الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الفلاح المصري في المرئيات السينمائية

تتعدد المعالجات السينمائية لشخصية الفلاح المصري، وتتفاوت رؤية كل معالجة والطريقة التي تنقل بها صورة الفلاح، كما تتفاوت مدي صدارة شخصية الفلاح في المعالجة أو هامشياتها، كما يختلف الموقع الجغرافي الذي ينتمي إليه الفلاح ويتعدد ما بين الصعيد المصري وريف الدلتا.
وسنعتمد إلي تقسيم الأفلام التي تناولت شخصية الفلاح المصري إلي ثلاثة مراحل زمنية لرصد تطور رؤية صناع الفيلم السينمائي للفلاح المصري عبر أفلامهم.

المرحلة الأولي: من بدايات السينما إلي نهاية سنة 1952م
ومنها نجد الأفلام التالية: (زينب: محمد كريم؛ 1930)، (الدكتور فرحات: توجو مزراحي؛ 1935)، (فتش عن المرأة: أحمد جلال؛1939)، (سي عمر: نيازي مصطفي؛ 1941)، (بنات الريف: يوسف وهبي؛ 1945)، (أرض النيل: عبد الفتاح حسن؛ 1946)، (ابن الفلاح: عبد الفتاح حسن؛ 1948)، (الريف الحزين: محمد عبد الجواد؛ 1948)، (حب وجنون: حلمي رفلة؛ 1948)، (فاطمة ومريكا وراشيل: حلمي رفلة؛ 1949)، (ابن النيل: يوسف شاهين؛ 1951)، (زينب: محمد كريم؛ 1952).
سنجد أن رواية "زينب" تمثل ما يشبه الأقواس التي تحدد أفلام هذه المرحلة، وفيلم (زينب) يناقش وضع المرأة الريفية والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها، فلم يخرج فيلمي المخرج (محمد كريم) عن هذا الإطار في النسختين؛ نسخة 1930 من إنتاج (رمسيس فيلم) وتمثيل: (بهيجة حافظ) و(سراج منير) و (زكي رستم) و(دولت أبيض)؛ ونسخة 1952م من إنتاج (نحاس فيلم) وتمثيل: (راقية إبراهيم) و(يحي شاهين) و(فريد شوقي) و(فردوس محمد).
ونلاحظ قلة الأفلام التي تتناول أوضاع الفلاحين المصريين، فخلال ما يقر نصف قرن من الإنتاج السينمائي المصري لم يقدم السينما المصرية سوي عدد محدود من الأفلام التي تناقش قضايا الفلاحين وتعرض لحياتهم بحيث تكون هي محور الأحداث لا خلفية لها أو مجرد نقطة انطلاق للدراما (مجرد مدخل) لتأسيس الشخصية الرئيسية في الفيلم.
فما بين فلمي (زينب: 1930؛ و1952) لـ(محمد كريم)، ستجد (بنات الريف: 1945)، و(أرض النيل: 1946)، و(الريف الحزين: 1948)، و(ابن النيل: 1951)، هي وحدها حفنة من الأفلام التي تعرض لحياة الفلاح/الفلاحة الاجتماعية والاقتصادية، وستشكل أفلام (زينب: 1930، 1952) و(ابن النيل: 1951) الطرح الرئيسي لهذه الفترة دون أن يحتوي خطابها علي أي بعد أيديولوجي أو خطاب يستشرف الثورة، فقط حافظ (زينب) علي طابعه المأسوي لنسختيه، وكذلك حافظ (ابن النيل) علي طابع الملحمي الذي ستتميز به أفلام مخرجه التالية.
يبقي أن نشير إلي أن باقي الأفلام المنتجة في تلك الفترة والتي تضمنت شخصية الفلاح تحركت في سياقين؛ أحدهما: يستخدم الريف وشخصية الفلاح كتأسيس للشخصية الرئيسية التي تحولت من مجرد فلاح إلي شخصية أخرى مختلفة عنها أو متطورة عنها فقط لكن ثمة قطيعة بين الشخصيتين، كما في أفلام: (الدكتور فرحات: 1935) أو (ابن الفلاح: 1946) أو (حب وجنون: 1948). والثاني يقدم الفلاح كنمط أو نموذج لشخص مرفوض كما في فيلم (فاطمة ومريكا وراشيل: 1949) حين تنكر البطل وصديقه في شخصية فلاحين كي يقدما نموذجاً منفراً (سلوكياً) من الفلاح حتى لا ترضي العروس به.
ويكاد أن يكون فيلم (فتش عن المرأة: 1939) أن يكون الفيلم الوحيد الذي يقدم قضايا الفلاحين، لكنه يقدما كخلفية للحدث وللموضوع الرئيسي للفيلم، ففي هذا الفيلم نجد (عادل) المحامي يعيش بين الفلاحين ويعمل علي قضاياهم ويكون هذا خلفية للخلاف بين عادل وزوجته، دون الاقتراب الحقيقي لقضايا الفلاح المصري.

