الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

بروناي . . . وحتمية استعادة التاريخ المشترك

بروناي . . . وحتمية استعادة التاريخ المشترك
بقلم : أحمد عبده طرابيك

يعتبر التعاون بين الدول والتحالف فيما بينها من أهم مقومات التقدم ، وخير نموذج لذلك التعاون هو الاتحاد الأوروبي ، الذي يجمع بين 28 دولة ليس بينها من عوامل التعاون والاتحاد سوي عامل الجغرافيا ، والمصالح المشودة للشعوب من ذلك الاتحاد ، في نفس الوقت الذي نجد فيه ما بين الدول العربية والإسلامية الكثير من العوامل المشتركة التي تحتم عليها التعاون والاتحاد فيما بينها أهمها عامل اللغة والدين ، وغيرها من العوامل التي تجعل من التعاون أو الاتحاد بين الدول العربية والإسلامية ذات جدوي كبيرة ، ويحقق الكثير من المصالح لتلك الشعوب .
أهملت الدول العربية الاهتمام بدوائرها الاستراتيجية الحيوية التي تشكل امتداداً طبيعيا لثقافتها وحضارتها وهويتها ، حتي كاد كثير من الأجيال تجهل من تلك الدوائر أسماء العديد من الدول التي تشاركنا الكثير من القواسم المشتركة ، والروابط التاريخية ، رغم أهمية تلك الدول في علاقاتنا الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية ، فلا يمكن تجاهل تلك الدول وما يربط بين شعوبها وشعوبنا العربية ، وخاصة في ظل ما يتعرض له العالم الإسلامي من عدوان غاشم علي حقوقه وثرواته ومقدساته وثقافته وحضارته .
تعتبر سلطنة بروناي ، التي تعرف باسم " أرض السلام " ، من أهم الدول الإسلامية رغم كونها أصغر دول منظمة الآسيان العشر " رابطة جنوب شرق آسيا " من حيث عدد السكان ، فهي تمثل مركز ثقل اقتصادي وحضاري واستراتيجي كبير للعالم العربي والإسلامي .
نالت بروناي استقلالها عن الاستعمار البريطاني في الأول من يناير 1984 الأمر الذي جعلها في تسارع مع الزمن للحاق بركب المجموعة الدولية وإثبات وجودها من خلال الانضمام إلى المنظمات الدولية والإقليمية والإسراع في إقامة العلاقات الدبلوماسية مع دول الجوار والعديد من دول العالم التي رأت أن من مصلحتها إقامة علاقات قوية معها لتكون منطلقاً لإرساء قاعدة راسخة في علاقاتها الدولية .
تقع سلطنة بروناي في الجزء الشمالي الغربي لجزيرة بورنيو بين خطي طول 4.114 ، و23.11 درجة شرقاً وخطي عرض 0.4 ، و 5.5 غرباً ، وتنقسم بروناي إلى منطقتين تفصلهما بلدة لمبانج التابعة لولاية سرواك الماليزية التي تحيط ببروناي بشكل كامل باسثناء ساحل بروناي الشمالي المطل على بحر الصين الجنوبي ، حيث تتقاسم مع ماليزيا وإندونيسيا جزيرة بورنيو ، وتطل على بحر الصين الجنوبي بطول 161كم ما نسبته 2% من حجم مساحة جزيرة بورنيو من ناحية الشمال ، ويحدها من الشرق والغرب والجنوب مقاطعتي سرواك وصباح بماليزيا الشرقية ، وتبلغ مساحة سلطنة بروناي 5.765 كيلومتراً مربعاً ، ويغطي أكثر من 70% منها الغابات ، ويعيش 77 ٪ من السكان في الجزء الشرقي من بروناي بينما يعيش حوالي مائة ألف نسمة في الجزء الجبلي الجنوبي الشرقي " إقليم تيمبورونغ " ، حيث يبلغ إجمالي سكان البلاد من 428 ألف " حسب تقديرات 2010 " يعيش 130 ألف نسمة منهم في العاصمة " بندر سري بكاوان " .
