1) يُقدم مجموعة من الالتباسات، سنقف معها إجمالاً ثم تفصيلاً؛ وهي:
1/ المعرفة والكينونة.
2/ الجهل الدرامي والدهشة.
3/ الأيقونات.
4/ الاحتمالات وأفق الانتظار.

1/ المعرفة والكينونة
ثمة فارق كبير بين تعبيريّ: (لم أكتب هذه الأسطر) (أ)، و(لم أكن أكتب هذه الأسطر) (ب). صحيح أنهما يشتركان في أشياء كثيرة منها؛ نفي فكرة الكتابة، وكون زمان النفي في الماضي، وكون الفاعل هو المصرح بالنفي، إلا أنهما يفترقان تماماً من حيث أن التعبير الأول (أ) يكتفي بنفي الفعل، بينما التعبير الثاني (ب) يقوم بنفي القدرة علي القيام بالفعل، وهو نفي لقدرة الذات علي القيام بالفعل، أو هو نفي لتعلق الفعل بالذات. فالنفي في الحالة (أ) هو نفي للفعل دون القدرة عليه في الزمن الماضي، فالمتكلم لم يفعل لكنه قاردر علي ممارسة الفعل، وقد يمارسه فيما بعد التلفظ بهذا التعبير، لأن الإمكانية موجودة. أما في الحالة (ب)؛ فالمتكلم نفي الفعل والقدرة عليه معاً، فهو لم يفعل لأنه لا يقدر، وتغلب غُلباً عليه عدم القدرة علي القيام بالفعل ذاته في المستقبل، لأن الكينونة جوهر دائم لا يتغير ولا يرتبط بزمن علي عكس الصيرورة (إيرك فورم؛ الإنسان بين الجوهر والمظهر: ص37).
لقد أختار (بهاء طاهر) العنوان "لم أعرف أن الطواويس تطير" (1)، وكان من الممكن أن يكون العنوان "لم أكن أعرف أن الطواويس تطير"(ج) أو "أجهل أن الطواويس تطير"(د)، والطبع فإن العنوان الذي وضعه (بهاء طاهر) للمجموعة أفصح لساناً، وأبلغ من العنوان الأخر المقترح (ج) أو (د) الذي كان من الممكن أن يعبر عن الأول (1) في مستوي السطح، إلا أن (بهاء طاهر) عدل عن عنوان نفي معرفة الكينونة المقترح (ج) وعن عنوان تأكيد الجهل (د) إلي عنوان نفي المعرفة فقط (1).
إن العنوان "لم أكن أعرف أن الطواويس تطير" يجعل نفي المعرفة في الماضي عن الكينونة، وهو لا يكتفي بنفي المعرفة فقط، ولكنه يوقع هذا النفي عن الذات التي تنفعل وتكون. بينما نفي المعرفة في عنوان (بهاء طاهر) يكتفي بنفي المعرفة في الماضي فقط دون أن يوقع هذا النفي علي شيء يتعلق بالذات التي تنفعل وتكون؛ لأن الذات في عنوان (بهاء طاهر) ستعرف ـ كما سيعرف القارئ ـ أن الطواويس تستطيع الطيران، وهي ذات لديها استعداد لتقبل المعرفة المشار إليها علي الرغم من عدم تحققها بالنفي لأن الإمكانية ـ إمكانية التقبل ـ موجودة، فنفي المعرفة المتلفظ بها في الزمان الماضي دون الحاضر، وهذا من خصائص أداة النفي المستخدمة مع فعل المعرفة الدال علي الماضي بفضل تحقق النفي بهذه الأداة "لم" دون غيرها رغم كون صيغة فعل المعرفة حاضرة "أعرف". أما الذات في العنوان المقترح (ج)؛ فلم تكن تعرف، ولم يكن لديها إمكانية تقبل المعرفة المشار إليها، وهذا لا ينفي أنها قد تعرف أو عرفت أو أنها ستعرف بعد التلفظ بالعنوان المقترح (راجع؛ برونوين ماتن وفليزيتاس رينجهام؛ معجم مصطلحات السميوطيقا: ص 48و49و113و146و147و197). أما الذات في العنوان المقترح (د) فهي ذات تأكد جهلها عبر استخدام الصيغة أجهل في المضارعة، التي تؤكد الجهل بالمعرفة تماماً في الزمان الماضي وزمان التلفظ، وقد يتعدى الجهل المؤكد إلي ما بعد التلفظ.
إن عنوان (بهاء طاهر): "لم أعرف أن الطواويس تطير" (1) يوحي بقدرٍ من الإمكانيات والطاقات الكامنة التي لم تستغل في الاكتشاف والمعرفة، بينما العنوان المقترح (ج) لا يوحي بوجود هذه الإمكانيات مطلقاً، أما العنوان (د) فيؤكد الجهل تماماً حيث تستحيل معه إمكانية المعرفة. وعدم الاستغلال للإمكانيات الكامنة في العنوان (1) يمكن اعتباره نوعاً من أنواع فَقدُ الإحساس بهوية الشخصية الراوية (الراوي Narrator) لذاتها كشحصية لها كينونة، مما يكون محفزاً علي التعرف علي هذه الإمكانيات الكامنة الغير مُستغلة التي تملك القدرة علي إثارة الدهشة.
إن عنوان "لم أعرف أن الطواويس تطير" (1) يوقفنا أمام إشكالية العلاقة بين المعرفة والكينونة، وهي إشكالية تطرح بدورها إشكالية الوعي؛ إلي أي حد تَعِي هذه الذات الراوية (الراوي Narrator) نفسها؟ لن نستخدم المصطلح النقدي التقليدي: الراوي العليم والراوي غير العليم، لأن الإشكالية إشكالية وعي لا سرد، رغم أن مقام الحديث مقامٌ سردي.
الشكل التالي (التفكير العلائقي) يقدم تصوراً عن أربع أشكال للعلاقة بين تشكل المعرفة داخل الذات وصيغ التعبير عنها (التلفظ)، وكيفية وعي الذات بنفسها.
في الحالة الأولي؛ المعرفة كامنة في الذات، وصيغة التعبير تنفي المعرفة.
وفي الحالة الثانية؛ المعرفة كامنة في الذات، وصيغة التعبير تؤكد المعرفة.
وفي الحالة الثالثة؛ لا توجد معرفة في الذات، وصيغة التعبير تنفي المعرفة.
وفي الحالة الرابعة؛ لا توجد معرفة في الذات، وصيغة التعبير تؤكد المعرفة.




















