الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

حرفيه كتابة الحوار الدرامي

الكاتب : كريم بهاء

نعتمد حياتيا على الحوار في توصيل الكثير من المعلومات للاخرين .. بل ان التعرف و اكتشاف الاخر يبدأ من عبارة فلسفية كلاسيكية (تكلم حتي اعرفك ) .. و الفنون الدرامية - و منها السينما بالطبع - تعتمد على الحوار كوسيلة لنقل المعلومات الدرامية و الكشف عن جوانب خفية في الشخصيات و كذلك في خلق متعة لغوية لدي المشاهد .
من هذا المنطلق نفهم ان الحوار الدرامي ليست وظيفته فقط نقل المعلومة فيمكننا الاستغناء عنه تماما و تجاهله كما يحاول و يفعل الكثير من دارسي الفن السينمائي انما هو اداة في يد الكاتب يوظفها و يخلق بها جمل حواريه تظل عالقة بذهن المشاهد بل ومفارقات لفظية احيانا تكون هي الابقي من العمل الدرامي ككل ..
فكيف يمكن للكاتب تطوير مهارة كتابة الحوار لديه ؟ و كيف يمكن ان يتعرف على تقنيات تساعده على كتابة حوار جيد و متماسك لا تطويل فيه و لا يصيب المستمع له بالتململ خاصة و اننا نعيش في العمل الدرامي فيما يعرف بالزمن المقيد لمحدودية مدة العرض الدرامي مهما طالت سواء كان فيلم ساعة و نصف او ساعتين .. او حتي مسلسل يصل الي ثمانية عشر او عشرين ساعة .. يظل الزمن محدد المدة على عكس الحياة اليومية .
في البداية كتابة الحوار مهارة لوحظ علميا و بسبب طبيعة التفكير انها قوية عند الإناث منها عند الذكور بسبب استخدام نصف معين من المخ بصورة اكبر من النصف الاخر لدي الذكور ، الا ان هذه الملاحظة لم تتحول الي قاعدة بمعني ان كل الكاتبات الاناث افضل في كتابة الحوار من الذكور ، و لكن الامر مهارة متوفرة بالفعل لدي الاناث فيمكن لهن تطويرها ، و مهارة يمكن ان يكتسبها الذكور .
وهذه الورقة البحثية ما هي الا مقدمة للوقوف على حرفيه كتابة الحوار الدرامي ونبدأها بملاحظة التالي .. ان الحوار الدرامي الجيد يتوافر فيه مجموعة من الاساليب هي :

1- البدء من اسخن نقطة في الحوار :
اذا ركزنا في حوارنا اليومي و افترضنا ان هناك صديقان التقيا .. سنجد ان هناك وقت يستغرقه لقائهما في السلامات و السؤال عن الاحوال .. لا بمنطق السؤال الفعلي عن الاحوال و لكن كمقدمة لما هو ات فمثلا ..
- ازيك يا ابني عامل ايه ..
- انا الحمد لله .. انت طمني .. اخبارك ايه ..
- تمام الحمد لله ..
- كله حلو ..
- كله تمام .. باقولك ايه .. كنت عايز اسئلك على حاجه ..
بالنطق بالجملة الاخيرة انتقلنا بشكل تدريجي بعد 5 جمل افتتاحيه الي الجملة التي ستقودنا الي الموضوع الرئيسي السبب في اللقاء ..
الحوار الدرامي الجيد يبدأ من هذه النقطة و يتغافل عن الخمس جمل الافتتاحية في السلامات لأن المتلقي يتابع معلومات درامية و لا يتابع حوار حياتي عادي يمارسه هو بالفعل .. لذلك نلاحظ كثيرا الصيغة التالية في بعض الحوارات الدرامية الجيدة .. حين يضطر الكاتب لدفع احدي الشخصيات للدخول الي مكان جديد و بالتالي و - و من الطبيعي - ان تبدأ الشخصية بالقاء التحية ..
- صباح الخير يا ابني .. مالك ؟
- مفيش حاجه يا بابا .. مجاليش نوم بس ..
جملة التحية هنا لا تنتظر رد التحية بل ان استكمالها بصيغة تسأليه تكون هي مدخل للنقطة الاسخن في الحوار .. و بشكل اخر ..
- صباح الخير ..
- كنت فين من بدري .. دا انا كنت بادور عليك ..
جملة الرد هنا تدفع بنا الي نفس النقطة و هي النقطة الاسخن في الحوار و نكون قد اختزلنا تقليدية المقدمات في اي حوار بين اثنان ..
لذلك يلجأ الكثير من الكتاب لتجاوز هذه المنطقة تماما فمثلا لو افترضنا ان اثنان محبين في حالة جدل حول الزواج من عدمه و قررا ان يلتقيا في مكان .. لا داعي لتقديم مراحل المقدمات الحوارية من دخولهما المكان ثم البحث عن ركن للجلوس فيه ثم حوارات مع الويتر قبل ان يحضر المشروبات و يبدأن في تناولها و هما يتحدثان .. بل ان الافضل ان تبدأ من نقطة الجلوس و امامهما مشروبان شبه فارغان و الحوار بينهما محتدم بحيث يفهم من السياق ما كانا يتحدثان فيه منذ فترة .. كأن يدور الحوار كالتالي
- كده مش هايبقي قدامي غير حل واحد ..
- اللي هو ؟ ..
- مش عايز اقوله ..
- فهمت قصدك .. انت شايف ان الحل الوحيد اننا نسيب بعض .. مش كده ؟
- برضه مش عايز ارد علي السؤال ده ..
- عشان طول عمرك جبان و بترفض تواجه .. عن اذنك ..
من سياق الحوار اصبحت المعلومة الدرامية واضحة بأن الشاب طريقه معقد و لا يجد امامه الا حل الانفصال و الفتاة ترفض هذا الحل و تتهم حبيبها بالتخلي عنها .. في ست جمل حواريه تبينا موقف درامي و اختزلنا المقدمات و بالمثل اختزلنا النهايات التقليدية و اكتفينا بجملة عن اذنك لتشير الي قرار الفتاة بالقيام و ترك الشاب وحده .


