أخر المقالات

ســــــيرة الـنـــــهــار الـقـادم

"حـبـيـبي.. لا تـغـب عـنـه فـيـفـوتـكَ،
غِـب بـه عـنـك".
مـحـيي الدين بن العـربي




إلي نـهـاري المُـنـتـظـر
مـعـها بـدون غـيـاب.




بـدا الـنـهارُ الـقادمِ مـقـلـوبـًا كالـطـلـسـم، والـعـقـلُ عـاجـزٌ عـن الـفـهـمِ، والـطريـقُ مـوصـدٌ بـالـسـورِ، والـعــينُ كلما اقـتـربـتْ احـتـجـبـتْ عـنها الـسـمـاء
مـُـكـبـلاً بالـعـجـزِ.. سـائـرًا في الطريق.. لا يـفـهـم الـمـقـامات التي تـقـوده - كلها - للنـهـار الـقـادم.
مـُـنـقـادًا يريد المُـشـاهـدةَ، والـسـورُ شـاهـقٌ يوصـدُ الطـريـقَ، وحـضـوره ما بين اتـصـالٍ وانـقـطـاع. ريـاضــتـه البـكاء من الـعـيـونِ الضـامرة. تـحـيـط به ولا يـحـيـط بـها، وأبـده الافــتـقـاد.



مقام الانـقـيـاد

"فـتـكـلَّم عـلي ضـمائر الخـلق ولا تـُـبالي
حـتى يـُسـلـِّم لك جـمـيع من تـكلمتَ عـلي ضـمـيره
ولا تجـد مُــنـازعـًا
واثـبـت عـنـد الاخـــتـبار".
ابن العـربي

رفـيـقـه نائمٌ بالطابق الأعـلى، فـجـلس يـتـفـحـص المدى. يـنـتـظر الغـزاة القادمين. جاءه الهدهـد.. نابشًا في الأرضِ بمنقاره الطـويل.. صانعًا بعـض الحركات التي يفهـمها. حـركات الهدهـد ذي، تـُخـبره: أن عـليه ترك المكان والفـرار. لا يـستـطـيع أن يترك رفـيـقـه، ولا يسـتـطـيع أن يوقـظه. الهدهـد دار حول نـفـسه عدة دورات.. قاصدًا إخباره بالحـيرة. أشار له أن ينصرف، فأرتفع الهدهـد في الهواء، ورماه بحـصاةٍ، وابتعـد.
أخـذ يـتـفـحـص الأسلحة التي سـيـواجهـون بها الغزاة، ويراجع شاشات الرصـد، فجاءه اتـصال القـيادة:
- الغـزاة اخـترقـوا من نقـطة حـراسـتـك.
- لا شئ.. كل شئ هـــادئ.
خـطـف إحـدى الأسلحة، وجري للخارج، ربما ضللته شاشات الرصد. لم يجـد شيئًا.. كل شئ هادئٌ فعلاً. اعـتلاه بعض الغـضب من القـيادة المرتجـفة، ورفـيـقـه النائم دائمًا.
استدار عائدًا، فإذا به أمام كائنٍ خـرافي عـلي هـيـئة طائر. رأسه: رأس وحـيد القرن الهـندي، وجـذعـه: جذع ديناصور، وله قـدمي فـيل، يعـتـليهـما ذيـل طـاووس من المؤخرة.
ارتـبـك، وصـوت أجهـزة الاتـصال تـصـرخ في خـلفـية المنظر:
- الغـزاة أمامك.. دمرهم.. دمرهم.
برودة انـفـعـال الكائن الخـرافي حـيرتـه.. وخـاصـةً عـيـنـيـه.. لا هـما واثـقـتـين.. ولا هـما وديعــتـين.. ولا هـما مذعـورتين من وجـوده.
- دمرهم.. دمرهم.
بآليةٍ تلقائيةٍ وجه سلاحه للكائن الخرافي، وكبر، وأطلق العـنان لسلاحه. لم يتأثر الكائن، ولم يهاجـمه، وإنما فـر من أمامه إلي داخـل المبنى حـيث رفـيـقه النائم. أنـدفع خـلف الكائن الذي أغـلق الباب عـليه. عـبثًا حاول دفع الباب لفـتحه.
ماذا يـفـعـل الآن؟
- دمرهم.. دمرهم.
لا يـسـتـطـيع تدمير المبنى، فـرفـيـقـه به، ولا يـسـتـطـيع تركه والفـرار، فـقـد يلتهـمه الكائن الخـرافي.
انـتـبه لجـلبةٍ من خـلفه، فإذا بما لا يُحـصى من الكائـنـات الخـرافـية.
- استسلم؛ فـقـيادتـنا استسلمتْ لهم.


