الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

عناوين العروض المسرحية.. عتبةٌ كاشفة..

قراءة في بعض عروض مهرجان نوادي المسرح الإقليمي بالأسكندرية (أبريل 2014م)
أحمد عادل القُضَّابِّي
ربما يتشكك الكثيرون في قدرة القراءة النقدية للعناوين علي استجلاء العرض المسرحي، بالقدر الذي يتشكك به بعض النقاد المسرحيين في قدرة النقد السميوطيقي علي أن يكون مدخلاً لقراءة العرض المسرحي قراءةً نافذة.
والحقيقة أن هذه الشكوك التي توجه للقراءة النقدية للعناوين توجد لدى النقاد المصريين في كافة الحقول النقدية، فعندما كتبت "أعرف أنها عتبة النص" مقاربًا المجموعة القصصية "لم أعرف أن الطواويس تطير" للأديب بهاء طاهر، سخر أحد النقاد الشباب وطوح بالأوراق قائلا: "أنت تمزح.. ليس هذا بنقد". كذلك استقبل النقاد السينمائيين مثل هذه المقاربات النقدية التي تعتمد علي قراءة العنوان بالتوجس والريبة، لكنهم كانوا أكثر تقبلاً لها فيما بعد.
والعنوان باعتباره العتبة الأولي التي يتلقاها المشاهد، ليس مجرد اسم يُعرف به العرض المسرحي، لكن للعنوان دورًا مركزيًا في عملية إنتاج المشاهد لمعنى العرض المسرحي ودلالاته، لذلك لم يعد العنوان مقتصرًا على كونه مجرد مرشد للعرض المسرحي يتسمى به، ويمر عليه المشاهد مرورًا عابرًا سريعًا متوجهًا إلى العرض المسرحي، وإنما أصبح العنوان جزءًا من المبنى الاستراتيجي للعرض المسرحي. وتزداد أهمية العنوان خلال عملية مشاهدة العرض المسرحي، لأن المشاهد يتوجه إلى العرض المسرحي وقد علقت في ذهنه إيحاءات العنوان والأفاق التي استشرفها هذا العنوان، وهو يقوم بربط كل هذا بما يلقاه في أثناء عملية تلقي العرض المسرحي وتأويله، فالمسافة الدلالية التي تقيمها الذات المشاهدة ما بين العرض المسرحي وعنوانه يجب أن تكون بالضرورة ائتلافية، حتى يدخل المشاهد إلى العرض المسرحي مزودًا بأحد أهم مفاتيح التحليل، وهذه العلاقة هي التي يجب أن يدور عليها التحليل المنهجي للعنوان بوصفه نصًا، والتي لا تتمثل إلا في العنوان الجيد الذي يستطيع أن يكون أداة استدلال إلى مجاهيل العرض المسرحي.
ودراسة العنوان لا تعني الهروب من العرض المسرحي، لكنها دراسة تتوجه إلي داخل العرض المسرحي أكثر مما تتجه لخارجه، فهي تتطلع لتفحص ظلال العنوان داخل العرض المسرحي، وتبحث عن العلاقات التي تربط هذا العنوان بالعرض المسرحي، فهي دراسة تغوص داخل العرض المسرحي متجهةً إلي عمقه، فلا تتعلق بتمظهرات الخارج كما يتصور البعض عن دراسات النصوص الموازية التي يُعد العنوان إحدى ركائزها.
ونؤكد علي أنَّ العنوان يعتبر علامة ضمن علامات أوسع هي التي تشكل قوام العرض المسرحي باعتباره نظامًا ونسقًا يقتضي أن يعالج معالجةً منهجيةً أساسها أن دلالة أية علامة مرتبطة ارتباطًا بنائيًا بدلالات أخرى، لذلك فقد يجسد العنوان المدخل النظري إلى العالم الذي يسميه (العرض المسرحي)، لكنه لا يخلقه إذ إن العلاقة بين الطرفين قد لا تكون مباشرة أحيانًا.
سوف نقسم عناوين العروض المسرحية إلي أربعة مجموعات، وقد شاهدنا سبعة عشر عرضًا من إجمالي تسعة وعشرين عرضًا في المهرجان الإقليمي لنوادي المسرحي في دورته الثانية والعشرين؛ في ربيع 2014م؛ والذي أقيم بمدينة الأسكندرية (مسرح الليسيه)، وضم عروض محافظة الأسكندرية وعرض وحيد ممثلاً لمحافظة مرسي مطروح.
وهذه المجموعات؛ هي:
1. عناوين فنية مضللة.
2. عناوين مشتبكة فاعلة.
3. عناوين المؤلف.
