الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

كازاخستان . . . إنطلاقة نحو مستقبل مشرق

يشمل العالم الإسلامي العديد من الدول والشعوب التي ساهمت بشكل كبير في صناعة الحضارة الإسلامية العريقة ، وخرج منها قادة حملوا علي عاتقهم نصرة دين الإسلام وصناعة مجد المسلمين ، ولكننا ولأسباب عديدة يأتي في مقدمتها القوي الاستعمارية المعادية للحضارة الإسلامية التي عملت دون كلل أوملل علي تفتيت العالم الإسلامي وزيادة التباعد بين شعوبه ، ووضع العديد من الحواجز بين العالم العربي وبين باقي مختلف الشعوب في العالم الإسلامي ، الذين كان لهم باع كبير في النهضة الحضارية الإسلامية ، رغم ما كان يجمع بين العالم العربي بحكم الانتماء لحضارة وأمة واحدة من علاقات قوية راسخة ، وصلت إلي حد الانتماء لدولة واحدة تلاشت خلالها الحواجز والحدود ، واختلطت بها الدماء والأنساب . كازاخستان من أقدم المناطق المأهولة منذ عصور ما قبل التاريخ ، حيث سكنها قبائل من أصول تركية - الكازاك - وهم صيادون ومربو ماشية تعتمد تقاليدهم الاجتماعية على القبلية والعشائرية والتي استمرت إلى يومنا هذا ، كما كانت هذه الأرض محل نزاع على النفوذ بين الحضارتين الصينية والروسية ، والتي انتهت تحت الوصاية الروسية ثم الحكم الشيوعي المباشر لموسكو ، ومن تلك الأرض خرج العلماء والقادة الذين تركوا علامات بارزة في الحضارة الإسلامية ، وسطروا صفحات مضيئة في صفحات التاريخ . الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البندقداري الصالحي النجمي ، لقب بـأبو الفتوح ، سلطان مصر والشام ، ورابع سلاطين الدولة المملكوكية ومؤسسها الحقيقي وقائد نهضتها ، هو أحد القادة البارعين في التاريخ الإسلامي ، حيث ترجع أصوله المملوكية إلي أتراك " القبجاق " في كازاخستان ، وصل حماة مع تاجر وبيع على الملك المنصور محمد حاكم حماة لكن مالم يعجبه وأرجعه ، فذهب التاجر به إلى سوق الرقيق بدمشق وهو في الرابعة عشر من عمره ، وباعه هناك بثمانمئة دراهم لكن الذي اشتراه أرجعه للتاجر لأنه كان فيه عيب خلقي في إحدى عينيه ( مياه بيضاء ) ، فاشتراه الأمير " علاء الدين أيدكين البندقدار " ، ثم انتقل بعد ذلك إلى خدمة السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة ، الذي أعتقه ومنحه الإمارة فصار أميراً . كان بيبرس قوي البنيان طويلاً ذا شخصية قوية ، وكان شعار دولته " الأسد " وقد نقش صورته على الدراهم ، بدأ حياته مملوكا يباع في أسواق بغداد والشام وانتهى به الأمر كأحد أعظم السلاطين في العصر الإسلامي الوسيط ، أطلق عليه الملك الصالح أيوب في دمشق لقب " ركن الدين " ، وبعد وصوله للحكم لقب نفسه بالملك الظاهر . ولد بيبرس في عام 620 هـ - 1221 م ، وحقق خلال حياته العديد من الانتصارات ضد الصليبيين وخانات المغول ابتداءً من المنصورة عام 1250م ، ومعركة عين جالوت ، وانتهاءً بمعركة الأبلستين ضد المغول عام 1277 ، وقضي أثناء حكمه علي دولة الحشاشين ، واستولي علي أنطاكية من الصليبيين ، وقد حكم بيبرس مصر بعد عودته من معركة عين جالوت واغتيال السلطان سيف الدين قطز عام 1260 ، حيث خطب له بالمساجد يوم الجمعة 6 ذي الحجة 658 هـ - 11 نوفمبر 1260 م ، وتوفي يوم الخميس 27 محرم 676 هـ - 2 مايو 1277 م ، عن عمر ناهز 54 عاماً ، بعد رجوعه من معركة الأبلستين ضد خانات المغول سنة عام 1277 ، أحيا خلال حكمه الخلافة العباسية في القاهرة بعد ما قضى عليها المغول في بغداد ، وأنشأ نظُماً إداريةً جديدة في الدولة ، حيث اشتهر بيبرس بذكائه العسكري والدبلوماسي ، وكان له دور كبير في تغيير الخريطة السياسية والعسكرية في منطقة البحر المتوسط . استطاعت كازاخستان منذ استقلالها في أوائل تسعينيات القرن الماضي علي استعادت هويتها الاسلامية ، وأوجدت لتفسها دورا فعالا في العالم الاسلامي من خلال الكثير من المبادرات والمشاريع التي أكدت على الصورة الحضارية والايجابية