الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

المرأة من المنظور الأنسانى الى المنظور التشييئي

الكاتب : محمود عدلى

عزيزى القارئ قبل ان تبدأ بقراءة هذا البحث يجب ان تعلم جيداً ان الحقيقة انك لا تستطيع ان تتحمل الحقيقة ,وهذا ليس ضعفاً منك عزيزى القارئ لكن تحطيم مسلمات النفس و ما جرت عليه العادة مؤلم حقاً , و هكذا هى الحقيقة دائماً مُرة علقم كالحنظل لا يستمرؤها طالب اللذة و المتعة و يفوز بها طالب الحق و من يبحث عن الحقيقة ليسمو بها و صدق الشاعر أحمد شوقى حين قال :
إِنَّ الَّــــــذي خَـــلَـــقَ الــحَـقـيـقَـةَ عَــلــقَـمـاً
لَــــم يُــخــلِ مِـــن أَهـــلِ الـحَـقـيقَةِ جــيـلا
فكأنه يعلم ان الحقيقة مُرة فى ذاتها و لذاتها و لكن من طلب عظائم الامور هانت عليه نفسه و كل ما يشتهى .

يجب ان نعلم جيداً ان لكل منا دور فى المجتمع حتى يكتمل ...
فلا يصلح كل الناس ملوكاً و حكاماً .... و الا من سيحكمون ؟!!!
و لا يصلح جميع من الناس مفكرون ... و الا لمن سينصحون ؟!!!
و لا يصلح جميع الناس وعاظاً ... و الا من سيعظون ؟!!!
و لا يصلح كل الناس رعايا ... و الا من سيقودهم؟!!!

و لهذا خلق الله عزوجل بيننا هذا التفاوت ليبلوا بعضنا ببعض و ليسخر بعضنا لبعض و ليكتمل البناء الاجتماعى كلُّ فى مكانه و كلُّ يعرف ما له و ما عليه حسب قدراته التى وهبها الله اياه فقد علم كلُّ أناس مشربهم , فكما أن الرجل من فطرته و طبيعته تحمل المشاق و الصعاب فى العمل كذلك المرأة من فطرتها الانجاب و افراز جيل و التربية الصحيحة وهذا هو عماد و عدة المجتمع و هو ما لا يقدر عليه الرجال و ان تجمعوا له , و المرأة ليست ملزمة أن تعمل فى بيت زوجها و هى على الخيار و قال بهذا مجموعة من الفقهاء مثل ابن حجر العسقلانى و الامام النووى و غيرهم و تبقى المسألة اجتهادية لا أكثر و لا يوجد فى الشرع اى دليل يلزمها بذلك بل ترجع للعرف و المعتاد فى المجتمع و لذلك لو كان لها خادم فى بيتها أبيها قال بعض الفقهاء بوجوب ان يجعل لها زوجها فى البيت خادم , لكن الموضوع له أبعاد أكثر و أبعد من هذا وهو دور المرأة نفسه كرؤية مجتمعية أنسانية متكاملة لا رؤية نفعية تشييئية بحتة .

و حديثى اليوم عن قاعدة البنيان و نصف المجتمع ان لم تكن المجتمع كله وهى جديرة بهذا فهى نصف المجتمع و تنجب النصف الأخر و ليس ثمة رجل على ظهر هذا الكوكب الا و له صلة بأمرأة سواء أأنكر أم لم ينكر , علم او لم يعلم , فالمرأة هى أمه و أخته و زوجته و بنته و خالته و عمته و غيرها من النساء اللاتى تمتد بصلة نسب مهما كانت .

فان سقط هذا النصف العظيم لا شك ان يتداعى تباعاً لسقوطه المجتمع و سينهار و لابد لأننا أوتينا من حيث لا نحتسب .

ان الذى يتأمل دور المرأة قديماً لا يجده يختص كثيراً بالحياة العامة و صناعتها و لا تزاحم بكتفيها أكتاف الرجال فى العمل بل هى تتولى أدارة المنزل و تدبير المعيشة فاذا كان الرجل يتصدر للحياة العامة فهى ملكة لها حياة خاصة تديرها والرجل ما هو الا خادم يأتيها بالمال لتدير هذا الصرح العظيم و الذى سيفرخ لنا جيلاً من قادة المجتمع و علمائه و كما يقولون وراء كل عظيم امرأة .
ومن هنا كان التوازن الحقيقى فى المجتمع ... لكن ما الذى أخل بهذا التوازن الان ؟؟؟!!!

