الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أن تكون ناقدًا

أن تكون ناقدًا..
(1- 33)
فهذا يعني أن تمتلك جهازًا مفاهيمًا معياريًا منضبطًا، لا يأتيه التشويش من بين يديه، ولا يأته التلوث من خلفه. وأن تكون مصطلحاتك النقدية سليمة غير مشوشة أو ملوثة مفاهيميًا. هذا التمكن الاصطلاحي والإنضباط المفاهيمي يجعل عملية التواصل مع القارئ مثالية، لأن استخدامنا المنضبط للمصطلح لن يسمح بمساحات سوء الفهم، وإلتباس المعاني وإشتباهها. وما أحوجنا إلي حسن التواصل وصحة الفهم وتحديد المعاني، سواء في حياتنا العادية أو الفنية أو الأكاديمية.
سبق وأن كتبت عن التلوث المفاهيمي الذي أحدثه أحد الأساتذة الذين ينشئون النقاد إنشاءً؛ عندما خلط بين مصطلحي "دراما سير الحياة" و"دراما السيرة الذاتية"، فقد استخدم المصطلح الثاني محل الأول دون أي اكتراث، بل وذهب يُنَظَّرُ لمصطلحاته الملوثة، مما يعطيك يقينًا أن الأمر لم يكن محض خطأ أو سهو، لأن هناك إصرار وعمل لاحق لهذا.
هناك من يلتمس العذر لهذا الأستاذ الناقد، متعللًا بأن المعاجم المتخصصة يصيبها هذا العطب وهذا التلوث من بين يديها.
لكن لهذه المعاجم الفنية والأدبية معضلتها الخاصة، فقد كان هدفها هو ضبط المصطلحات من خلال تثبيت المحتوى المعرفي للمصطلح، لكنها سقطت في تعدد المصطلحات العربية الناقلة لمصطلح أجنبي واحد، بالاضافة إلي تعدد المحتوى المعرفي الذي يقدمه كل معجم لذات المصطلح.
علينا أن ننظر إلي المصطلح كرمز لغوي يتركب من دال ومدلول معًا (اللفظ + الدلالة)، وأن هذا الرمز يُرجع إلي تصور قابل للتحديد خارج إطار اللغة. لكن المصطلح المتخصص لابد - بالضرورة - أن يكون أحادي المعني، ويتم ضبطه بواسطة الوصف الدلالي من خلال اللغة الهدف؛ في حالة الترجمة؛ أو اللغة التي وضع بها المعجم. وتلك قضية تحتاج إلي كثير من الجهد الحقيقي والصبر والأبحاث والدراسات، فلا يمكن أن يتوافر كل هذا لباحثٍ أو ناقدٍ واحد، لكن علي الجميع أن يسهموا للوصول إلي هذه الغاية.
أن تكون ناقدًا..
فهذا يعني بعد ضبط لغتك الإصطلاحية، وتشحيم جهازك المفاهيميّ، أن تترفق بالقراء البسطاء المحبين للفن الذي تضع أعماله علي طاولة تشريحك، أو طاولة مختبرك البحثي، أو طاولة القهوة التي جلست تخط مقالك في عُجالةٍ بها.
وترفقك بالقراء لا يعني بالمرة أن تتخفف من المصطلحات، بل أن تدسها لهم، كما تدس الأم السندوتشات في حقائب صغارها في الصباح، وأن تحرص علي استمرار عملية دس المصطلحات المنضبطة مع إيضاح مفاهيمها وتبسيط محتواها المعرفي دونما إخلال. وعبر متابعة العمل، وجذب القراء المردة، وتحسين قنوات الاتصال، ودس المصطلحات، ستتحسن عملية التلقي كما ستتحسن العملية النقدية التي تحملها علي كاهلك بتحسن التواصل.
إن لقاء الناقد بالقارئ عبر نهرٍ من الألغاز والأحاجي، وبواسطة لغةٍ متعاليةٍ من الناقد يوجه بها خطابه، تفسد التواصل النقدي مع العمل الفني والقارئ بالتبعية. فما أحوجنا إلي مد جسور التواصل فوق هذا النهر، دونما إخلال بالعملية النقدية أو بالمصطلحات النقدية. وأتصور أنه بمزيد من الجهد الحقيقي ستتسع قاعدة التواصل يومًا بعد يوم، لتخلق لنفسها تيارها وطريقها.

التعليقات