ترجع نشأة بروناي للقرن السابع الميلادي عندما كانت دولة لمملكة " سريفيجايا " تحت اسم " بوني " وأصبحت في وقت لاحق دولة تابعة لإمبراطورية " ماجاباهيت " قبل اعتناق الإسلام في القرن الخامس عشر ، وخلال ذروة امتداد امبراطوريتها ، امتدت سيطرة السلطنة لتشمل المناطق الساحلية مما يعرف حالياً " سرواك " ، و " صباح " ، وأرخبيل سولو ، والجزر الواقعة قبالة الطرف الشمالي الغربي من جزيرة بورنيو ، وقد زار " فرديناند ماجلان " تلك الدولة البحرية في عام 1521 ، وحاربت اسبانيا في حرب " قشتالة " سنة 1578 ، وبدأت الإمبراطورية بالتراجع بعد إجبارها على التنازل عن " سرواك " لجيمس بروك والتنازل عن " صباح " لشركة شمال بورنيو المسجلة البريطانية ، وبعد خسارة " ليمبانج " ، أصبحت بروناي تحت الحماية البريطانية سنة 1888 ، ثم أقام بها حاكم بريطاني سنة 1906 ، وبعد انتهاء الاحتلال الياباني للبلاد ، أعلنت بروناي دستوراً جديدا وخاضت ثورة مسلحة ، ثم استعادت استقلالها عن بريطانيا في الأول من يناير 1984 ، وأدى النمو الاقتصادي خلال السبعينيات والتسعينيات ، والذي وصل معدله إلى 56% ما بين سنتي 1999 و 2008 ، إلى تحويل البلاد إلى دولة صناعية عصرية .
بلغت قوة سلطنة بروناي ذروتها ما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر ، ويعتقد أن نفوذ السلطنة امتد إلى المناطق الساحلية حيث تقع ما يعرف اليوم بـ " سرواك " ، " صباح " ، وأرخبيل " سولو " ، والجزر المحاذية للطرف الجنوبي الغربي من جزيرة بورنيو ، ورغم الاختلاف حول الفترة التي دخل فيها الإسلام إلى بروناي ، إلا أن العديد من الأثار تشير إلى أن الإسلام قد دخل إلي الجزيرة منذ القرن الثاني عشر الميلادي ، وعلى الأرجح أن هناك موجتين من التعاليم الإسلامية قد قدمت إلى بروناي ، حيث قدمت الأولى عن طريق التجار القادمين من الجزيرة العربية وبلاد فارس والهند والصين ، أما الموجة الثانية فحدثت بعد اعتناق السلطان محمد شاه للإسلام ، ومع الموجة الثانية ، انتشر الإسلام في بروناي بوتيرة متسارعة ، قاد الشريف علي ، الذي يرجع نسبه إلى " النبي محمد صلي الله عليه وسلم " من خلال أحفاده الحسن والحسين ، حيث وصل الشريف علي إلى بروناي قادما من الطائف ، ولم يلبث إلا فترة قصيرة قبل أن يتزوج ابنة السلطان أحمد ، وقام الشريف على ببناء مسجد في بروناي ، ونشأت علاقة بينه وبين عدد من دعاة الإسلام في المنطقة مثل مالك إبراهيم الذي ذهب إلى " جاوة " ، والشريف زين العابدين في " ملقه " ، والشريف أبو بكر في " سولو " ، والشريف كيبنج سوان في " مندناو " ، وأصبح الشريف علي سلطانا لبروناي بعد أن استلم الحكم من والد زوجته ، وقد أدت جهود سلطنة بروناي للدعوة للإسلام إلى نشر الإسلام خارج جزيرة بورنيو حتى وصلت إلى جزر الفلبين الجنوبية ، عندما سقطت ملقة بيد البرتغاليين سنة 1511 ، لعبت بروناي دورا رئيسيا في نشر الإسلام في الإقليم ، وترسخ الإسلام في بروناي في القرن السادس عشر ، وبنت بروناي أكبر مساجدها سنة 1578 ، وفي يونيو من العام ذاته ، قامت إسبانيا بتدمير المسجد ، أدى التأثير الأوروبي إلى القضاء على بروناي كقوة إقليمية ، حيث خاضت بروناي حربا وجيزة مع أسبانيا ، احتل خلالها الإسبانيون عاصمة بروناي ، ولكن الحرب انتهت بانتصار بروناي رغم خسارتها لعدد من أراضيها ، وصلت سلطنة بروناي ذروة ضعفها في القرن التاسع عشر ، عندما خسرت بروناي معظم أراضيها للملوك البيض حكام " سرواك " ، وهو السبب في كون بروناي حاليا صغيرة المساحة ومقسمة إلى منطقتين منفصلتين ، وأصبحت بروناي محمية بريطانية عام 1888 حتى سنة 1984 ، واحتلتها اليابان فيما بين عامي 1941 و 1945 خلال الحرب العالمية الثانية ، وقد حصلت ثورة ضد الملكية سنة 1960 ، عرفت باسم ثورة بروناي ، إلا أنها أخمدت بمساعدة من بريطانيا ، وكانت أحد أسباب فشل فيدرالية شمال بورنيو ، كما أثرت جزئيا في قرار بروناي بالانسحاب من الفيدرالية الماليزية .