4. عناوين فضائية.
أولاً: العناوين الفنية المضللة
وتمثلت في عنواني عرضي: "سيمفونية الجنون" (إعداد: محمد عبد القوي؛ وإخراج: محمد عبد المولي)، "سوناتا الصمت" (تأليف وإخراج: علي عثمان).
اختار مخرجا العرضين عناوين لها صلة بقوالب موسيقية، أسنده الأول علي نقيض العقل، وأسنده الثاني إلي نقيض الصوت الذي هو مادة الموسيقي.
اعتمد العرض الأول – "سيمفونية الجنون" - علي إعداد خاص عن قصة "عنبر رقم 6" للكاتب الروسي أنطوان تشيكوف، واختار عنوانًا للعرض له بريق فني دون أن يكون له قدرة علي الاشتباك مع منظومة العلامات التي ينتجها العرض لصنع معناه في ذهن مشاهده، فالعرض يعتمد علي استخدم الجنون كوسيلة للاقصاء خارج حدود المجتمع، ويقف رجل الشرطة المتجاوز حدود وظيفته – كطاغية – حارسًا قامعًا لأفراد عالم الجنون، الذي يضم في رحابه جنرال متقاعد، وممثل مثقف محرك للأفكار (إيفان)، وممثلة يتم عزلها بالجنون لرفضها الخضوع لسلطة حاكم الولاية الذي هو ذاته رئيس المجلس الأعلى لمؤسسة الجنون، هذا يالإضافة إلي مؤلف موسيقي (ليس فاعلاً رئيسًا) لكنه يكتب/يؤلف سيمفونية يدعي – طيلة الوقت - أن الطبيب جزء منها؛ كنبوءة؛ ويعلن عن اكتمال سيمفونيته عند انضمام الطبيب لعالم الجنون، وليست هذه السيمفونية سوى أغنية يشترك في أداءها أفراد عالم الجنون.
ليس الاحتفاء بالجنون هو المعني المراد، لأن الجنون لم يكن سوى أداة للإقصاء عن المجتمع يستخدمها حاكم الولاية الذي هو نفسه رئيس مؤسسة رعاية المجانين، ويستخدم الشرطي الطاغية كحارس قامع لهذا العالم. هذا هو عدم انسجام العلامات المنتجة للعرض وائتلافها في منظومة متكاملة تعمل معًا جنبًا إلي جنب علي إنتاج المعنى.
والسيمفونية ليس لها امتداد كبير داخل العرض سوى في ذلك المؤلف الذي نكتشف في نهاية العرض أنه ليس بسيمفونية، وإنما هو أغنية كورالية. فكلمة "سيمفونية" - أو سينفونيا في الإيطالية – مستخدمة منذ بداية القرن السابع عشر، كان الشائع استخدامها أولاً في المؤلفات الغنائية ذات الطابع الديني Sacrae Symphoniae كالموتيتات التي تصاحب بالاوركسترا، وسرعان ما أصبحت تدل علي التمهيد الأوركسترالي لهذه الأعمال الغنائية، دون الأعمال الغنائية ذاتها. واستمر استخدام هذه الكلمة علي هذا الوجه قرنًا آخر، ومازلنا نري الكثير من كانتاتا (يوهان سبستيان باخ) تستهل بسنفونيا.. لكن مع انتصاف القرن السابع عشر أصبح للسيمفونية شكل محدد منظم، واختص بهذه التسمية (بول هنري لانج؛ الموسيقي والحضارة؛ ص70،71).
فلم يستفد العرض من كلمة سيمفونية سوى أن جعل منها حلية فنية في العنوان؛ دون أن يكون لها أدني ارتباط شكلي أو وظيفي داخل العرض؛ كذلك لم تكن آلية/أداة للتفاعل داخل العرض، فالسيمفونية: عبارة عن مُؤَلَّف موسيقي طويل يعزفه الاوركسترا، ويتكون عادة من أربعة أجزاء تسمى حركات، وقد تطورت السيمفونية بشكل أساسي من الافتتاحية الإيطالية التي تتكون من ثلاثة أجزاء (سريع ـ بطئ ـ سريع)، ثم أضيف إليها موسيقي راقصة المنيويت الفرنسية الأرستقراطية قبل الحركة الأخيرة (زين نصار؛ عالم الموسيقي؛ ص 66،67).
