الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

مقدمة نقدية في فن الأداء


بات مصطلح الأداء Performance من المصطلحات المنتشرة في السنوات الأخيرة، لهذا جاء كتاب "مارفن كارلسون" (فن الأداء) ليتناول هذا المصطلح ويقدم له نقدياً كمحاولة لتوفير مقدمة للجدل الدائر حول الأداء المسرحي، وهو يحاول استعراض الخلفية التاريخية لتحديد الاتجاهات الرئيسية والمفاهيم التي تتعرض للأداء المسرحي.
فالمؤلف يستعرض المعني العام للمصطلح في الحضارة الإنسانية والظلال التي يحملها المصطلح، مع التركيز علي أمثلة خاصة بفن الأداء في الولايات المتحدة الأمريكية التي هي مركز خبرات المؤلف.
وكما يقول المؤلف في تقديمه للكتاب؛ فإن فن الأداء، فن معقد ومتغير بطبيعته هذا لو أخذنا في حساباتنا الشبكة الكثيفة للاتصالات التي توحد بينه وبين أفكار الأداء التي تم تطويرها في المجالات الأخرى، وبينه وبين الاهتمامات الثقافية والحضارية والاجتماعية التي تثيرها كل أنواع مشروعات الأداء المعاصرة.
يقسم (مارفن كارلسون) الكتاب إلي ثلاثة أجزاء رئيسية، يتناول الجزء الأول منها مصطلح الأداء وعلاقاته بالعلوم الاجتماعية، فعبر الفصول الثلاثة الأولي يحاول أن يقدم الخلفية الثقافية العامة للأداء، والظروف المحيطة بالفكرة العصرية للأداء، حيث يبحث تطور مفهوم الأداء في كل من علم الإنسان وعلم الأجناس وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم اللغة، فيكشف عن العلاقة الوثيقة بين فن الأداء وعلم الاجتماع وعلم النفس..
يحدد المؤلف نقلاً عن (رتشارد شيشنر) سبعة مجالات مشتركة بين نظرية الأداء والعلوم الاجتماعية؛ وهي:
1. الأداء في الحياة اليومية، بما في ذلك كل أنواع الاجتماعات.
2. التكوينات الرياضية، والطقوس، واللعب، والسلوك العام والسياسي.
3. تحليل مختلف الاتصالات ، والإشارات.
4. العلاقة بين السلوك الإنساني وسلوك الحيوان، مع التركيز علي اللعب والطقوس السلوكية.
5. نواحي العلاج النفسي التي يؤكد علي العلاقة المباشرة بين شخص وأخر وعلي إعادة ما حدث، وعلي الوعي بالجسد.
6. تكوين نظرية موحدة للأداء، التي هي في الواقع من نظريات السلوك.
7. عوامل الأداء في جميع الاحتفالات الاجتماعية.
وفي الفصل الأول ينتقل المؤلف من تعريف مصطلح الأداء الثقافي إلي وظيفة الأداء في الثقافة، حيث يوضح في النهاية أن النظريات الثقافية ظلت تركز أساساً علي الأداء كظاهرة لعلم الأجناس وعلم الإنسان، إلي أن انتقل البحث عن الأداء كمنظور اجتماعي وسيكولوجي علي نفس الدرجة من الأهمية بالنسبة لنظرية الأداء الحديثة، ويكون هذا محور الحديث في الفصل الثاني. فالفلاسفة اهتموا في وقت متأخر بالدور الاجتماعي والأداء الاجتماعي الذي يستند علي الالتزام بالمسئولية أكثر من التلقائية والمرونة، من ذلك تحليل (سارتر) لسلوك السفرجي في فصل من كتاب "الوجود والعدم Being and Nothingness".
يخصص "مارفن كارلسون" الفصل الثالث للحديث عن الأداء اللغوي حيث ينطلق في تحليله لمصطلح الأداء في النظرية اللغوية عند (نعوم شومسكي) Noam Chomsky في عمله المسمي "أوجه نظرية التعبير والنحو" حيث يميز (شومسكي) في كتاباته بين الكفاءة competence، وبين الأداء. ويمر المؤلف بمناقشات لكل من (باختين) و(جوليا كريستيفا) وأعمالهما اللغوية، وينتهي بمناقشة عمل (هربرت كلارك) و(توماس كارلسون) "المستمعون وأفعال الكلام".