الشكل السابق يقدم إذن تصوراً عن أن الراوي Narrator الذي سيسرد علينا مجموعة القصص المعنونة بـ"لم أعرف أن الطواويس تطير" يمتلك وعياً ناقصاً، وربما يكون طموحاً لاستكماله ودرء النقص.

2/ الجهل الدرامي والدهشة
ربما نعرف أن فعل الطيران هو فعل الحركة في الهواء بجناحين أو بما يقوم مقامهما من حيث الدفع والتوجيه، وهو ليس فعل تجاوز الأرض فقط ببضع سنتيمترات، ولكنه فعل يتضمن القدرة علي التحليق، وهو فعل يرتبط بجنس الطيور، حيث استحوذت علي هذا الاسم لهيمنتها علي ممارسة هذا الفعل دون غيرها من الكائنات، كما أن هيئتها التشريحية تحتوي علي ما يمكنها من هذا الفعل حيث تشترك جميعها في الجناحين والذيل والريش. ومن الاستثناء في هذا الأمر أن نجد حيواناً ثديياً يطير أو نجد طائراً له جناحين وذيل وريش ولا يطير، فمن الاستثناء الأول نجد الخفاش، ومن الثاني نجد النعام والطواويس. الخفاش يتمكن من الطيران بواسطة جناحين قويين من الجلد الرقيق، بينما لا تستطيع النعامة التحليق لثقل وزنها وكذلك الطاوس.
من الجهل الدرامي تنبع متعة التراجيديا وفكاهة الكوميديا، لكن هذا يكون معتمداً علي الممكن غير المحتمل أو المستحيل المحتمل الذي يفضله أرسطو (فن الشعر: ص247)، ومن هنا قد يتوافر للقارئ/المتلقي الإدهاش الذي يسبب المتعة، وهو شعور يعتمد علي عوامل غير معقولة وغير ممكنة (أرسطو: ص 246).
وقد استطاع (بهاء طاهر) أن يوفر في عنوان مجموعته "لم أعرف أن الطواويس تطير" عناصر تثير الدهشة وتخلق قدراً من الدرامية المثيرة للتشويق حيث كان جهل الراوي بطيران الطواويس الممكن غير المحتمل يثير في القارئ جهلاً بالمستحيل المحتمل، فالطواويس قد يحتمل منها الطيران، لأنها تمتلك المقومات التشريحية التي تمكنها من ذلك إلا أن وزنها يعوقها، ها هو الراوي Narrator يصرح في عنوانه أن الطواويس قد أتت بفعل الطيران المستودع فيها، فيثير العنوان في القارئ الدهشة لتحقق هذا المحتمل، لأن القدرة علي الطيران كامنة في الطواويس التي هي بداية تنتمي لجنس الطيور رغم تعطلها عن الطيران. هذا مع وجود شك قائم في الراوي صاحب الوعي الناقص الذي كان يجهل أن الطواويس قادرة علي الطيران، وهي التي تنتمي لجنس الطيور لما لها من جناحين وذيل بديع تلعب فيه الألوان ألعابها.
إن العنوان يحفز القارئ لأن يتعرف أولاً علي كيفية تحقق الممكن غير المحتمل (طيران الطواويس) المثير لدهشته، ثم التعرف علي الأسباب التي أدت إليه وتقف ورائه، ثم ثانياً التعرف علي علة جهل الراوي Narrator الدرامية بإمكانية طيران الطواويس، وهي المتعة الدرامية في هذا العمل السردي.
كما أن العنوان يثير مقارنة افتراضية بين الراوي والقارئ في ذهن القارئ؛ فالقارئ وإن لم يكن قد رأي طواويس تطير إلا أن مجموعة المعطيات غير المحدد والبديهية لديه تؤكد أن طيران الطواويس ممكن وغير مستحيل نتيجة لانتمائها إلي جنس الطيور تشريحياً وإن لم تمارس الطيران. إن هذه المقارنة الافتراضية في ذهن القارئ تقوي من عملية التحامه مع العنوان المثير للدهشة الدال علي وعي الراوي الناقص أمام وعي القارئ الكامل.

3/ الأيقونات
