الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

حركية النص واستراتيجية الاحتمال في ديوان هواء جاف يجرح الملامح لمؤمن سمير


من الأمور المبهجة حقًا، متابعة نشاط أحد المبدعين الشباب الذين يتمتعون بالدأب والأصالة جنبًا إلى جنب مع التجريب والنَزَق الإيجابي ومحاولة تخطي المنجز الشخصي والعام سعيًا نحو تحقيق مشروع إبداعي خاص ومتفرد، وأقصد هنا الشاعر "مؤمن سمير" الذي أصدر ستة دواوين منذ عام 1998 وحتى 2005 والمهم أن كل ديوان يمثل محاولة واضحة لتجاوز سابقه .
أحد أهم تجاربه في ظني هو ديوان "هواء جاف يجرح الملامح" الذي يحمل عنوانًا مراوغًا يمثل عتبةً لكيان مراوغ آخر هو النص الكلي أو الديوان. والمراوغة تأتي من الاحتمالات التي يصنعها التحديد، فهو يقول "هواء جاف...." أي أن هناك بالطبع هواءً آخر غير جاف قد يصنع شيئًا آخر في زمن آخر ومكان آخر ووعي آخر (بالملامح).. فأي هواء وأي ملامح؟ كما أن الألف واللام هنا ليستا للتعريف وإنما للإطلاق وبذلك يتجاور التحديد مع الإطلاق في صنع احتمالية العنوان الذي يشير إلى (احتمال) وجود هواء جاف (مستمر) في جرح الملامح الطبيعية، أو النفسية، أو التاريخية لبطل واحد أو لجماعة معينة أو إنسانية.... الخ .
إن الشاعر هنا يقلد المحتمل لا الواقع كما يقول أرسطو – وبهذا، فالتحديد المراوغ يفيد الاحتمال لا اليقين ولا يضيق الدلالة بل يوسعها. إن غير المحتمل في الواقع يستطيع أن يكون أكثر احتمالاً في السياق الفني والشاعر إذ يفضل احتمالاً ما على آخر يكون فقط لأنه اختاره وليس بالضرورة دعم إمكانية تجسده وقيامه. فكل الاحتمالات سواءٌ في منطق الشعرية، ولكن مناط الأمر يكمن في الملائمة من عدمها للسياق الفني. إنه إذاً يؤسس أول ملامح الشعرية التي ستنتج النص الشعري داخل سياق الديوان، فهو لن يقول بيقين كامل ونهائي، وإنما (سيفضل) احتمالاً ويصنع له تموضعًا في حركية النص ليحث متلقيه على إنتاج احتمالات أخرى ومستمرة تمد الأسئلة على استقامتها .
يقسم الشاعر ديوانه إلى ثلاثة أهزعة أو هُزُع (جمع هزيع) وهو ثلث الليل أو ربعه، ويفصل بين الهزيع الثاني والهزيع الثالث هزيع استثنائي أسماه (هزيع الفطام)، وكتبه بالكامل باللهجة العامية المصرية. وقد أحاط الهزع تلك بمقولات لـ(فرناندو بيسوا)، و(كافكا)، و(هنري ميشو) في القوس الأول، ومقولات لـ(سيان)، و(تودروف) في القوس الأخير، كما صَدَّر النصوص بإهداء إلى أبيه وأنهاها بتعبير فرنسي هو finita la comedia ؛ أي انتهت الكوميديا أو تمت نهائيًا، وهو التعبير الذي يفتح عدة احتمالات: أن الكوميديا انتهت بانتهاء النص الشعري، أي أن هذا المحتمل الشعري ليس سوى فقرة كوميدية في عرض وجودي، انتهت بانتهاء النص، وربما يشير إلى أن الشاعر يرى الحياة مجرد (مأساة)، من فرط عبثيتها تثير الضحك الذي يخفي احتقانًا للروح، وينتهي مفهوم المخالفة ذاك بانتهاء النص والأدوار التمثيلية التي يقوم بها الأبطال الدراميون في مسرحيات الحياة.. وربما يومئ كذلك أن الكوميديا انتهت لتبدأ المأساة، فكأن النص الشعري المحتمل لا النهائي (الذي هو في أحد تجلياته سواء بالمحاكاة أو المخالفة، تصور للحياة.. مجرد نسخة كوميدية من نص آخر غير شعري ظاهريًا هو هذه الحياة، نص مأساوي في حقيقته، سينطلق بمجرد "الإعلان" عن فناء النص الكوميدي الذي كان مجرد نتوء في سياق كبير.