للاسلام ، وهو ما أوجد لها موقعا ومكانة مرموقة في المجتمع الدولي والعالم الاسلامي علي حد سواء ، الأمر الذي جعلها مؤهلة لتسلم رئاسة منظمة التعاون الاسلامي في عام 2011 ، بعد عام من رئاستها لمنظمة الأمن و التعاون في أوروبا ، ويؤكد ذلك التحول الكبير في تاريخ كازاخستان واستعادتها هويتها الإسلامية بعد عقود من السيطرة الشيوعية ، وكذلك قدرتها المتنامية في الأعوام الأخيرة على إبراز دورها الهام علي المستوي الاقليمي والدولي . حققت كازاخستان طفرة اقتصادية كبيرة ، فقد ارتفع الناتج المحلي خلال السنوات الأخيرة من 25 مليار دولار إلي 200 مليار دولار ، حيث ساعد الاستقرار السياسي الداخلي اقتصاد البلاد علي مواصلة مسيرة التنمية التي بدأت منذ الاستقلال ، كما أعطى للدولة فرصة لتوفير المناخ الملائم لجذب الاستثمارات ، فأصبحت الشركات الأجنبية والوطنية تتمتع بحقوق متساوية عند ممارسة النشاط الاستثماري ، وقد سارعت شركات عالمية كبرى للاستفادة من مناخ الاستثمار الجيد في كازاخستان ، الأمر الذي أدي إلي ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية منذ عام 2005 ، ليصل إلي نحو 160 مليار دولار . ويتوقع الخبراء أن تلعب كازاخستان دوراً متزايداً في السوق النفطية العالمية مع ازدياد إنتاجها ، حيث يتوقع لها أن تكون واحدة من أهم منتجي النفط نهاية العقد الحالي ، وتحتل كازاخستان المرتبة السادسة في العالم من حيث احتياطيات الموارد الطبيعية كالنفط والغاز واليورانيوم والزنك والفضة والرصاص والكروم والنحاس والذهب وغيرها ، والتي يعمل على استخراجها أكثر من خمسة آلاف منجم . وحتى الآن لم يتم التنقيب سوى في 160 حقل بترول وغاز ، حيث تبلغ احتياطيات النفط القابلة للاستخراج نحو 30 مليار برميل ، ويبدو المستقبل واعداً في قطاع الطاقة ، فالتوقعات ترى أن إنتاج النفط الخام سيرتفع من نحو 1.6 مليون برميل يومياً حالياً الى 2.2 مليون برميل يوميا في عام 2020 ، الأمر الذي سيسمح لكازاخستان بأن تكون واحدة من بين أوائل الدول العشر في إنتاج النفط في العالم ، وتقف وراء قصة النجاح الذي حققته كازاخستان في قطاع الطاقة شركة " كازموناي غاز " والتي تعد من أكبر شركات الإنتاج النفطي في كازاخستان ، حيث تعمل على تطوير 50 حقلاً للنفط غرب البلاد لاستخراج احتياطاتها النفطية التي تشكل نحو 3% من اجمالي الاحتياطات العالمية . ولا تعتمد مسيرة النهضة الاقتصادية في كازخستان على قطاع الموارد الخام فقط ، بل تتجه كازاخستان لتوسيع حزمة الحوافز الاستثمارية للقطاعات التي لا تعتمد على الموارد الطبيعية ، مثل تقنية المعلومات وعلوم الفضاء ، وقطاع الصناعة الذي شهد نمواً كبيرا في السنوات القليلة الماضية ، حيث يوجد أكثر من 13 قطاع تصنيعي في البلاد ، من صناعة السكك الحديدية الى السيارات ، وصولاً إلى الطائرات المروحية ، وما بينهما من صناعات الكترونية وصناعات خفيفة ، وقد انعكست تلك النهضة الاقتصادية على السكان بشكل كبير ، فتضاعف دخل الفرد ما بين ثمانية إلي عشرة أضعاف خلال السنوات القليلة الماضية ، وكان النظام المصرفي ، رفيق هذا الازدهار ، فتضاعفت ودائع السكان بنحو 40 مرة خلال تلك الفترة . أعلنت كازاخستان كجمهورية سوفيتية باسم جمهورية " الكيرقيز " في عام 1917 ، ثم أُلحقت باتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية عند تأسيسه ، وفي إطار تقسيم العمل داخل الاتحاد السوفيتي اختصت كازاخستان بمشاريع سوفيتية هامة أهمها " كسيميبالاتينسك " ومختبراته النووية ، ومركز " بيكاونور " الفضائي ، ومع انهيار وتفكك اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية ، أعلنت كازاخستان عن استقلالها في السادس عشر من ديسمبر 1991، وتبدأ كازاخستان صفحة جديدة في تاريخها الحديث نحو مستقبل مشرق يحقق لها المجد ولشعبها التقدم والرقي والازدهار .

كاتب وباحث في الشئون الآسيوية ahmedtrabic@hotmail.com

التعليقات