2- الحوار يعتمد على صيغة الاسئلة :
من الملاحظ ان الاسئلة في الحياة اليومية تثير الاهتمام و تخلق بطبيعة الحال عند استخدامها في الحوار الدرامي فضول عند المتلقي .. و تصبح مهارة الكاتب في خلق تسلسل من الاسئلة التي تضم في ثناياها اجابات .. تكون هذه الاجابة ذاتها مدخل لسؤال اخر او توضيح للتسأول .. و الامر مثل القاعدة الفلسفية الشهيرة بأن كل مقدمة تكون لها نتيجة و النتيجة هذه تكون مقدمة اخري تؤدي الي نتيجة اخري و هكذا .. مثال على هذا
- ازيك يا ابني .. مالك ؟ ..
- مالي ايه ؟ .. هو انا شكلي باين اوي ؟ ..
- شكلك باين ! .. بص في المرايا و قولي انت ؟ ..
- معلش الواضح اني زعلان اوي و مش قادر اعدي اللي حصل .. ( هنا تساؤل داخل عقل المتلقي عما حصل ، و يبدأ المخ في الربط بين مشاهد سابقة و هذا المشهد ليفسر الامر )
- هو انت اول واحد حبيبته تسيبه ! ..
وهكذا تصل المعلومات الدرامية عن الحالة النفسية للشخصيات من خلال تبادل توجيه الاسئلة التي قد تكون احيانا غير استفهاميه بل استنكاريه كما في الجملة الاخيرة .


3- التقريرية في الحوار :
من اسوء نماذج الحوار هو حديث الشخصية عن ذاتها و قيامها بشرح حالتها النفسية و المزاجية او شرح مواقفها او حكي تجارب مرت بها في حياتها .. و ذلك لانها تحوي لهجة تقريرية تشبه نشرات الاخبار .. و لا يكون من المضمون ان المتلقي للحوار الدرامي سيكون قادرا علي المتابعة دون ان يصاب بملل او تشتيت .. و يتحول الحوار الي محاضرة و هو الامر غير المرغوب فيه ..
على الرغم من هذا قد يضطر الكاتب الي اللجوء الي حوار تقريري في حديث الشخصيات لتشرح اخبارها او تجاربها الحياتية او تتحدث عن ماضيها .. و هنا يلجأ الكاتب الجيد لخلق حوار ممتع .. الي تقطيع الجمل التقريرية بحيث يظهر حوار شخصية درامية مقابلة توجه اسئلة او تصدر تعليقات بينما تتابع الشخصية الاولي جملها التقريرية .
من الامثلة التي نجد فيها واضحا مهارة الكاتب في التعامل مع الحوار التقريري ما نجده في قصة قصيرة لنجيب محفوظ و هي قصة جنة الاطفال فنجد الحوار التالي يدور بين طفلة و ابوها .
- بابا
- نعم
- انا و صاحبتي نادية دائما مع بعض ..
- طبعا يا حبيبتي فهي صاحبتك ..
- في الفصل في الفسحة و ساعة الاكل ..
- شئ لطيف و هي جميله و مؤدبة ..
- لكن في درس الدين ادخل انا في حجرة و تدخل هي في حجرة اخري ؟
- هذا في درس الدين فقط ..
- لم يا بابا ؟
- لأنك لك دين و هي لها دين اخر .
الملاحظ هنا انه اذا حذفنا كل جمل الاب ما عدا الجملة الاخيرة التي تأتي كرد على ما تحكيه الابنة من تجربة شخصية سيظل الحوار ممكنا و لكنه ليس جيدا .. فالحوار سيكون تقريريا .. عبارة عن شخص يشرح حالته .. و ادعو القارئ الي العوده و قراءة الجمل بدون جمل الاب ليدرك الفارق .
فالمعلومات الدرامية ستصل من اللهجة التقريرية و لكنها ستفقد جزء من المتعة الجمالية التي يخلقها تبادل الجمل الحوارية بين الابنة و ابيها .. و فكرة المتعة الجمالية في الحوار هي من الاهداف التي يسعي الكاتب لتحقيقها لأن اللغة لها ايقاع خاص بها و بالتالي فكل لغة تنحت كلمات خاصة بالجماعة التي تتحدث لغة معينة و على الكاتب رصد هذا الامر في اللغة التي يكتب بها لتحقيق متعة جمالية و هو ما سوف نعرضه في النقطة التالية .