انضمت بروناي إلي الأمم المتحدة في 21 سبتمبر 1984 كدولة مستقلة ذات سيادة ، ولكونها دولة إسلامية أصبحت بروناي عضواً كامل العضوية في منظمة التعاون الإسلامي في يناير 1984 ، خلال مؤتمر القمة الإسلامي الرابع الذي عقد في المغرب ، كما انضمت إلي رابطة الكومنولث عقب استقلالها في الأول من يناير 1984 ، ومنظمة " آسيان " في 7 يناير 1984 ، سعيا منها لتفعيل دورها الاقليمي ، وانضمت إلي منتدي التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي " آبيك " في عام 1989 ، واستضافت قمة قادة المنتدي في نوفمبر 2000 ، كما استضافت قمة " آسيان " في يوليو 2002 ، وعلي مستوي العلاقات الاقتصادية ، فقد أصبحت بروناي عضواً أصلياً في منظمة التجارة العالمية منذ أن دخلت حيز التنفيذ في الأول من يناير 1995 ، كما تعتبر لاعباً رئيسياً في منطقة النمو في شرقي الآسيان التي تم تشكيلها خلال اجتماع الوزراء الافتتاحي في " دافاو " بالفلبين في 24 مارس 1994 ، وتحظي بروناي باعتراف واحترام كافة دول العالم ، كما ترتبط بعلاقات وثيقة مع القوي الدولية الكبري ، ولها دور فاعل علي المستوي الاقليمي نظراً لعلاقاتها القوية مع الدول الفاعلة في المنطقة مثل ماليزيا والفلبين وسنغافورة .
الإسلام هو الدين الرسمي الرسمي لسلطنة بروناي بنسبة 67% ، وتعتبر بروناي محافظة إذا ما قورنت بماليزيا ، حيث يتم تطبيق الشريعة الإسلامية في بروناي ، ومن ثم يتم حظر تناول المشروبات الكحولية ، وإن كانت تسمح بها للأجانب من غير المسلمين في حدود مقننة ، وإلي جانب ذلك توجد ديانات أخي فالبوذية تشكل 13 % ومعظم معتنقيها من الصينيين ، والمسيحية وتشكل 11 % ، والمفكرون الأحرار " الذين لا يعتنقون أي ديانة " 7 % علي الرغم أن معظمهم يمارس بعض أشكال الدين مع عناصر من البوذية الكونفوشيوسية الطاوية ، إلا أنهم يفضلون تقديم أنفسهم على أنهم لا دين رسمي لهم ، وبالتالي يعتبرون ملحدين في التعدادات الرسمية . اما التركيب العرقي للسكان فإن الملايو يشكلون 66.3 % من السكان ، والصينيون 11.2 % ، والسكان الأصليون 3.4 % ، وقوميات أخري متنوعة وتشكل 20.1 % من اجمالي عدد السكان . واللغة الرسمية للدولة هي لغة الملايو " البهاسا ميلاوية " علي الرغم من وجود أقلية تتحدث اللغة الصينية فرع الملايو المحلي " كيدايان " أو " بوكيت ملايو " وهي لغة يتحدث بها ثلثا السكان وفيها تباين واضح جداً عن الملايو القياسية ، وأهم لغات السكان الأصليين إيبان ولغتين أخرتين تدعيان " توتونغ " يتحدث بكل منهما حوالي 20,000 شخص ، كما تستخدم الانجليزية على نطاق واسع حيث يقطن البلاد عدد كبير من المغتربين من المواطنين البريطانيين والأستراليين ، وتغلب على بروناي ثقافة المالايو ، وهي بذلك تعكس أصل السكان العرقي .