إن عنوان المجموعة القصصية "لم أعرف أن الطواويس تطير" يضع أمام أعيننا ثلاث أيقونات؛ هي: المعرفة، الطاوس، الطيران؛ والأيقونية Iconicity هنا بمعنى العملية التي يتولد فيها انطباعاً بالعالم المرجعي (برونوين ماتن وفليزيتاس رينجهام؛ ص105، وأيضاً ص157). تهيمن الأيقونة الأولى علي العنونة لأنها تحيلنا إلي الوعي، ولأنها تُنتج من خلال الفعل الذي له هيمنة دلالية في علي الجملة الفعلية المنفية. ثم تليها أيقونة الطاوس التي تمثل الأيقونة المركزية التي تدور حولها الأيقونة المهيمنة والأيقونة العلائقية (الطيران).
وإذا كانت أيقونة المعرفة تحيلنا إلي الوعي، فإن أيقونة الطاوس تحيلنا إلي الزهو بالنفس والعجب بها؛ فهذا الطائر الهندي ذو الريش البديع والذيل الطويل متعدد الألوان الذي ينشره وراءه (محمد فريد وجدي؛ دائرة معارف القرن العشرين: المجلد الخامس/ ص 790) يعتبر صورة للجمال، وهو يُكني عند العرب بـ"أبي الحُسن" وهو مثال للزهو بالنفس والخيلاء، وتضرب به الأمثال في العربية؛ فيقال: أزهي من طاوس وأحسن من طاوس (دائرة معارف القرن العشرين: مج5/ ص 790).
والأيقونة المركزية (الطاوس) في العنوان وإن كانت لا تستطيع الفكاك من أيقونة المعرفة المهيمنة وأيقونة الطيران؛ إلا أنها أيقونةٌ مليئةٌ بالتناقضات، أيقونة تحيلك ابتداءً إلي الزهو بالنفس والإعجاب بها، ثم تعود فتحيلك إلي جنس الطيور التي لا تطير، أضف إلي ذلك أن صوت الطاوس قبيح؛ يقول عنها الراوي علي لسان إحدى شخصيات قصة "لم أعرف أن الطواويس تطير": "ستتجمع هذه الوحوش تحت مكتبي وتبدأ في العواء. صراخها يدفعني للجنون!" (بهاء طاهر؛ لم أعرف أن الطواويس تطير: ص 49). ومن جملة هذه المتناقضات؛ أن ذكر الطاوس أجمل من الأنثي، كما أن الذكر كثير العبث مع الأنثي الحاضنة للبيض مما يتسبب في تلفه (دائرة معارف القرن العشرين: مج5/ ص 790)، ويذكر الجوهري في "الصحاح" أن الطاوس عند أهل الشام هو الجميل من الرجال، كما حكي الصاغاني في "العباب الزاخر واللباب الفاخر" أن الطاووس في لغة أهل اليمن هو الفضة، وحكي أيضاً أن الطاووس هي الأرض المخضرة التي عليها من كل أصناف الورود في أيام الربيع، وبه قال الصاحب بن عباد في "المحيط في اللغة"، وقال الأصمعي: تطَوَّسَت المرأة، إذا تزَّيَنَت. وهي معاني يشير جلها إلي الحسن والجمال والزينة وإن تباين الموصوف وتعدد، مما يجعل من تولد صورة الزهو بالنفس والعجب بها بارزاً.
كل هذه الأعاجيب تجتمع في ذلك الطاوس الطائر الذي لا يطير، ولكنه هنا عَبْر هذا العنوان يطير لسبب نجهله قد نتعرف عليه عبر ما سيقوم الراوي بسرده من قصص تلك المجموعة القصصية.
قد يكون الراوي يؤسس عبر العنونة جزءً أخر من دهشة القارئ بهذا العالم القابع علي صدره هذه الأيقونة المركزية المليئة بالمتناقضات المشيرة بقوة إلي الزهو بالنفس، وربما لو استخدمنا المعادل الموضوعي الأليوتي (نسبة إلي ت. إس. إليوت)، لقلنا أن هذه الأيقونة المركزية (الطاوس) تعادل شيئاً ما ـ لن أصرح به ـ بدأ يتخلق في أذهاننا عبر استعراض تناقضات الأيقونة (طاوس)، ومع معرفة القليل عن كتابات (بهاء طاهر) السابقة.