مقام المُـراد
"تأمل،
إن عـشـقـتَ ألـسـتَ تـبـغي أن تـكـون
شـبـيه محـبـوبـك".
صـلاح عـبد الصـبـور

تقـربَ إليه لأنه كثير الحـنان.
لحـضـوره هـيـبة.. لصـمته مُـتأملاً جلال.. إذا جاءه أحـدٌ عَـرِفَ - قـبل أن ينطـق - فـيـما جاءه.. فعَّالٌ للخـير أيـنـما ذهـب.
وفي تـقـربه سعى، وتـبـصَّـر، وتحـيَّـر من الأفعال.
فأراد ما أراد.. تـبـصّـَر في الصـفـات وما حـوى.. تحـيّـَر مـما رأى وما لم يرى.
وأين هـو مما أراد؟؟



مـقـام الشـهـود
"فـلـيـحـذر المحـقـق من المـقـام،
ولا معـيـار له ألا الانـتـظار".
ابن العـربي

رأي فـيـما يري النائم:
أنه دخـل بـيـته في نهار رمـضان ، وكان صائمًا، [زمن الرؤية بعـد صلاة فـجـر ليلة القـدر]، فـوجـد الحـبـيب المصطـفي (صلي الله عليه وسلم) راقـدًا في فراشه مُـتـدثرًا بغـطائه. رحـب بالحـبـيب وذهـنـه مُـنـشغـلٌ بكـيـفـية الدخـول، وهـو الـوحـيد بعـد رحـيل الأحـباب. فـأراحـه المـصـطـفي (صلي الله عليه وسلم) دون سـؤال:
- لقـد استـقـبـلتـني زوجـتـكَ استـقـبال الملوك.
فأزداد تحـيُّـرًا.. أنَّي له بها.. فأفـلـتـتْ من شفـتـيه لفـظـة: "زوجـتي"؟!!.. وغـمر الحـبـور والرضا وجه الحـبـيب، وهـو يقـول فـرحًا:
- نعـم .. إنها أميرةٌ أندلسية حـقًا.
لتوَّالي المفـاجـئات، اقـتـعـد طرف الفراش، بجوار قـدمي الحـبـيب المصطـفي (صلي الله عليه وسلم)، فإذا بأنثي - أقـل ما يُـقـال فـيـها: أنها البهاء - تـدخـل عـليهـما حـاملةً صـنـيـةً من الكنافة تـُـقـدمها للكريم المصـطـفي (صلي الله عليه وسلم). لم يـتـمالك نـفـسه لتعـاقـب الأحـداث: زوجـةٌ هي البهاء.. يصـفـها له الحـبـيب بأنها أميرة أندلسية.. وكنافةٌ في نـهـار رمـضـان. فـقـال للـرسـول (صلي الله عليه وسلم):
- يا رسـول الله.. إننا في وقـت الصـيام.
فـيـقـول له الحـبـيب، قـبل أن يـقـضـم قـطعةٍ من الكنافة بفـمه البـسَّـام:
- لقـد انـتهي الصـيام.. هـيا أطعـميه.
وبعـد أن انـتهـتْ الزوجة من إطـعـام الحـبـيب الـمـصـطـفى (صلي الله عليه وسلم)، أخـذتْ تـُـطـعــمه، والـرســول (صلي الله عليه وسلم) راقـدٌ يـنـظر لهـما مُـنـشـرحًا.
ألـذ كنافةٍ ذاقـها.
طـرقٌ بالباب.. الزوجة/الأميرة الأندلسية تذهب لتـفـتـح.. تـدخـل مُعـلنـةً عـن وصـول نبي الله (صالح) (عليه السلام).
الرسـول (صلي الله عليه وسلم) يُرحـب بضـيـفـه ويُـعـانـقـه، والزوجـة تـُـقـدم واجـب الضـيافة لضـيـف الكريم. فـيـسـأل نبي الله (صالح) الحـبـيب المصطـفي (صلي الله عليه وسلم)، عـمن يكون هـذا الجالس في فراش الرسـول والآكل من طعـامه، فـيـجـيـبه الحـبـيب:
- هـذا (...……....) ولدٌ لـنا، وهذه الأميرة الأنـدلسية زوجـته، وما أنا إلا ضـيـفـهـما.
ثم يـُطـنـب الحـبـيب المصـطـفي (صلي الله عليه وسلم) في عـرض صـفـات الرجـل وزوجـه، حـتى يغـمرهـما الخـجـل ممزوجًا بالحـبـور.
والزوجـة لا تزال تـُـطعـمه الكنافة.
ألـذ كنافةٍ ذاقـــــها.