المرحلة الثانية: من 1953 إلي نهاية سنة 1980م.
وقدمت خلالها مجموعة من الأفلام؛ منها: (لسانك حصانك: عباس كامل؛ 1953)، (الوحش: صلاح أبو سيف؛ 1954)، (صراع في الوادي: يوسف شاهين؛ 1954)، (قرية العشاق: أحمد ضياء الدين؛ 1954)، (ضحايا الإقطاع: مصطفي كمال البدري؛ 1955)، (المفتش العام: حلمي رفلة؛ 1956)، (شباب امرأة: صلاح أبو سيف؛ 1956)، (أرضنا الخضراء: أحمد ضياء؛ 1956)، (حسن ونعيمة: بركات؛ 1959)، (صراع في النيل: عاطف سالم؛ 1959)، (المليونير الفقير: حسن الصيفي؛ 1959)، (صراع الأبطال: توفيق صالح؛ 1962)، (المارد: سيد عيسي؛ 1964)، (أدهم الشرقاوي: حسام الدين مصطفي؛ 1964)، (الحرام: بركات؛ 1965)، (العنب المر: فاروق عجرة؛ 1965)، (هارب من الأيام: حسام الدين مصطفي؛ 1965)، (القاهرة 30: صلاح أبو سيف؛ 1966)، (الزوجة الثانية: صلاح أبو سيف؛ 1967)، (الدخيل: نور الدمرداش؛ 1967)، (جفت الأمطار: سيد عيسي؛ 1967)، (يوميات نائب في الأرياف: توفيق صالح؛ 1969)، (شيء من الخوف: حسين كمال؛ 1969)، (الحب سنة 70: محمود ذو الفقار؛ 1969)، (الأرض: يوسف شاهين؛ 1970)، (الأضواء: حسين حلمي المهندس؛ 1972)، (أفواه وأرانب: بركات؛ 1977)، (شفيقة ومتولي: علي بدرخان؛ 1978)، (رجب فوق صفيح ساخن: أحمد فؤاد؛ 1979).
تأثر الإنتاج السينمائي في هذه الفترة بأفكار الثورة وتوجهاتها، فجاءت الأفلام في مجملها لتعيد رصد ما قبل يوليو/تموز 1952 لتأكد علي الطابع الاستغلالي للطبقة المالكة للفلاح المصري، وكيف شوهت الحياة السياسية والأوضاع الاقتصادية السيئة (غير العادلة) علي شخصية الفلاح المصري وشوهتها أو أصابتها بالخلل. مثل: (صراع في الوادي: 1954)، (أرضنا الخضراء: 1956)، (أدهم الشرقاوي: 1964)، (الأرض: 1970).
غير أن عدد قليل من أفلام هذه المرحلة خرج عن هذا الخطاب/التوجه/الطرح العام، ليقدم حالات أو معالجات سينمائية خاصة ومحورها الفلاح المصري. مثل: (حسن ونعيمة: 1959)، و(الزوجة الثانية:1967)، (شيء من الخوف: 1969) والذي يعتبر فيلماً مفارقاً لما يقدمه من نقد رمزي للسلطة.
وكما نلاحظ تزايد عدد الأفلام التي ترتبط بالفلاح عن العدد في الفترة السابقة، نجد أن مناقشة أوضاع وقضايا الفلاح المصري صارت موضع اهتمام صناع الأفلام في تلك الفترة. ستجد مثلاً أن (صلاح أبو سيف) يقدم حوالي أربعة أفلام في هذه الفترة تتمحور حول شخصية الفلاح وقضاياه بشكل فيه كثير من التنوع في الطرح والمنظور، ففي (الوحش: 1954) نجد قاطع الطريق الذي يفرض إتاوات باهظة علي القرية التي تخاف منه وتخشه ويكبلها الخوف من هذا الوحش، وفي (شباب إمرأة: 1956) نجد الشاب القروي الذي انحرف عن طريقه استجابة لرغبات امرأة تستخدمه كإكسير لشبابها الدائم المتجدد، وفي (القاهرة 30: 1966) نجد تأثير الفساد السياسي والاجتماعي علي الشاب القروي (محجوب عبد الدايم) والذي يتشوه تماماً، وأخيراً نجد (الزوجة الثانية: 1967) الذي يتناول حياة الفلاح المصري بمزيد من التفاصيل لكن في الفترة السابقة 1952.
سنجد تزايد الإهتمام بالفلاح في أعمال (بركات): (حسن ونعيمة: 1959)، (الحرام: 1965)، (أفواه وأرانب: 1977). وكذلك؛ يقدم (يوسف شاهين) الفيلمين الملحميين: (صراع في الوادي: 1954)، (الأرض: 1970).