إننا نلاحظ أن الشاعر قد سيج نصه بمقولات أو تصورات للوجود قد تحتضن الشعرية فتعطيها شرعية تخاف هي من عدم تحققها، أو على العكس قد تمثل جدرانًا يسري بينها نهر الشعر بكل نزقه واحتماليته ونسبيته مقابل اطلاقيتها ويقينها المتبدي الصارم ..
لقد نجح الشعر بألعابه تلك وبنصوصه في تحويل الفن إلى حياة موازية للحياة المعاشة أو من زاوية أخرى نجح في تقديم تصور أو اقتراح للتفاعل الدينامي مع الوجود، من هذا: ولع الشاعر بإذابة الفوارق بين اللغة العربية الفصحى الفخمة والرسمية وبين اللهجة العامية المصرية بهدف قنص القارئ والصداقة معه بصنع (تباسط مجازي) يكسر الحواجز المفترضة، ثم يكثف محاولاته (هزيع الفطام) الذي أدخله أو أقحمه قاصدًا في قلب التقسيم الشكلي للديوان، فالطبيعي أن نرى الهزيع الأول ثم الثاني ثم الثالث، لكنه جعله هكذا: الأول، ثم الثاني، ثم الفطام، ثم الثالث... أي أنه أدخل التجربة العامية وسط الترتيب ببساطة ماكرة، وكأنها موجودة بشكل أساسي وطبيعيًا داخل أي ترتيب وأي سياق صارم ظاهريًا، وقد يكون انتصر في النهاية عندما أنهى بالهزيع الثالث وليس بالفطام، للالتباس والتجاور داخل الجملة ذاتها بين الفصحى والعامية، وليس للعامية بشكل واضح ونقي.. أي أنه هرب من الحدود الفاصلة وعاد لنسبيته التي يفضلها ويحتمي بها .
يطلق الشاعر على هزيعه الأول اسمًا هو (لذة القسوة) ولم يطلق أي أسماء على الهزيع الثاني، أو الثالث، لكنه قدم لهما بنصَيْن شِعرييْن له هو تقوم مقام العنوان، أو فاتحة النصوص، أو مدخلها الذي يرسم فضاءها، أو يقوم بدور الأسوار التي تحاصرها، ليحاول النص الإفلات منها طوال الوقت .
إن مصادر إنتاج الشعرية هنا متنوعة وعديدة، ولكني سأقترح عدة علامات يمكن عن طريق تتبعها مقاربة النصوص؛ وهي :
أولاً: حيلة أو لعبة الاحتمالات :
المفهوم الجمالي لحيلة الاحتمالات كما أشرنا من قبل، لا يعني تصوير النص الشعري لما يمكن تصور حدوثه في الواقع المعاش المتعين ثم قلبه مثلاً، وأعني الواقع الطبيعي الخارج عن نطاق الشعرية بشكل تأريخي راصد – وإنما: بقيام النص بالتخييل يصنع واقعه هو، الموازي والنِد والقائم فعليًا، الذي يقتفي لنفسه القوانين، يصنعها ويؤكدها أو يخرج عليها في حركة دائبة لا تثبُت.. انظر مثلاً :
كان ثمة تاكسي ينزف
والسائق في الهواء
يسمم ملابسه الشتوية .. ص 13
يطرح النص تفضيل الراوي لهذا الاحتمال: أن ما جرى كان هكذا: أن هناك تاكسي ما ينزف وأن هناك سائقًا يسمم ملابسه الشتوية، طارحًا الاحتمالات المتوالية بشكل مضمر دون أن يفضلها بالشكل الشبيه بالواقعي الذي رأيناه، وهنا لا أتحدث مثلاً عن الفانتازيا التي تغلف هذا المشهد، أو غيرها من التقنيات أو ألعاب الشعرية، وإنما نحاول أن نتتبع ملمحًا بعينه.. يقول الشاعر :
لابد سأنقض وأنتقم
بعكس شعوري
– حتى من باب التغيير –
وسأفتح له كل المسام والنوافذ والعيون .. ص 90
إنه فضل هنا اختيار احتمال الانقضاض والانتقام، وإن كان هذا الاحتمال له آلية مغايرة للمعتاد، فهو سينقض وسينتقم بالمعنى المعكوس! أي أنه سيجابه عدوه – الخفاش المجازي الذي يطارده – بأن يفتح له المسام والنوافذ والعيون! وهو الاحتمال الذي لن يتوقعه الخفاش وهكذا ينتصر عليه بمفاجأته! لقد استخدم مطاطية الاحتمالات في اللعبة الشعرية المراوغة طارحًا قابلية الأسئلة لأن تمتد حتى النهاية وهي : هل حدث شئ من كل هذا إلا في زمان ومكان النص؟
وينهي الشاعر قصيدته ص 97 بعد مقدمات كثيرة تؤكد هذا الطرح :
لن تحيد عنه أبدًا
بإخلاص منقطع النظير
ذاك التساؤل
.. سأتركه لذكائكم ..