مـقـام الحــضــــور
"ما أظـن أن يـفـهم كلامنا
سـوى من بـلغ القـوس الثاني.
والقـوس الثاني دون اللـوح" .
الحـلاج

الفـراق ذنـبٌ لا يُـكـفـره سـوى الحـضـور بـين يـدي المـحـبـوب. فـما عـساه يـصـنع من أنكتـبـتْ عـلي جـبـيـنه الـذنـوب.
لو سالتْ الأنهار من عـيونه، ما غـُـفـِـر له.. لو تـبـتـل قـلبه، ما تـُـقـبـل منه. لو طـاف بالبـيـت ونـيران الشـوقِ تـسـتـعـر، ما نـُـظِـر إليه بالرضـا.
ليـس سـوى الحـضـور.
وكيـف الحـضـور والطريق موصـودٌ بالسـور، والسـورُ شاهـقٌ؟ وليس من اتـصل، ثم انـفـصـل، كمن لم يـتـصـل.
العـينُ ترى، والقـلبُ يُـشاهـد، ومن انـفـصـل بالعـينِ، وهـو بالقـلبِ موصـول، فلا ضـيـر. ومن انـفـصـل بالعـينِ والقـلبِ، فـذاك محـروم.
ليس في رؤيةِ العـين له غـرضٌ، سـوى تأمل صـفـاءَ البهاء. أما لمشاهـدة القـلب، فـقـد كان سعـيه في الحـضـور. وماذا يصنع الطين أمام تجـلي الـنور؟!


مــقـام الـريـاضــة
"دع الظـبي الجـريح يـذهـب
ليـبـكي".
هـاملت
المـشـهـد الثاني ــ الفـصـل الثالـث
شـكـسـبـيـر

أمِـنْ تذكر أنه من أُمةٍ مغـزوة بأعـدائها يـبكي؟
أم مِـنْ اشـتـياقـه لكثير الحـنان؟
أم مِـنْ انـتـظاره للأميرة الأندلسية التي قال له الحـبـيب المصـطـفي (صلي الله عليه وسلم) أنها زوجة له؟
أم مِـنْ فـراقه؟
أم أنه أدمن البكاء؟!
قـلن له:
- أنـتَ الحـزين المحـزون.
- ما كل هـذه الأحـزان؟!
- سـتـبـيـض العـيـنـين وما اشـتعـل في الرأس البـياض!!
من قال تـفـيض، فـما وعي.
من قال تـنهـمر، فـما فـهم.
عـيونٌ هي البـكاء، وبكاءٌ هـو العـيون.
إذا استـيـقـظ بكى حـتى النـشيج، لانـفـصاله عـن المـشاهـدة بالقـلب. إذا اغـتسل وصلى بكي بدعائه. إذا أرتدي ملابس الخـروج أدمعـت العـيـنـيـين. إذا... إذا... إذا.... إذا..... إذا....... إذا.......... إذا.
قـال العـارف:
- الحـزن أليـق بـك في هـذا الـمـقـام.
فـقـال:
- كلكم إذن عـارفـين!!
قـالـتْ:
- متي سـتـأتيّ؟
فـجـاءها راجـيًا.. خـائـفًـا من رجـائه.. مـضـطـربًا بالـروح.. باكـيًا من جـوارحـه.
بـنـتٌ تـفـيـضُ بأنـوثـتـها التي تـُـخـجـلها. تـحـكي، فـيـتـبـتـل الـفـؤادُ ويـضـطـرب. تـحـكي، فـتـسـتـعـر نيران الشوق. تـحـكي، فـيـبـكي، ويـفـر مـنها باكـيًا. مُـسـتـكملاً المقـام وحـيـًدا.