4- جماليات اللغة و توظيفها في الحوار الدرامي :
الملاحظ في اللغة انها بنت المكان و ايضا للزمان .. فهناك كلمات كان تستخدم قديما و لم يعد لها وجود حديثا و العكس صحيح .. مثل كلمة "ممنون" .. التي تعد تعبيرا عن الشكر .. فتخيل ان شخصا من عصرنا الحالي استخدم هذه الكلمة ستعبر عن السخرية لا عن الشكر ..
الامر نفسه فمع ثبوت الزمن تختلف اللغة وفقا للمكان فتصبح اللغة بنت للهجات المختلفة و لعل انتشار المسلسلات الصعيدية في وقت من الاوقات يرجع الي اللهجة الصعيدية و منطوقها .. و يكفي ان بعض العبارات الواردة في مسلسل مثل ذئاب الجبل نجدها تحولت الي لزمة مثل " يا مرك يا مهجه " .. او " يا واجعه مربربة " في مسلسل الكبير اوي ..
ومع مراعاة الكاتب للغة في سياق الزمان و المكان يحقق جزء هام من جماليات اللغة ولكن اللغات كلها تحوي محسنات بديعية و عبارات مجازية ايضا حين يتم استخدامها و دراستها جيدا تخلق متعة جمالية في اللغة .
لذا ننصح دارسي الدراما بالاطلاع على القرآن و الشعر لما في كليهما من صور بصرية باستخدام اللغة ، و ما تحويه من بلاغة و محسنات بديعية تساعد الكاتب على تشكيل معجمه اللغوي .
و اذا كانت اللغة بنت للمكان و الزمان فبطبيعة الحال تكون اللغة ابنة للبيئة فلا يجوز ان يتكلم ابن المدينة كابن القرية .. او حتي الاحياء السكنية بالمدينة الواحدة نجد اختلاف في التعبير عن نفس الامور .. ومهارات الكاتب في تغيير طريقة كتابته للحوار وفقا للزمان و المكان و البيئة تمنح كتاباته مستوي من الجودة تجعل الحوار ممتعا عند سماعه .