4/ الاحتمالات وأفق الانتظار
يمكن تصور أفق انتظار يتشكل في ذهن كل قارئ للنص الأدبي، ويعمل في تشكيل هذا الأفق مجموعة من العوامل إلي جوار مجموعة من المستويات، وقد يتماس أحد العوامل مع أحد المستويات أو يتوحد معها تماماً؛ يقول ياوس أن كل نص أدبي يفترض أفق انتظار يوجه فهم القارئ (كارل فييتور وآخرون؛ نظرية الأجناس الأدبية: ص 55، وأنظر أيضاً: ص 62). ومن المؤكد أن الثقافة بمفهومها الانثربولوجي تشكل أحد أهم هذه المستويات، ثم الجنس الأدبي الذي ينتمي له النص ونوعه، وكذلك التقاليد الأدبية؛ وقد حاول النقاد البنيويون أن يشرحوا كيف أسهمت اللغة والمجتمع والعقل في تكوين هذه التقاليد الأدبية (والاس مارتن؛ نظريات السرد الحديثة: ص 30).
أما من العوامل التي قد تتدخل في تشكيل أفق انتظار القارئ، فيصطف فيها الكاتب بإنتاجه الأدبي السابق إذا كان لنا معرفة به أو بالنقد الأدبي المنتج حول أعماله، وكذلك الجنس الأدبي الذي يصنف عمله تحت نوعه، ثم تكون عتبات النص من غلاف أمامي وخلفي وعنوان النص وغيرها هي العامل الأخير من مجموعة العوامل التي تشكل أفق انتظار القارئ.
ربما كانت لنا خبرة ما بإنتاج (بهاء طاهر) الأدبي عبر مجموعاته القصصية "بالأمس حلمت بك"، و"أنا الملك جئت"، و"ذهبت إلي الشلال". أو عبر رواياته: "خالتي صفية والدير"، و"الحب في المنفى"، و"واحة الغروب"؛ وهي بالطبع ليست كل إنتاجه، ولكن ما خبره الكاتب من هذا الإنتاج.
سنؤثر الحديث علي عتبة النص (العنوان) "لم أعرف أن الطواويس تطير"، ونصيبها من تشكيل أفق انتظار القارئ لمجموعة النصوص الست التي تضمها المجموعة القصصية بين دفتيها، وتحمل العناوين التالية؛ علي الترتيب: إنت اسمك إيه؟ ـ سُكان القصر ـ لم أعرف أن الطواويس تطير ـ كلاب مستوردة ـ قطط لا تصلح ـ الجارة.
لقد اختار (بهاء طاهر) عنوان القصة "لم أعرف أن الطواويس تطير" ليكون عنوان للمجموعة القصصية، وهذا الاختيار بالتأكيد له دلالته حتى ولو لم يقصدها (بهاء طاهر)، فهي دلالة يتخيلها القارئ، وتساهم بدورها في تشكيل أفق انتظاره لنصوص هذه المجموعة.
إذا ذكرنا الوعي الناقص لدي الراوي الذي لم يعرف أن الطواويس تطير من قبل رغم احتمالية ذلك، فسنجد أن عنوان القصة الأولي يصلح لأن يجعلها تنطوي تحت هذا اللواء (المعرفة) "إنت اسمك إيه؟". بينما نجد أن عناوين القصص الثانية والرابعة والخامسة ـ وهي علي الترتيب: "سُكان القصر" و"كلاب مستوردة" و"قطط لا تصلح" ـ يمكن أن تنطوي تحت لواء الزهو بالنفس والخيلاء.
إن القارئ ـ كما سبق وأن ذكرنا ـ يتشوق من خلال العنوان ليعرف كيف طارت الطواويس، ولماذا حدث هذا الممكن. كما يتشوق ليعرف لماذا لم يعرف الراوي أن الطواويس تطير، وكيف تعرف علي هذا المحتمل. إن المقارنة المنعقدة في ذهن القارئ؛ بين الراوي والقارئ؛ والتي يثيرها العنوان تشكل بعداً ثالثاً في أفق انتظار القارئ.
لن أقف مع جدلية ثنائية العلاقة بالأخر، والتي ربما تكون من السمات البارزة في إنتاج (بهاء طاهر) الأدبي، رغم توافرها في أيقونة الطاوس ذلك الطائر الهندي/الأجنبي/الأخر، والتي قد يساعد علي تواجدها عنوان قصة "كلاب مستوردة". وحضور جدلية الأنا والأخر عبر أيقونة الطاوس المركزية في العنوان، والتي تحيلنا إلي الزهو بالنفس ـ كما أشرنا ـ ربما يكون مشروعاً لو استخدمنا المعادل الموضوعي الأليوتي مثلاً. أما لو شئنا الابتعاد عن (إليوت)؛ فأجنبية الطائر مع إحالة الأيقونة (طاوس) وخبرة ولو قلية بإنتاج الكاتب (بهاء طاهر) ربما تجعلنا نحمل العلامة (الطواويس) بما لا تحتمل في أفق الانتظار فقط.