مـقـام الحـيـاطــة
"فـيـتـكور من كان شـمـسـًا،
ويـُـخـسـف مـن كان بــدرًا،
ويـُطـمـس مـن كان نـجـمـًا،
ولا يبقى نـور إلا نـور الحـق".
ابن العـربي

رأى الكون نـصًا هـو عـبارةً منه، فـتـوحـد مع عـبارته. أحاطـتْ به حـين قـالـتْ:
- أنتَ...
فـأحـيـط بـه.
والعـبارة/هـو.. تـتـقـلـص.. تـصـيـر جـملةً.. كلمةً.. حـرفـًا.. لا شئ.
فـيـنـزوي في طرف الحـديـقـة. يـأتـيـه الهـدهـد.. تـتـبـعـه هـدهـدة. يـتـنـاوشان.. يـتـغـزلان.. يـتـعـانـقـان. ثم يـذهـبان بعـيـدًا عـن عـيـنـيـه.
يـسـتـشـعـر الهـزيمة، فـيـتـسـاءل:
- ماذا يـصـنع الـمهـزوم؟
لا شئ.. الانـتـحـار أو الاسـتـسلام.
يـنـتـبـذُ الحـديـقـةَ إلي غـرفةٍ مظـلـمةٍ جـرداءَ إلا من الصـمـت. يحـيـط بعـبارته، فـلا يـفـهـم:
* نـيـسـح سـمـنـؤس كـتـنـر مـرطـيـج دنـبـسـرة خـبـيـب مـيـحـرـئـم يـس .. يـسـني بـسـني بننتخ يئجط نخة ثحيميس مخيتيش جطثث ، خقتب يهبه خبعيبى ، يرؤة سؤر هحئ رمئة ، وجثقح ضنتبيى ورى ، عبثطس نتؤ ببسيك يكميتا خنمر حنم. *
فـيـأتـيه الجلادون بكرابـيـجـهم.. ثلاث عـشـر ليلة يـجـلـدونه، ولا يـنـطـق بآه.. عـشـر ليالي يُعـملـون المـشارط في جـسـده، ولا يـئـن.. سـبـع ليالي يُغـرقـونه في الـماء، ويـبـتـسـم.. يُـقـبـرونـه خـمـسة أيـام، ولا يهـذي.. ثلاثة أيـام يُعـلـقـونه في الشـمـس، فـتـظـلل الطـير عـليه.. ليلتان يـصـبـون الحـمـم عـلي رأسه، فلا يـنـتـفـض.. وفي الليلةِ الأخـيرة؛ قـلـَّـبـوا له الـزمـن، فأصـبـح أمـسـه غـده، وغـده أمـسـه، وباتَ بلا يــوم. فـجـاءه الـقـطـب مـتـوعـدًا:
- لن ترى النهار الـقـادم إلا معـها.
وقـالـتْ:
- لن تـُحـيـط بي إلا به.
فـقـال:
- نبش هـفـص آئخـقـك مشؤده طـيلا جـصـب دثل يره، لا!!



مــقــام الافـتـقـاد
"مــلـَّـكـوه حـتى إذا هـام فـيـهـم
ملكـوه وبعـد ذا أهـلكـوه".
ابن العـربي

هـائمٌ عـلي وجهه.. تـسـيـل الـدمـوع من عـيـونه.. وحـيـدًا بالـواحـد.. يـتـغـنى بالأبــدِ، في الأبــدِ، للأبــدِ. ساهـدًا بـنـظـره الشاخـص في الأبــدِ، للأبــدِ. يرتـل للأبــدِ.. سـيرة الـنـهـار الـقـادم:
- " النهار الـقـادم يخـرج مـنا..
النهار الـقـادم يـسـعى إلـيـنـا..
لا نـسـعى إلـيـه..
النهارات كلها تـبـدأ منه.
النهار القـادم معـها".
جـاءه قـطب الأقـطاب حـين خـروجه للمُريـدين، آمـره:
- دعهم يـفـتـقـدونـك.. كما تـفـقـد النهار القادم. وإذا أمَّـك الحـبـيـب في صلاة قـلبـك، فأعـلم أنه غـدًا.

بـبــــا
10 ــ أيـــار ــ 2003 .

التعليقات