حينما قامت الثورة الصناعية قامت دعوات ظاهرها الرحمة و باطنها الفساد لجعل المرأة تتخلى عن أعظم دور لها و مملكتها لتضحى بواجبها المقدس و حق الأمومة من أجل ثمن بخس زهيد و تركت من وراءها ثغراً لا يقدر سده الرجال جميعاً و لو تجمعوا له , فلكل ِّ طاقته حتى و ان دعى غير ذلك , فلا يصلح السيف فى موضع الندى كما لا يصلح الندى فى موضع السيف , و لكن ليس أصحاب تلك الدعوات يحثهم على هذا بدعوى الثقافة .. لا و ان بدا الامر غير ذلك انما هى الارادة ..نعم الارادة " ارادة تشييئ المرأة " هى كم ؟؟!!و تسوى كم ؟؟!!
و هو هدف أقتصادى تشيئي بحت يتعاملون فيه مع المرأة كأنها شئ ما أو سلعة تباع و تشترى و تتعرض لمواقف حرجة و صعبة ليس فى فطرتها التعامل معها و لا أقول أنها عاجزة مهيضة الجناح... لا فان التى تهز المهد بيدها قادرة على أن تهز العالم هزا .
و حين أستجابت المراة لتلك الدعوات و تركت أشرف المهام و انبلها دخل هؤلاء و تسللوا من الثغر ليخرقوا سفينة المجتمع , ومن هنا حدث الخلل الاجتماعى فانتشرت ظواهر منها على سبيل المثال لا الحصر الطلاق و التفكك الاسرى و أطفال الشوارع و افراز جيل فى المجتمع مجهول الهوية ضائع تائه لا يعلم أين يمضى ؟؟ و الى اين ينبغى ان يمضى ؟؟و ليس العيب فيه اذ أن خبراته المحدودة و نشأته القاصرة و تخلى الام عن دورها الحقيقى تركه فريسة لذئاب المجتمع الذين تسللوا من الثغر بدعوى الاصلاح ليتولوا مهمة الأم الحقيقية هذه المهمة الخطيرة بلا شك , و لا أظنكم تنسون حادثة قصر البارون و كانوا شباباً جميعاً و أمهاتهم من أعلى المناصب فى الدولة و دكاترة جامعات و لكن لم يفيدهم بذلك شئ لان دورها مقصور على نفسها .

و لا تتعجل عزيزى القارئ لتلقى علىًّ التهم المعلبة الجاهزة و تتهمنى بالرجعية و التخلف ,فان وقع منك هذا فأنت لم تفهم مغزى كلامى و لم يصلك مقصده , فأنا لم اقل لك أن تعليم المرأة حرام أو ان عملها حرام و أنها عورة و هذا الكلام الذى ينم عن جهل قائله , فأعوذ بالله ان أناقض نفسى و لكن لو ان تلك المربية العظيمة لو لم تتعلم حقاً لأخرجت لنا جيلاً من الحمقى و المغفلين و هذا ما لا ارضاه فكيف يستقيم الظل و العود أعوج و اقول أنه ينبغى ان يُهتم بتعليم المرأة جيداً بل أكثر من الرجل نفسه لأن أثر المرأة يمتد للمجتمع حتى يكاد يشمله , و لكن لابد من تقديم الاهم على المهم و الفاضل على المفضول حتى تكون الامور فى نصابها و لا يكون عمل المرأة فى المجتمع الا لضرورة ملحة حقاً و الا فان مهمة تربية الاجيال و تنشئتها من أعظم المهام و أشرفها على الاطلاق .

و حتى نعرف ابعاد هذا الموضوع لابد أن ندرس عمل المرأة و تأثيره على المجتمع من زواياه الخمس :
1- المرأة العاملة .
2- العمل .
3- المجتمع .
4- الطفل .
5- الأسرة .

أولاً : الطفل :
أعلم جيداً انه لن تستطيع المرأة ان توفى الخمس أركان حقها و لابد ان يضرر طرف على الاقل أن لم يكن أكثر , و أكثر هذه الاركان تضرراً هو " الطفل " الذى حُرم حقه من الأمومة حقاً و ليست الامومة الزائفة و لذلك أكبر مخدوع فى هذه المعادلة هى المرأة العاملة لأنها خرجت مقابل أجر زهيد بدعوى التساوى مع الرجل و لن و لم يحدث و هذا للأسباب منها العوامل البيولوجيا التى هيأ الله عزوجل جسم الرجل ليتحمل الصعاب و المشقات و كذلك المرأة هيأها الله لما تصلح دون الرجال و هكذا هو سير الحياة , و الامر ليس صراعاً بين الرجل و المرأة بل هو تكامل و تضافر من أجل النهوض بمجتمع يعرف كلُّ فيه حقه ووجباته و ما له و ما عليه .

ثانياً : المرأة العاملة :
و هؤلاء الذين دعوا الى حقوق المرأة و الله ما زادوها الا ظلماً و غبناً فأخرجوها من مملكتها الى صراع الحياة فى ظل الرأسمالية التى لا ترحم من يقع فى براثنها و فى ظل تنافس غير شريف و كل شئ عندهم له ثمن , وينظر هؤلاء الرأسماليين الى كل شئ نظرة مادية أقتصادية تشيئية بحتة ومن هنا أهانوا المرأة أشد الاهانة , وجعلوها خادمة لرغباتهم القذرة و لأهدافهم الدنيئة لهذا تقع" المرأة العاملة "فى المرتبة الثانية فى التضرر .