أما العرض الثاني – "سوناتا الصمت"؛ فقد لجأ إلي ذات الحيلة في العنوان، بأن اختار له عنوانًا فنيًا يعتمد علي الإسناد الترافقي – كما في عنوان العرض الأول - بين كلمتين أحداهما اسم لقالب موسيقي يعتمد علي تجميع عدد من القطع الموسيقية القصيرة في وحدة كبيرة (محيط الفنون؛ ج2؛ ص 116)، والثانية الصمت، كاستعارة علي الخواء الذي أصبح يملأ العلاقة الزوجية بين فاعلي العرض (الزوجة – الزوج) سواء علي المستوى التواصل العاطفي أو الجسدي، وقد استخدم مؤلف/مخرج العرض الرمزية التعبيرية كمنهج لتقديم العرض، فحشر عددً من الرموز تصور أنها تستطيع أن تقوم بصنع معني خاص ينتج عبر الإرجاء المعني النهائي، لكن كما جاء العنوان فنيًا مضللا جاءت الرموز فنية مضللة ويستطيع أي رمز أخر أن يحل محلها ويؤدي ذات الدلالة التي ينتجها الرمز المستخدم في العرض، فليس لهذا الرمز قيمته التداويلة الخاصة سواء في عالم العرض المسرحي أو في الواقع (فاستخدام الرمز في الواقع مختلف)، كما أن فنان العرض لم يكن يقوم بتصنيع شفرات جديدة ثقافية أو مسرحية أو درامية خاصه بعرضه، فلو حلت الغزلان محل الأسود التي جعل من الزوج صائد لها، فلن يختلف الأمر كثيرًا، وكذلك لو حلت الغرفة محل الخزان لما تغيرت دلالة الاستخدام، لذلك لو غيرت العنوان من "سوناتا الصمت" إلي "كونشيرتو الصمت" أو "سيمفونية الصمت"، فلن تتغير وظيفة العنوان أو يتغير معني العرض الذي يتسمى بها العنوان. كما أنه لم يستفد من قالب السوناتا الموسيقي في اي شيء، لا علي مستوى البنية الدرامية أو الشكل المقدم أو العلاقات بين الفاعلين.
ثانيًا: عناوين مشتبكة فاعلة
جاءت عناوين هذه المجموعة من العروض علي خلاف مجموعة النوع الأول – حسب تقسيمنا – حيث تفاعلت العناوين مع محتوى العروض، وياهمت في إنتاج دلالادها، وكانت العناوين جزءًا متسقًا - ومنسجمًا - من منظومة العلامات المنتجة للعرض. وهذه العروض هي:
"مكان مع الخنازير" (تأليف: أثول فوجارد؛ إخراج: محمد مصطفي)، "أخر الأحزان" (إعداد وإخراج: مهند مختار)، "طرطشة شمس" (تأليف: نسرين نور؛ إخراج: أحمد فتحي)، "فينال" (دراماتورج: محمد الكلزة؛ إخراج: محمد فاروق)، "36 Like, 12 Comment" (تأليف: أحمد جابر؛ إخراج: مصطفي عسكر).
في عرض " مكان مع الخنازير" ينتج العنوان علامة أولية؛ يمكن أن تشكل أفق توقع المشاهد عبر التفكير في مواصفات المكان؛ وهي القذارة؛ أو المكان المتسخ الملئ بالروث؛ فيعالج العرض دراميًا من الانطلاق/الحركة من الخارج إلي الداخل، ثم الحركة من الخاص إلي العام. فكما أن المكان قذر وملوث بالروث والفضلات، كان داخل الزوجين قبيح ملوث بالخيانة؛ وتعاني المرأة أكثر من الرجل – بطبيعة الحال تعاني النساء أكثر – من آثار هذه القذارة الداخلية. وكما أن الجمال قد لا يكمن في الظاهر، فإن القبح قد يكمن فما ظاهره جميل براق.
العنوان؛ إذن؛ أسس ببراعة – باعتباره علامة أولية – نسق علامات العرض، وأصبح علامة مرجية مشتبكة مع كافة علامات العرض، تأولها بالتجاور أو بالتشاكل، حتى تصل إلي أن الخوف – الخوف من المواجهة خاصة - هو مصدر القبح الداخلي، وأن هذا الخوف أساسه عقدة أوديب، وعدم القدرة علي مواجهة الأب، وعقد الآمال علي الأم التي أخذت الزوجة مكانها بمرور الوقت في حياة هذا الزوج الهارب من جبهة القتال.