5- المفارقات اللفظية :
من اشهر الاساليب في الحوار الجيد .. و قد يتوقع البعض ان المفارقة اللفظية هي ما تنشأ فقط في الكوميدي بمعني وجود تناقض بين جمل الحوار و الموقف الدرامي الحادث الا ان المفارقة لا تشترط ان تؤدي الي الضحك و لكنها يمكن ان توجد في الحوار الدرامي باختلاف صوره و مواقفه ..
وسنجد في حوار بين سعيد مهران و الشيخ في رواية نجيب محفوظ اللص و الكلاب هذه المفارقة اللفظية ففي حين يتحدث الشيخ من منطقه يتحدث سعيد من منطق اخر و يخلق التضاد في الموقفين جدل حواري هو ما نسميه بالمفارقة .
- خذ مصحفا و اقرأ
- غادرت السجن اليوم و لم أتوضأ ..
- توضأ و اقرأ .
- انكرتني ابنتي ، و جفلت مني كأني شيطان ، و من قبلها خانتني امها
- توضأ و اقرأ
- خانتني مع حقير من اتباعي ، تلميذ كان يقف بين يدي كالكلب ..
هل لاحظنا المفارقة بين منطق الحوار لكل شخصية ، فبينما يري الشيخ ان الحل في هداية النفس يري سعيد ان الحل في الانتقام و يقود حواره الي هذه النقطة دون ان ينصت الي حل الشيخ و الذي يبدو هو الاخر متسقا مع منطقه لا يركز مع حل سعيد و كلامه .
المفارقة ايضا قد تأتي من تداخل في فهم المعني فمثلا نجد حوار في فيلم الناظر ..
- هو حضرتك قاعد بره الفصل ليه ..
- باتشمس .. ( مع العلم انه جالس داخل مبني و لا مكان للشمس داخله )
هذه المفارقة اللفظية ايضا تخلق الكوميديا لما فيها من تناقض لفظي بين ما تقوله الشخصية و ما تفعله .. و اذا تذكرنا بقية حوار المشهد حين يفتح الناظر باب الفصل فيجد حالة الهرج الجنوني للطلبة داخل الفصل فيقول ..
- تصدق بتمطر جوا ..
هذه المفارقات اللفظية قادرة على خلق حوار ممتع و الحوار الدرامي في اصله بالدراما يستخدم لخلق المتعة الجمالية التي يتذوقها المتلقي .


وتبقي في هذه الورقة البحثية ملاحظة فبعد ان حددنا خمس نقاط رئيسية لكتابة حوار درامي جيد تجدر الاشارة ان هذا مدخل لعالم الحوار الدرامي فالامر يحتاج الي ممارسة و الي تجربة اكثر من جملة و لذا فهناك مجموعة نصائح يجب ان توجه الي كاتب الحوار الدرامي و منها :
1- اقرأ الحوار الدرامي بصوت عالي :
المخ خادع في كثير من الاحيان .. اذا قست الجملة في ذهنك قد تبدو جملة جيدة و لكن نطق الجملة يضيف بعض صوتي لها .. مما يجعلك تتذوق الجملة خاصة و ان الحوار الدرامي - و ان كان مكتوبا - الا انه سيتم تقديمه ليسمعه المتلقي لا ان يقرأه .. لذا وجب على الكاتب قراءة الحوار بصوت عالي ليكون هو القارئ الضمني لحواره .. فيدرك مناطق الضعف و صعوبة او سهولة نطق بعض العبارات و التركيبات اللغوية .
2- نمي قاموسك اللغوي :
تنمية القاموس اللغوي للكاتب امر هام جدا و يتم هذا بالقرآن - خاصة عند من يكتب باللغة العربية - و الشعر و قراءة الروايات .. اذ تمنح القراءة للكاتب العديد من المفردات و المرادفات التي يستعملها للتعبير عن نفس المعني .. و يكفي ان نذكر ان بعض الكتاب من ضعاف المفردات يكررون نفس العبارات و نفس الجمل و احيانا نفس الكلمات تتكرر على لسان شخصيات مختلفة و متباينة .. و هو امر يجعل من يسمع الحوار يدرك وجود الكاتب و يدمر الشخصيات الدرامية امامه .
3- القياس الزمني للحوار :
نظرا لان الحوار منطوق اي يمكن ان يتم قياسه زمنيا .. يتمكن الكاتب هنا من رصد المدة الزمنية المتوقعة لكل مشهد ليدرك ايقاعه هل هو طويل زمنيا ام قصير .. و هذا ما لا يستطيع الكاتب ادراكه بالوصف البصري .
ففي السيناريو لا يمكننا التنبأ بكيف سيختار المخرج زوايا الكاميرا و كيف سيستعرض المكان الذي ستدور فيه الاحداث بصريا .. و لكن الحوار و نتيجة انه يمكن قياسه زمنيا يصبح بالامكان قراءة الحوار بمصاحبة ستوب وتش فيمكن ادراك المدة الزمنية للمشهد و بالتالي للعمل الدرامي ككل .
و قد جرا العرف ان مدة العمل الدرامية يشغل ثلثيها الحوار تكون زمنيا مضبوطة فاذا كانت مدة الفيلم المتوقعة ساعة و نصف ، فعليه ان يغطي الحوار ساعة على الاكثر و بنسبة الثلثين الي الثلث بين الحوار و الصورة تتحقق معادلة زمنية مقبولة .

ختاما لا يزال مجال الحوار الدرامي في الدراما العربية بحاجه الي دراسات مستفيضة و ما كانت هذه الورقة البحثية الا مدخل لفهم حرفيه كتابة الحوار الدرامي ، فالامر في النهاية لا يتعلق بمهارة فقط و لكن به قدر من الحرفيه التي يمكن ادراكها و تنميتها .

التعليقات