أما الجزء الثاني؛ فيتكون من فصلين خصصهما المؤلف للخلفية والتاريخ القريب، ويحتوي الفصلين علي بعض المادة النظرية ، كما أنهما يتناولان الناحية التاريخية بشكل أساسي، حيث يحاول المؤلف أن يقدم لنا فكرة عامة عن الأعمال المتعلقة بفكرة الأداء في الولايات المتحدة الأمريكية وكيف أنها لا تختلف عن الأشكال المسرحية التقليدية.
أما الجزء الثالث، فيشتبك مع النظريات المعاصرة، حيث يربط الفصل الأول من فصوله الثلاثة بين الأداء وما بعد الحداثة Postmodernism، وهما مصطلحان يترابطان بطريقة معقدة، وأحياناً ـ علي حد وصفه ـ بطريقة متناقضة. يقول: " وهذا الجذب المتناقض بين الحداثة، وما بعد الحداثة للأداء تم التعبير عنه بوضوح في نظرية الرقص، حيث أصبح هذان المصطلحان يترددان في كل مكان، حتى ولو كانت معانيهما بالضبط ما زالت موضع الجدل الساخن".
ويري أن مفهوم الشفرة المزدوجة الذي ربط به كل من (بينز) و(جنكس) تعبيرات ما بعد الحداثة، قد أثر فعلاً في بعض أعمال التقييم النقدي لكل من فن الأداء والمسرح التجريبي. وأن هذا التعبير ـ الشفرة المزدوجة ـ قد استخدم في وصف أعمال (بيل إروين) وغيره من مؤدي ما يسمى بالمنوعات الجديدة New Vaudevillians بسبب تشابههم مع النموذج الذي وضعه (جنكس)، وليس بسبب استخدامهم للحركة الخالصة. ويتفق المؤلف مع (فورستر) في وصف الخلفية التي يتشكل عليها (جنكس) وغيره باسم اتجاه "ما بعد الحداثة المحافظ الجديد Neoconservative Postmodernism".
وفي الفصل الثاني من هذا الجزء، يستكشف (مارفن كارلسون) العلاقة بين الأداء والهوية، حيث يري أنها علاقة أساسية من أوجه عديدة، فيقول: "فالأداء المرتبط بالهوية، والسيرة الذاتية قد تطور بدرجة كبيرة في تعامله مع النوع (ذكر/أنثي)، والناحية الجنسية sex. وقد ساعدت هالة المحرمات والفضائح التي تحيط به علي اكتسابه سمعة واسعة النطاق. ولكن خلال الثمانينيات بدأت عدة أوجه من التاريخ الشخصي، ومن حالات التوتر الموجودة بين النفس والمجتمع تستكشف بدرجة متزايدة بواسطة الأداء. وبدأت الطبقات والأجناس تعطي نفس الاهتمام الذي كان يعطي سابقاً للنوع (ذكر/أنثي) gender، مما حقق لأداء الهوية مجالاً أكثر تنوعاً، وأكثر اتساعاً. بينما كان هذا الاتجاه مجرد مشروع في دور التكوين، كان من أوضح الخصائص المميزة للعمل الأدائي في أواخر الثمانينيات في الولايات المتحدة الأمريكية هو ظهور مؤدين ومجتمع من المشاهدين قد كرسوا أنفسهم لجعل استكشاف النفس".
ويختتم المؤلف هذا الجزء بفصل ثالث وأخير عن أداء المقاومة الذي يوفر صوتاً مسموعاً للأفراد والجماعات التي كانت مجبرة علي الصمت. فكل أداء له موقف مخالف للمواقف السائدة ثقافياً اضطر للتفاوض بطريقة أو بأخرى مع الضغوط المحيطة به والممارسة من حوله، كما حدث مع فن الأداء النسائي فيما سبق من الزمان. ويؤكد (مارفن كارلسون) في النهاية علي أن أداء المقاومة الحالي قد أصبح شديد التعقيد والتنوع ـ في ذات الوقت ـ لدرجة أنه أصبح من الصعب تقديم نموذج واحد يمثله؛ فيعدد الأمثلة من الأقليات العرقية إلي الشواذ جنسياً. وهذا الأداء المقاوم فتح المجال أمام التساؤلات المعقدة التي تتعلق بالكيفية التي يمكن بها التفاوض حول التملك وإعادة العرض والتقديم، وهي التي يكون فيها التفاوض ملتزماً بالمسئولية الاجتماعية والسياسية؛ فكما يقول (مارفن كارلسون): "فنشاط المؤدي لم يعد مركز الاهتمام الرئيسي في هذه الظاهرة، بل مركز الاهتمام هو ردود الفعل المتباينة بين المؤدي والجمهور".
كتاب (مارفن كارلسون) "فن الأداء: مقدمة نقدية" صدر حديثاً عن في طبعة خاصة بمكتبة الأسرة 2010 ضمن سلسلة الفنون، وهو من ترجمة الدكتورة (منى سلام) ومراجعة الدكتور (نبيل راغب) ويقع في 357 صفحة من القطع المتوسط.

التعليقات