فيترك الأمر كله للمتلقي ليقترح هو ويعيد الصياغة مكتفيًا بالتلميح بأنه قد يتبنى ذلك التساؤل .. الذي لم يعرفه وسيقوم كل متلقي على حدة باقتراحه وبهذا فهو يعتمد (كل) الاحتمالات !!
ثانيًا: المفارقة :
هي أحد المصادر اللافتة التي يتكئ عليها النص لتفجير الشعرية وإنتاجها لكنها في هذا الديوان تجاوزت آفة تلك التقنية الشهيرة حيث إنها لم تصل بالنص إلى حد (الإدهاش الفج) القائم على التناقض اللفظي أو إلى حد صياغة (إفيهات)، أو (أكليشيهات) تحتال بها على ذهن المتلقي كما هو سائد للأسف في الكثير من الدواوين المتداولة.. المفارقة هنا تنبع من داخل النص، بمعنى أنها ليست مقحمة عليه من خارج النص عن طريق وعي المؤلف المتورط أو المحايد.. يقول :
فقط أنت
الذي لم تتمكن أبدًا
من أن تخفي حزنك
ولو في جزء ظاهر من القلب .. ص 22
مفارقة الإخفاء هنا أنه في الجزء الظاهر مع أن المعتاد أن مكان الإخفاء في العمق أو في الباطن أو في غير الظاهر بصفة عامة.. وعندما يقول في ص 83 :
أضمن لكم
أنه مخلص ونزيه
كجاسوس ..
فإنه يدرك أن القار في الذهن عن دال الجاسوس أنه خائن ونذل.. إلخ. لكن النص يلفت نظرنا إلى زاوية النظر الأخرى المفترضة لكنها مخفية خلف نور ووضوح (الظاهر)، فغير المعتاد يمتلك نقطة يكون فيها معتادًا حتى لو تعامينا نحن عن هذا الفعل واعتبرناه استثناءً، فالجاسوس مخلص في عمله نزيهٌ فيه باعتباره الموقع الذي يتعامل من خلاله مع العالم رغم ضآلة وضيق الإطار الذي نثبته نحن بقيمنا الثابتة فيه .
إن المفارقة بسعيها إلى كسر ثبوتية رؤانا و اعتياديتها وتقديمها لغير المألوف باعتباره مقلوب الحقيقة أو هو الحقيقة بعد تقشير الزيادات والستائر تصل تمامًا لإنتاج الشعرية وإثبات أن الشعر يملك دائمًا قدرة النفاذ إلى قلب الأشياء سعيًا وراء تواصل إنساني مع الكائنات من موقع صداقاتي وليس (نبويًا) أبدا .
