أخر المقالات

التدخين رحلة إلى الهلاك

الكاتب : مصطفى الشريف

عرف البشر التدخين منذ القدم ، فلقد دخنه الهنود الأمريكيون عن طريق الغليون في احتفالاتهم الدينية قبل قدوم البيض إلي العالم الجديد بفترة طويلة ,وبدأ تدخينه في أوربا في القرن السادس عشر نظراً لاعتقاد الأوربيين أن له فوائد طبية , وكان الأطباء حينئذ يقرون استخدامه لتلك الأغراض فقط , بينما اعتبره المتدينون في أمريكا مخدراً خطيراً.
وفي عصرنا الحاضر يدخن الناس لأسباب عدة؛ منها مثلاً اعتقاد البعض أن التدخين ينفث عنهم من همومهم أو يخفف من ضغوط الحياة عليهم, ومنها تقليد الأبناء لآبائهم المدخنين, وغيرها من الأسباب.
والمشكلة تكمن في مادة النيكوتين الموجودة في السجائر والتي لها تأثير منبه للجهاز العصبي والقلب ولكن التدخين يجعل الجسم مدمناً عليها إدماناً يصعب الإقلاع عنه.
لقد أعلنت هيئة الصحة العالمية عام 1975 أن التدخين أشد خطرا على صحة الإنسان من أمراض السل والجذام والطاعون ،كما ثبت أن التدخين يضعف القدرة الجنسية عند الرجال و يسبب الإجهاض أحيانا للنساء و أحيانا العقم ، كما ثبت أنه يسبب تهتك الأغشية الرقيقة حول الأوتار الصوتية مما يسبب البحة عند المدخنين ، و من آثاره ضيق التنفس و آلام الحلق و ضعف حاسة الشم والتذوق ، و يؤدى إلى زيادة نبضات القلب مما يؤدى للإصابة بالسكتة القلبية ،كما يشعر المدخن كثيرا بالتعب و الإرهاق لتكدس السموم فى الكبد .أما سرطان الرئة فقد مات بسببه عام 1963 فى بريطانيا 25 ألفا و فى أمريكا 41 ألفا.
وقد أكدت تقارير منظمة الصحة العالمية أن تدخين السجائر يعد من أخطر أنواع الإدمان علي الإطلاق , وأن الإقلاع عن التدخين قد يكون أصعب من الإقلاع عن تعاطي الهيروين , حيث ثبت أن نيكوتين السجائر يصل إلي مخ المدخن في أقل من عشر ثوان من إشعال السيجارة ,وهي سرعة تعادل ضعفي سرعة وصول المخدرات وثلاثة أضعاف وصول الكحولات إلي المخ , وأن عشرين في المائة (20%) من مجموع الوفيات في العالم ترجع أسبابها إلي أضرار التدخين .
لم يكن الناس علي دراية بخطورة التدخين حتى وجد العلماء خلال القرن العشرين أدلة قوية علي أن التدخين يعرض صحة الإنسان للخطر ,ففي عام 1964 وجه الجراح الأمريكي العام أول تحذير رسمي بأخطار التدخين علي الصحة ,ومنذ ذلك الحين ظهرت تقارير تربط بين التدخين وأمراض الرئة والقلب ,والسرطانات المختلفة كما سنبين بإذن الله لاحقاً.
وعلي الرغم من التحذيرات وعلي الرغم من انحسار التدخين في الدول المتقدمة لوعي الإنسان فيها بفداحة أضرار التدخين فإن عدد المدخنين في الدول النامية في تزايد مطرد , وتجد الدول المصدرة للتبغ أكبر وأضخم سوق لترويجه في بلادنا , فمثلاً ارتفع معدل تصدير السجائر الأمريكية من 6.9 بليون سيجارة عام 1945 إلي 205.6 بليون سيجارة عام 1992 وهذا علي الرغم من تقلص المساحة المزروعة بالدخان بشدة في أمريكا نتيجة لتشجيع المزارعين علي التحول إلي محاصيل أخري , كما تذكر تقارير المنظمة أيضاً أن التدخين أدي إلي وفاة 60 مليون شخص خلال النصف الثاني من القرن العشرين منهم 10 مليون سيدة, كما تقدر التقارير أيضاً أن 200 مليون إنسان سوف يموتون ((إذا قضي الله )) في الدول النامية من بين 1.2 بليون مدخن في منتصف العمر بسبب مخاطر التدخين, وأثبتت تقارير الجمعية الأمريكية الطبية أن التدخين سبب وفاة قرابة نصف مليون شخص سنوياً في أمريكا أي واحد من كل خمسة موتي , وأثبتت التقارير أيضاً أن التدخين يكلف الدولة مبالغ طائلة ,فقد أنفق في أمريكا عام 1993 مثلاً 50 بليون دولار لعلاج المتضررين من التدخين وأن علبة سجائر تدخن يدفع مقابلها 3.9 دولار خدمات صحية , وتتزايد الدعوات هناك لفرض المزيد من الضرائب علي السجائر ,كما تقوم الولايات المختلفة برفع قضايا ضد شركات السجائر لإجبارها علي دفع تعويضات مهولة للمدخنين أو عائلاتهم لما ثبت أن التدخين قد سببه لهم من أمراض ووفيات ,ففي عام واحد غرمت الحكومة الأمريكية شركات التبغ ما يفوق 286 مليون دولار كتعويضات صحية .
ولقد أثمرت حملات مكافحة التدخين هناك إلي انخفاض ملحوظ في عدد المدخنين فمثلاً بين عامي 92-93 انخفض المعدل 3% وهي نسبة مبشرة.
وهذا ما جعل شركات ضخمة تضع في حسبانها أن احتمالات نمو صناعة التدخين في أمريكا ضئيلة فوجهت بعض أنشطتها لمجالات أخري , فنجد شركة فيليب موريس (مصنعة مارلبورو) قد اشترت أسهماً في شركة تصنيع غذائية حتى أن مبيعاتها من هذه المواد قد بلغت أضعاف مبيعاتها من السجائر , فهل آن أوان استيقاظ الوعي في بلادنا المسكينة بانتشار الفهم الصحيح لأضرار التدخين , فيقلع الإنسان العربي طواعية عن هذا القاتل الصامت , وأن توجه تلك المليارات الهائلة لما فيه نفع الأمة وتقدمها.

والله المستعان...

التعليقات