الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أن تكون ناقدًا.. 2

(2 - 33)

أن تكون ناقدًا..

فهذا يعني أن تبتعد عن التهويمات النقدية والتعميمات المجازية التي لا تشاركك فيها المرئيات السينمائية، أو خطابها المُنتج عبر تتابع صورها. كذلك؛ ألا تنظر إلي المدارس النقدية علي أنها موضة، ويجب أن يلحق نقدك بها، دون أن تتعرف على الأسس الفلسفية أو التجارب النقدية والفكرية التي أوصلت منظري هذه المدرسة إلي مقولاتهم أو أدواتهم النقدية، لكي يكون تطبيقك النقدي متسقًا مع الموضة النقدية التي تريد أن ترتادها عبر كتاباتك أو تحليلاتك.
أحدهم يكتب عن رواية ويقول في وصفه النقدي لها، أنها – أي الرواية – شذرة كونية. والأخر يكتب عن المرئيات ما بعد الحداثية مستخدمًا مصطلحات الستينيات التي أطلقتها مدرسة كونستانس الألمانية، ووصلت إلينا متأخرة عبر الترجمات قرب نهاية القرن العشرين، بعد إستعارات إصطلاحية لبعض مفاهيم الفينومينولوجي والهرميونيطيقا. وثالث يتعامل مع السميولوجيا أو السيميوطيقا بأنها ليست منهجًا نقديًا – أو حتى إستراتيجية نقدية – فهي؛ أي السميوطيقا ليست إلا محاولة الوصول إلي دلالات للعمل السينمائي عبر استخدام أساليب إحصائية ساذجة لتلك التي يقوم بإحصائها عبر عدّ عدد اللقطات القريبة داخل الفيلم السينمائي ومقارنتها باللقطات العامة أو المتوسطة، ليصل إلي نتيجة تقول أن كثرة عدد اللقطات القريبة دليل علي أن الطرح/الخطاب الفيلمي، خطاب داخلي خاص بالصراعات والعمليات الداخلية دون الصراعات والعمليات الخارجية.
كان النقد في طورٍ من أطواره يشتغل بعلاقة الأعمال الفنية بمبدعيها، ثم أخذ يصب اهتمامه بالأعمال الفنية نفسها، ولا يشغل نفسه بغيرها، ثم انسحب لدراسة الأعمال الفنية بسياقها التاريخي والإجتماعي، تحت اعتبار أن هذه الأعمال الفنية ليست إلا بُنى فوقية تتمظهر فيها البُنى التحتية. وأخيرًا انشغل فريق من النقاد بدراسة علاقة الأعمال الفنية بمتلقيها/جمهورها، فيما عرف بنظرية التلقي أو نقد إستجابة القارئ في ألمانيا.
لقد استعار جادامر مصطلح "أفق" من هسرل ومن التراث الفينومينولوجي، والذي يشير إلي: موقع رؤية تُحِد من إمكانية الرؤية. والأفق ليس بمنظور ثابت مغلق، بل هو شيء ما نتحرك فيه ويتحرك معنا، مشيرًا إلي التحيزات والتصورات المسبقة التي هي جزء أساسي من الموقف الهرمنيوطيقي، فأفق الماضي ملتحمٌ بأفق الحاضر، فيما يسميه جادامر بـ"الأفق التاريخي".
وقد نحت هانز روبرت ياوس مصطلح "أفق التوقع" الذي يصنع نوعًا من التكامل بين ما هو تاريخي وما هو جمالي، ومصطلح ياوس هو نوع من التوافق مع مصطلح جادامر "أفق"، ويتصل بالفكرة المثيرة للجدل عند جادامر والمتعلقة بفكرة التحيز المسبق، حيث يذوب الحد الفاصل بين أفق الماضي وأفق الحاضر.
وكانت فكرة "أفق التوقع" قد ظهرت عند مؤرخ الفن جمبريتش في كتابه "الفن والإلهام" متأثرًا فيها بأفكار الفيلسوف كارل بوبر، لكن جمبريتش كان بعيدًا بكثير عما اشتغل عليه ياوس ورفاقه.
وإذا حاولنا تقريب اقتراحات ياوس فيما يخص هذا المصطلح في مجال نقد المرئيات السينمائية، فسيكون لدينا ثلاثة أبعاد لمقاربة "أفق التوقع" الخاص بالمشاهد؛ وهي: التوقعات المرتبطة بالفن السينمائي كفن يعتمد علي تتابع الصور، والتوقعات المتعلقة بتراث وتاريخ مبدعي الفيلم السينمائي، وأخيرًا التوقعات المتعلقة بعلاقة الفيلم السينمائي باللحظة التاريخية أو السياق الزمني المنتج فيه الفيلم.
ولم تتوقف مقولات منظري التلقي ونقد الإستجابة عند هذه الحدود والمقترحات الأولية، فقد جاء الجيل الثاني منهم (مثل: كارلهاينز ستيرل) ليدرس المنحني الشكلي في عملية التلقي، أو التلقي البرجماتي للفنون. لقد خضعت نظرية التلقي في السبعينيات لتحولات كبرى أكثر أهمية مما عرضنا له في السطور السابقة، فقد برزت بها الجماليات النفيية التي استدعت بعض مقولات الشكلانيين.

التعليقات