ثالثاً : الاسرة :
اما فى المرحلة الثالثة فى التضرر " الأسرة " و أغلب حالات الطلاق تقع فى البيوت المرأة العاملة لانها لا تستطيع أن توفى حقوق الزوج و الاولاد و البيت و العمل معاً و لو حدث هذا و أستطاعت ان توفق فسيكون فى مقابل صحتها و لن تستطيع الاستمرار و التحمل كثيراً , فلكل منا طاقته .

رابعاً : المجتمع :
و يأتى فى المرتبة الرابعة فى الضرر" المجتمع " على المدى البعيد فـأن أصل مهام التربية تقع فى الغالب على المرأة و لذلك يقول الشاعر حافظ ابراهيم :
الأم مـــدرســـة إذا أعــددتــهــا
أعـددت شـعباً طـيب الأعـراق

و لا يصح ان يقال فى الرجل أنه أم , لان الامومة شئ أنفردت به المرأة دون الرجل و هو شرف لا يضاهيه شرف و لهذا ذكرت فى الحديث النبوى الشريف ثلاث مرات و ذكرت الأبوة مرة واحدة,و بسبب تخلى المرأة عن دورها ينشأ جيل فاسد تسقط مرؤته و يكون معولاً للهدم لا حجر بناء .

خامساً : العمل :
ثم يأتى فى المرحلة الخامسة من التضرر " العمل " فالمرأة لم تخلق لتعمل عند هذا و هذا , بل هى أكرم من هذا بكثير و هى مهما فعلت لن تستطيع ان تتغلب على الرجل على الاقل فى أغلب الأعمال و اقوى دليل على صحة قولى ان المطبخ و هو تخصص المرأة حينما نافسها الرجل فيه من الناحية العملية تغلب عليها و نحن نرى الان أغلب الطهاة و الشيف المهرة حول العالم من الرجال مع ان هذا مضمارها ينبغى الا يسبقها أحد فيه و قد سبقها الرجل فيه .

و أخيراًُ أحب أن أشير الى قول الله تعالى حين خاطب آدم وزوجه ينذره من الشيطان و الخروج من الجنة قال الله عزوجل :

{فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى }طه117

هكذا تشقى أنت يا آدم , مع انه حين ذكر الخروج قال لَا يُخْرِجَنَّكُمَا فجعله الضمير للمثنى و حين تحدث عن الشقاء لم يقل تشقيا أو تشقيان , لا بل أنت وحدك الذى ستشقى يا آدم أنت الذى ستعمل و تكابد مشاق و صعوبات الحياة و انت ملزم بالنفقة عليها و التكفل بها و هذا ليس تفضل للرجل على المرأة ...لا بل هو حقها فهى التى تنجب له و تربى له و تساعده على شئون المعيشة و التدبر المنزلى .

و أرجو الا يُفهم كلامى على النحو الذى لا أريده و يجب أن نكون منصفين فلا أفراط و لا تفريط , و المسألة ليست مساواة كما يدعى هؤلاء الناعقون ...لا ... فللأسف الشديد فقدت المرأة هويتها الحقيقية و مسئوليتها الكاملة تجاه المجتمع فلم تستطيع أن تبقى أمرأة تنشأ أجيالاً و لم و لن تستطيع أن تكون رجلاً .

فالقضية ليست مساواة الرجل بالمرأة , أنما القضية الحقيقية هى ان المرأة و الرجل علاقتهما علاقة تكاملية لا تنافسية صراعية بل يكمل أحدهم الأخر فالرجل لا يسوى شئ بدون المرأة و المرأة كذلك و لكل منهما دوره فى المجتمع الذى ينبغى ان يعرفه كلاً منهما .
يجب أن نتخلى عن تلك النظرة التشييئية للمرأة و أن ننظر لها بمنظور أنسانى أكثر حتى لا تفقد المرأة أنسانيتها و لا تغرق سفينة المجتمع .
أعيدوا الامور الى نصابها و سترون فرقاً عظيماً يحدث فى المجتمع و يجب أن نبدأ بأعادة حقوق المرأة المسلوبة و أولها حق الأمومة فمن هنا يأتى كل أنحراف و شذوذ فى المجتمع , فالقضية ليست ان المرأة تخرج و تنفتح للحياة أو أن تبقى خادمة فى بيت زوجها ..لا القضية أكبر و أخطر و أعمق من ذلك و من يحصر القضية فى ذلك فهذا دليل على ضيق أفق منه .

فمن المخجل حقاً أن نعرف الحقيقة متأخراً ....

بقلم ,
محمود عدلى

التعليقات