المرحلة الثالثة: من 1981 حتى تاريخ كتابة هذه السطور.
ومن الأفلام التي قدمت في هذه الفترة نجد:
(عنتر شايل سيفه: أحمد السبعاوي؛ 1983)، (المتسول: أحمد السبعاوي؛ 1983)، (المغنواتي: سيد عيسي؛ 1983)، (الهلفوت: سمير سيف؛ 1985)، (الطوق والأسورة: خيري بشارة؛ 1986)، (البريء: عاطف الطيب؛ 1986)، (عصفور الشرق: يوسف فرنسيس؛ 1986)، (فيش وتشبيه: عدلي يوسف؛ 1986)، (سكة سفر: بشير الديك؛ 1987)، (الذل: محمد النجار؛ 1990)، (المواطن مصري: صلاح أبو سيف؛ 1991)، (الفلاحين أهم: ناصر حسين؛ 1992)، (كفر الطماعين: وصفي درويش؛ 1992)، (ابن الجبل: محمد مرزوق؛ 1992)، (الفاس في الراس: وحيد مخيمر؛ 1992)، (مبروك وبلبل: ساندرا نشأت؛ 1998)، (الواد محروس بتاع الوزير: نادر جلال؛ 1999)، (محامي خلع: محمد ياسين؛ 2002)، (فلاح في الكونجرس: فهمي الشرقاوي؛ 2002)، (عسكر في المعسكر: محمد ياسين؛ 2003)، (أريد خلعاً: أحمد عواض؛ 2005)، (خريف آدم: محمد كامل القليوبي؛ 2005)، (بوحه: رامي الإمام؛ 2005)، (في محطة مصر: 2006).
يتراجع الاهتمام بالفلاح ويكاد يعود الخطاب السينمائي إلي المرحلة الأولي التي انتهت بنهاية عام 1952، حيث يتراجع الطرح المتعلق بقضايا وظروف الفلاح المصري، ويبرز مجدداً الاعتماد علي شخصية الفلاح كشخصية متحولة فقط؛ مثل: (عنتر شايل شيفه: 1983)، (المتسول: 1983)، (البريء: 1986). ويعود التعامل مع الريف والفلاح كمدخل للفيلم السينمائي؛ مثل: (الواد محروس بتاع الوزير: 1999)، (عسكر في المعسكر: 2003)، (بوحه: 2005). وتأتي شخصية الفلاح علي الهامش كنمط أو كنموذج فقط؛ مثل: (أريد خلعاً: 2005)، (في محطة مصر: 2006).
ستجد أن الأفلام التي تجعل من قضايا الفلاح وظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط به قليلة جداً ونستطيع أن نحصيها في أفلام: (الطوق والإسورة: 1986)، و(المواطن مصري: 1991)، و(خريف آدم: 2005).. وستجد أن المنظور في كل فيلم من الأفلام الثلاثة مختلف، وأنها لا تناقش حياة الفلاح المصري بقدر ما تناقش قضايا أخرى وتتخذ من الريف والفلاحة مظهراً لها.

ختامًا
إذا كانت الحكومة المصرية تحت دعاوى التحديث يتوجه اهتمامها إلي ما تدعي أنه صناعة، وتضع رهاناتها المستقبلة علي حفنة من أصحاب المصالح (المنتفعين) الذين يتسمون برجال الأعمال، فإنها تهمل الحقيقة التاريخية/الجيولوجية التي تقول إن علي جانبي نهر النيل لم يكن هناك شيء سوى مجموعة من البرك والمستنقعات تحولت علي يد الفلاح المصري الصبور والدءوب إلي أرض زراعية من أجود الأراضي القادرة علي استقبال البذور وتقديم أجود المنتجات الزراعية التي هي المواد الخام للتصنيع وللصناعة الحقيقية، وليس القطن الذي استضافته التربة المصرية والفلاح المصري عن ذاكرتنا ببعيد.
إن مراجعة بسيطة لأفلام الخمس سنوات الأخيرة في تاريخ السينما المصرية ليكشف عن تجاهلها لشخصية الفلاح تمام، وهو ما يكشف بدوره عن غياب الفلاح عن بؤرة خطاب النخبة والمثقفة، وكذلك عن بؤرة الاهتمام الحكومي الذي مازال يتمسك بالتمثيل الشكلي للفلاح المصري في مجلس الشعب ويحرص علي استغلال نسبة ال50% عمال وفلاحين، لملأ الخانات السياسية فقط.
وأين الفلاح المصري في الضجيج الإعلامي المرئي والمقروء؟

التعليقات