"أخر الأحزان" تلك الجملة التي تلوكها الأفواه في سرادقات العزاء وعلي المقابر، جعل منها المخرج لحظة ممتدة؛ ما بين التهيئ والممارسة؛ في ذلك العرض المعنون بها، فصنع فضاءً مرئيًا مسرحيًا باستخدام قماش السرادقات التقليدي أحاط بصالة العرض، وأضاف إليه فضاءً سمعيًا بواسطة تلاوة آيات القرآن وبعض الضوضاء، واستكمل ذلك بفضاءٍ يُشم بواسطة بعض الروائح التي تستخدم في تجهز المتوفي، فكانت هذه الفضاءات كلها تهيئة شاركت علامة العنوان في ترسيخها وتأكيدها في وجدان المشاهد المتوافد إلي صالة العرض الخالية من الفعل المشتغلة بهذه الفضاءات المتكاملة، وتكون التتمة بالمصافحة التي يجريها الفاعل الرئيسي بالعرض مع المشاهدين، والتي من المفترض أنها فعل التعزية، والذي يستخدم به جملة العنوان كجزءٍ من الممارسة الطقسية تلك.. "ربنا يجعلها آخر الأحزان".
أما "طرطشة شمس" فيعتمد علي البناء التراكمي، مستعينًا بالعنوان كعلامة مركزية يجمع حولها ما تناثر من علامات تأسست عبر الكتابة الشعرية لعض المقاطع، أو الأداء الكارتوني/الهزلي، أو الاستلهام لنصوص، أو استدعاء شخوص ورموز، متمسكًا باللعب علي تنويعات علي الهموم النسائية من منظور نسوى.
أما عنوان "فينال" فيقدم كناية كبرى عن العرض الذي عنون به، فهو يقدم لحظة النهاية في حياة ممثل مأزوم بالمسرح قدر تأزمه بالواقع، فكانت نهايته الواقعية هي امتداد لنهايته المسرحية بنفس القدر الذي كانت به نهايته المسرحية امتدادًا لنهايته في الواقع الحياتي.
ثالثًا: عناوين المؤلف
وهي تلك العناوين التي حملها مخرجو العروض عن مؤلفيها بمقدار ما حُملوا - أو تحملوا برؤى المؤلفين. وهذه العروض منها: "الأيادي الملطخة" (تأليف: قاسم مطرود؛ إعداد وإخراج: أحمد عبد الرحيم)، "مرة واحد" (تأليف: خالد الصاوي؛ إخراج: عبد القادر طلعت)، "ليلة القتلة" (تأليف: خوسيه تريانا؛ إعداد وإخراج: إسلام وسوف)، "ووزا ألبرت" (تأليف: أثول فوجارد؛ إعداد وإخراج: محمد عطا)، "ماريونت" (تأليف: علي عثمان؛ إخراج: عبد الحليم النبوي)، "عربة تسمى الرغبة" (تأليف: تينسي وليامز؛ إعداد وإخراج: محمد أسامة عطا). ربما خرج عن رؤية المؤلفين لصالح رؤيتهم الإخراجية للعروض؛ وبقي الاسم للدلالة علي البناء الدرامي القديم الذي تهدم لصالح البناء الجديد؛ عرضي "ووزا ألبرت"، و"عربة تسمى الرغبة"، بينما اشتبكت عروض ("الأيادي الملطخة"، "ماريونت"، "ليلة القتلة") مع رؤى المؤلفين، وحاول المخرجون الإلتفاف حول هذه الرؤى لصالح لرؤاهم، إلا أنهم لم يفلتوا من قبضة الرؤى والبني الدرامية للنصوص الأصلية بقدر إنفلاتهم من قبضة عناوينها التي ظلت شامخة ودالة بالتسمية علي عروضهم.
رابعًا: العناوين الفضائية
وهي تلك العناوين التي حددت فضاءً للعرض سواء كان هذا الفضاء زماني، أو مكاني، أو مركبًا خليطًا منهما، أو فضاءً نفسيًا؛ مثل: "ليلة عرس" (تأليف وإخراج: محمد عبد الصبور)، "مجهول" (تأليف: محمد الخشاب؛ إخراج: أحمد شوكت)، "امبراطورية نون" (تأليف وإخراج: محمود بسيوني).
ولم تستطع هذه العروض أن تفلت من دائرة التشويش العلاماتي، التي صنعتها لنفسها منذ العتبة الأولي (العنوان)، فلم تستطع أن تلحق بالفضاء الذي عينته بالتسمية، بأن تشتغل عليه لتكمل منظومتها العلاماتية، أو أن تحتفظ بالطابع الكنائي للعنونة، وإن كانت انتمت كليةً لنوعية العناوين الموضوعية؛ وهي تلك العناوين التي تعين موضوعًا للعرض المسرحي، أيًا كان موقعه أو حجمه أو تأثيره.

* منشور في عدد جريدة مسرحنا رقم 356- 12مايو2014م- ص 10 و11.

* الصورة من عرض "طرطشة شمس" أحد عروض المهرجان.

التعليقات