ثالثًا: ما أسميه (الفاعلية التقابلية) :
في هذا الديوان نتمكن من أن نلمح مركزين أو ضدين تتحرك الشعرية بينهما: مثل الداخل، الجواني/الخارج، البراني – اللغة الاعتيادية/اللغة الشعرية، مثلاً.. وما يحدث من تلاقح وحركة دائبة بين هذين المركزين أو الضدين هو ما أسميه (بالفاعلية التقابلية)، لأن هذه الحركية إنما تستمد فاعليتها من أنها تمتح من كون التفاعل له طرفان متقابلان، كما تمتح من فعل التقابل وآلياته في الآن ذاته، ولهذا عدة أنماط هي :
1. مزج الداخل بالخارج في سياق وعيٍ بالضرورة مزدوج :
لا تكتفي تجربة الديوان بحضور العالم الخارجي فقط بمركزه وثقله الجاثم ووطأة هذا الحضور على الذات الشاعرة وعلى تشكل انسيابها، وإنما يمتد الحضور إلى منطقة الداخل بمركزها المتوهم وخفتها المتناهية لتصنع سياقًا من الوعي المزدوج بين ما هو خارج إلى ما هو داخلي ولصيق بالنفس والعكس.. أو ما بين ما هو حقيقي وما هو وهمي.. ما هو ظاهر وما هو باطن.. ما هو جسداني كثيف وما هو ظِلٌ شفيف... يمكن تأمل هذا المزج وهذه الحيوية والتراوح بين مراكز الثقل في نص (بنظرة واحدة) ص ص 116-119 مثلاً، فالشاعر يبدأ بمنطقة الداخل المتوهمة؛ فيقول :
سوف أمنح نفسي
فرصة ألا أفعل شيئاً بالمرة
لأني دائمًا ما أخطئ ..
ثم يمزج هذه المنطقة الداخلية بالعالم الخارجي عن تلك الذات سريعًا؛ فيقول :
أقف بهدوء في نافذة الدور التاسع
أحمل كوب شاي وسيجارة
وأطل على كل النوافذ ..
ثم ينفلت إلى الخارج أكثر عبر موقع الراصد والمراقب؛ فيقول :
ولدٌ يتلفت حذرًا
يغافلهم ويسرق عين البنت....
ثم يرتد إلى الداخل؛ فيقول :
أبعث إليه
بحزمة تحياتٍ صادقة ..
وهكذا إلى نهاية النص وغيره من النصوص حيث تتراوح مناطق الثقل والخفة بين الفعل المنبثق من الداخل متوجهًا نحو الخارج.. أي أن المقارنة تكون بين السكونية، التي قد تضم فورانًا، ودينامية الفعل المنبثق من صيرورة حياة الآخر أو العكس.. فالشعرية تتحقق نتيجة للوعي الإبداعي الذي يتمتع بحرية الحركة.. هذه الحركة لا تثبت عند الداخل فتصنع مونولوجًا، ولا تثبت عن الخارج فتصنع رصدًا خارجيًا باردًا، وإنما هذا التفاعل البندولي هو ما يرسم توترًا وحساسية يُبرزان الشعرية ويحققان (حياة) النص .
2. المسافة المُزاحة أو المنحرفة عن اللغة الاعتيادية :
إذا كانت اللغة المعتادة لغة محددة ومتخصصة، فإن لغة الشعر لغة خاصة ومُحمَّلة ومُركَّبة، والشاعر يتخيل ويتمثل وجود لغتين: لغة الخارج الاعتيادية، ولغة الداخل المجازية الخاصة المركبة.. ثم يصنع مسافة مُزاحة عن الداخل (أيُّ داخل: داخل النفس أو داخل النص) نحو الخارج (أيُّ خارج: خارج النفس أو خارج النص).. إنه يُقرِّب المسافة ويستخدم مفردات أو مواد خام معتادة لا تثير أي استغراب لكونها جزءً من إطار مجازي كبير قد يصل إلى حد الغرائبية بسلاسة لا تقف في حلق التلقي الخاص أو المصنوع من بنية معتادة.. إنه يكون مباشرًا في سرده وعاديًا، لكن مناط الشعرية تأتي من توتر الكناية الكبرى التي هي النص ككل.. إن النص يصنع (وعيًا شعريًا) أكثر مما يصنع مجازات تبلغ في تركيبيتها حد الغموض والتعالي الذي قد يفصلها عن جسد النص كونها براقة ومعقدة ومدهشة في حد ذاتها.. يقول النص ص 64 :
لذلك لم يكن مدهشًا لأحد
اكتشاف أن كل هذه الابتسامات
الخارجة مني
لم تغادر مستطيل نظرتها
المعتادة ...