تطالب بروناي ببعض الأراضي في سرواك ، كما أنها واحدة من العديد من الدول المطالبة بجزر " سبراتلي " المتنازع عليها ، وبالأخص بعض الصخور الصغيرة التي تظهر عند الجزر عند حيد " لويزا " المرجاني ، ومع ذلك فإن بروناي تعترف بملكية ماليزيا لجزيرة " كورامان " ، أما " ليمبانغ " فهي محل نزاع بين ماليزيا و سراوك منذ أن ضمتها الأخيرة في عام 1890 ، واشتعلت القضية مرة أخرى عام 2010 عندما انتقد رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد علناً رئيس الحكومة الماليزية الحالي عبد الله أحمد بدوي ، بالتفاوض سراً مع بروناي لتسقط بروناي مطالبها بجزيرة " ليمبانغ " مقابل تخلي ماليزيا عن مطالبتها باثنتين من الأراضي الغنية بالنفط في بحر الصين الجنوبي ، وتصر بروناي منذ ذاك الحين أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق حول هذه القضية وأنها لم تناقش أصلاً على الرغم من زعم عبد الله أن بروناي تخلت عن مطالبها في المنطقة .
يعتبر اقتصاد بروناي من أقوي اقتصاديات دول المنطقة ، حيث يرتكز علي مزيج من المشاريع الأجنبية والمحلية ، ويشكل النفط الخام والغاز الطبيعي ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجنالي ، كما تشكل الاستثمارات الخارجية جانب كبير من الدخل القومي ، الأمر الذي جعل بروناي لاعباً أكثر بروزاً خلصة خلال رئاستها لمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي " أبيك " عام 2000 ، حيث وضعت خططاً طموحة لتطوير الموارد البشرية والحد من البطالة ، وتعزيز القطاعين المصرفي والسياحي ، وتوسيع القاعدة الاقتصادية للبلاد .
لتحقيق هدفها في الاكتفاء الذاتي من الغذاء ، أطلقت بروناي اسم " أرز ليلي " على ط أرز 1 " خلال حفل إطلاق " زراعة بادي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من إنتاج الأرز في بروناي " في حقول بادي واسان في أبريل وأغسطس 2009 ، وقد جنت الأسرة الحاكمة بداية المحصول الأول من " أرز ليلى " بعد سنوات من محاولات متعددة لزيادة الإنتاج المحلي من الأرز وهو هدف تم وضعه منذ نصف قرن مضى ، كما أطلقت بروناي في يوليو 2009 مخطط العلامة التجارية الوطنية " بروناي حلال " ، والذي يسمح للمصنعين في بروناي ودول أخرى استخدام علامة " بروناي حلال " التجارية لمساعدتهم على اختراق الأسواق المربحة في البلدان التي فيها أعداد كبيرة من المستهلكين المسلمين . بناء على تصور السلطنة فإن استخدام العلامة التجارية " بروناي حلال " يضمن للمستهلكين المسلمين امتثال الشركات بالقوانين الصارمة المتعلقة بالتعاليم الإسلامية ، وتهدف بروناي أيضاً إلى بناء الثقة في العلامة التجارية من خلال استراتيجيات من شأنها ضمان سلامة المنتجات الحلال والامتثال الصارم بالقواعد التي تنظم الحصول على مصادر للمواد الخام وعمليات التصنيع والنقل والإمداد والتوزيع ، ويعتقد بأن العلامة التجارية " بروناي حلال " هي أول محاولة موفقة لوضع علامة حلال تجارية عالمية من شأنها أن تجني العائدات التجارية المحتملة من خلال تلبية احتياجات المستهلكين المسلمين في العالم ، وقد أنشئت شركة جديدة مملوكة لحكومة بروناي باسم " وفيرة القابضة " لتكون صاحبة العلامة التجارية " بروناي حلال " ، ودخلت " وفيرة " في مشروع مشترك مع " بروناي الإسلامية العالمية للاستثمار " ، وشركة " كيري اللوجستية المحدودة " التي مقرها هونغ كونغ لتشكيل شركة " الغانم الدولية للأغذية " ، وتنظم شركة " غانم الدولية " استخدام العلامة التجارية " بروناي حلال " ، يلزم المنتجون الراغبون في استخدام العلامة التجارية بالحصول أولاً على علامة " بروناي حلال " ، أو " شهادة تبين مطابقة التصنيع والذبح لأصول الشريعة " من خلال وزارة الشئون الشرعية من قسم مراقبة الأغذية الحلال ، ويمكن لهم بعد ذلك الاتصال بشركة " غانم " للحصول على العلامة التجارية .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية
ahmedtrabic@hotmail.com

التعليقات