أخر المقالات

الرحلة

الكاتب : أحمد السيد

بمرور الزمن قد يبين للمرء خطأ ما كان يملك من قناعات، ليس بالضرورة أن يكون خطئا كليا، فقد يكون خطئا جزئيا يختلف حجمه من حالة إلي أخري.
وحين يدرك المرء ما وقع فيه من خطأ، ساعتها تبدأ رحلة التصحيح وتعديل المسار وإعادة توجيه بوصلته تجاه ما يجد من أفكار يري أنها أصح، ويري أنه بذاك الرأي علي صواب، وبعد مرور فترة من الزمن والتجارب والنضج والمعرفة والعمق في الفهم قد يبين له مرة أخري خطأ ما اعتقد سالفا بأنه صواب، وتبدأ رحلة التصحيح من جديد وهكذا...
إنها رحلة دائمة مستمرة لا تنتهي ولن تنتهي.
رحلة من الحراك العقلي المستمر، رحلة البحث عن الصواب.
وإن كان هذا يحدث مع الانسان ونفسه التي بين جنبيه – باكتشافه أن الصواب قد يكون في الاتجاه المغاير أو المعاكس لما كان يراه من قبل – فكيف بنا ونحن نتعامل مع غيرنا من الناس حيث الطبائع المختلفة وبالتالي الآراء المتعددة ووجهات النظر المتنوعة.
كيف بنا ونحن نحجر علي آراء الناس وندعي زورا بأننا وحدنا من يملك الحقيقة، أي شيء يجول بنفس ذلك المتعصب لرأيه والذي فيه لمحة من قول فرعون (لا أريكم إلا ما أري)، وأي ثقافة هذه التي شكلت وجدان وعقل الناس والتي أفرزت عقولا جامدة أحادية النظرة!
إن مجموعة الأفكار التي يؤمن بها الانسان – والتي غالبا ما تنبع من ثقافة بيئته إلي جانب ما يبحث هو عنه في ثقافة أخري – هي التي تشكل القناعات الخاصة لديه ومن ثم ينتج عنها ما نراه من سلوك وأفعال ترسم وجهته ومساره في الحياة، ولأن الانسان يتخذ من هذه الأفكار مبدئا يسير عليه ويعيش له فهي مقدمات تؤدي إلي نتائج وكما قيل (كما يفكر المرء يكون).
وهذه الأفكار – فلسفة الانسان في الحياة – كلما كانت أقرب إلي الصواب كلما كانت آثاره أو خطاه أقرب إلي النجاح، وكما قيل (نجح النهايات إنما يكون بتصحيح البدايات).
لذلك فلابد دوما من الرحلة، رحلة المراجعة للوقوف علي صحيح الأفكار من سقيمها، والسقيم من الأفكار إذا امتد إلي الثوابت فتلك الطامة الكبري، وينبغي أولا أن نفرق بين الثابت الذي ليس معه اجتهاد وبين ما يصلح للاجتهاد وبين الأمور الحياتية التي يجب أن تخضع للبحث والتمحيص.
أما الثابت فهي الأمور العقدية والقابل للاجتهاد هي الأمور الفقهية (يقول الدكتور سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر : الأمور الاعتقادية هي أحكام جازمة، لا يمكن الاختلاف فيها، وطالما أنها جازمة فالخروج فيها خروج عن الملة " فلا ينفع أن أشك أن لله ولد أو أن عيسي ابن الله فهذه كفريات" وبالتأكيد هذه خرجت عن الملة، فهذه تدخل في العقائد.
أما أمور الفقه التي تتعلق بالجوارح وسلوك الانسان فهي مسائل فقهية نحن نجتهد للبحث عن الصواب فيها أو عن الحق فيها – والحق مجهول لا نعرفه إلا يوم لقاء الله – نحن في الدنيا نجتهد ورأي يري التحريم ورأي يري الجواز فليسع بعضنا بعض ...).
أما الأمور الحياتية – غير الدينية سواء (العقدية أو الفقهية) فلابد أن تخضع للبحث والتمحيص فقد قال عنها رسول الله (ص) : أنتم أعلم بشئون دنياكم.

نخلص من ذلك إلي ضرورة تحرير العقول من القوالب الثابتة الجامدة، فليس كل ما نقتنع به من أفكارهوالحقيقة المطلقة، ولا يوجد شخص أو مجموعة من الناس تملك الحقيقة وحدها، فالحقيقة ليست حكرا علي أحد دون أحد.
لذلك فلابد دوما من الرحلة، رحلة البحث والمراجعة والتي تقودنا إلي المرونة العقلية وإلي عدم التعصب لرأي بعينه أو اتجاه معين وبالتالي إلي احترام وقبول الآراء المتعددة وإن كانت تخالف رأينا بحثا عن الصواب، وقديما قالوا (الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية).

التعليقات