أعرف أنها عتبة النص
لم تتجاوز هذه القراءة عتبة النص، وما كان لها أن تتجاوز العتبات، بل هي قراءة تأسيسية افتتاحية تتخذ من عتبة النص تكأةٌ لها، ليقف صاحبها طويلاً أمام ذلك الصرح السردي الذي يتخذ من "لم أعرف أن الطواويس تطير" عنوانًا له.



مراجع الدارسة:

1. إيرك فورم؛ الإنسان بين الجوهر والمظهر؛ سلسلة عالم المعرفة، العدد 140، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت؛ 1989م.
2. برونوين ماتن وفليزيتاس رينجهام؛ معجم مصطلحات السميوطيقا؛ ترجمة: عابد خزندار، العدد 1196، المشروع القومي للترجمة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر، 2008م.
3. أرسطو؛ فن الشعر؛ ترجمة: د.إبراهيم حمادة؛ هلا للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، الجيزة، مصر، 1420هـ/1999م.
4. محمد فريد وجدي؛ دائرة معارف القرن العشرين؛ دار المعرفة، الطبعة الثالثة، بيروت، لبنان، 1971م.
5. بهاء طاهر؛ لم أعرف أن الطواويس تطير؛ دار الشروق، الطبعة الثانية، القاهرة، مصر، 2009م.
6. كارل فييتور وآخرون؛ نظرية الأجناس الأدبية؛ ترجمة: عبد العزيز شبيل، كتاب النادي الأدبي الثقافي بجدة، العدد 99، الطبعة الأولي، جدة، السعودية، 1415هـ/1994م.
7. والاس مارتن؛ نظريات السرد الحديثة؛ ترجمة: حياة جاسم محمد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، مصر، 1998م.

التعليقات