وكذا في ص 12 :
وقت أن تجلس في يومٍ مشمس
وتخلع نظارتك وتكشطها
فإنك قد ترى الظل القصير
وستشاهد نفسك
وغالبًا ستبتسم ..
فالبنية كلها مما هو معتادٌ، لكن بنية النص الكلي تحمل توهجًا يزيح الاعتياد إلى التركيب والمجازية، لتنحرف الشعرية باللغة نحو الفرادة والخصوصية .
رابعًا: المواقف الإنسانية الصداقاتية :
وهي تلك المواقف الفنية الرقيقة غير المصطنعة والتي تكاد تخلو من الأبنية البلاغية المعقدة والتي تنجح في صنع تصور للإنسان الحقيقي الخام بعيدًا عن أي مواقف تأطيرية في مكان معين أو زمان معين أو وفق وعي مُوجَّه تكون جاهزة عادةً وتساهم في تجفيف منابع الشعرية، لأنها تُضيِّق مناطق الكشف وتصنع ما يشبه الجوانب المثالية من التجارب الشعورية، وهي جوانب أقرب لأن تكون نظرية وليست واقعية معيشة.. هذا التصور المثالي البلاستيكي للعلاقات ينجو منه النص، فيصنع علاقات تقوم على النِدِّيَّة حتى وإن تغلَّب طرفٌ ظاهريًا على آخر... إن النص يطرح علاقات طبيعية تبتعد عما هو مفترض وبعيد وعالٍ، لأن الحياة أوسع من أية محاولة لتأطيرها لهذا يلجأ النص لموقع (الصداقة) مع الكائنات، وليس التعالي والرؤيوية.. يقول :
اتفق الظِّلان
ظِلِّي وظِلُّها
أن يمارسا ذلك الرائع
المسمى soft sex
فاتفق الجسدان
جسدي وجسدها
على ممارسة الدور القديم
: أن ينظرا بحزنٍ
ويصمتا بشرف .. ص 58
أو يقول في ص 33 :
كان قاسيًا بشدة
أبي
عندما ملأتُ الطرقات باسمه
وكان
يردُّ
عليَّ ..
فاتكاء الشاعر على التفاصيل والمشهدية لا ينحو نحو الابتذال والمجانية، لكنه يطمح إلى التواصل الإنساني الذي لا يغفل المناطق الرمادية، بل ويقتنصها نحو خلق صداقات مع أي آخر، والذي هو إنسان أو كائن ما، يتصف بالإنسانية بالمعنى الأعمق .
إن مصادر إنتاج الشعرية في هذا الديوان – والتي قدمنا أربعة أمثلة لها فقط – تتكاتف وتتماسك فلا يقوم أحدها بمفرده، فأنت لا تستطيع أن تدخل إلى عالم (مؤمن سمير) الشعري في هذا الديوان – كما أزعم – دون أن تعي اتكاءه على حيلة الاحتمالات، ومكره الفني الواسع في اعتصارها.... دون تفهم ومراقبة هذه الفاعلية التقابلية التي تصنع حركية النص... وتلك المفارقة التي تنبع من النص ذاته أو تلك العين الراصدة التي تقبض على الروح السارية خلف العلاقات الإنسانية ...
إن أبطال النص لا يخدعهم الأمل، لكنهم يعيشون الحياة، كما يعيشون لقيمةٍ ما، تتجاوز سطوح تلك الحياة التي يملون آليتها وعبثيتها، فيحكون مقارباتهم لتجربة الموت سواء الفيزيقي أو المعنوي ...
إن كل إنسان ضحية لحقائقه التي يصنعها لنفسه ويصنعها له الآخرون، لكن العمل الأدبي فرصة حقيقية أيضًا لخلق منطق ما والاستمتاع بخلق احتمالات لهذا المنطق، بنفس قدر الاستمتاع بالخروج عليه ..

* نشرت في مجلة "ضاد"، العدد العاشر؛ اتحاد كتاب مصر، شتاء 2009م.


التعليقات