الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

حفريات في المادة المسرحية الخام

يقدم الكاتب والناقد المسرحي (عبد الغني داود) دراسة مدققة في المسرح باعتباره ظاهرة تعتمد علي عدد من المواد الخام تتخفى وتتبدى أحياناً، ويحتاج البحث فيها إلي التعامل مع تراكماتها التي تولد أشكالاً وصوراً تحتل السطح دون أن تكشف عن روعة ما يستتر منها، والتنقيب عن المواد الخام المسرحية هو فعل يعتمد علي رصد عدد من "الحفريات" سبق بعضهم (عبد الغني داود) فيها، إلا أنهم التزموا بالتنقيب عن طبقة أو شكل واحد من أشكال المادة المسرحية، في حين كانت دراسة (عبد الغني داود) تسعي لأن تبسط نوعاً من الشمولية في عملية التنقيب، فلم يكتفي بالكشف عن طبقة واحدة من طبقات المواد والأشكال المسرحية المتراكمة، بل عمد إلي تدعيم دراسته النظرية/التنقيبية بأخرى تطبيقية تتسع زمنياً ومكانياً، كأنها نوع من الاستعراض أو العرض البانورامي لتجليات تراكم المواد المسرحية الخام، فيتناول عدد من العروض المسرحية المصرية والعربية بالتحليل، والتي تعتمد بدورها علي عدد من النصوص التي تنتمي إلي عدد من الكتاب العرب والمصريين الذين ينتمون إلي عدد غير قليل من البلدان والأجيال، كما أنها ـ أي العروض ـ تمتد زمنياً لشمل علي العقدين الأخيرين من القرن العشرين.
كتاب "حفريات في المادة المسرحية الخام" لـ (عبد الغني داود) صدر عن سلسلة إبداعات التفرغ بالمجلس الأعلى للثقافة في نهاية شهر فبراير 2011م، وهو يحمل تاريخ طباعة بسنة 2010، وقد خطه المؤلف في بدايات القرن الحالي منذ عشر سنوات تقريباً.
في "حفريات في المادة المسرحية الخام" يتناول (عبد الغني داود) المسرح باعتباره ظاهرة تجلت مادتها الأولية عند الإنسان الأول في هيئة عادات وطقوس وتقاليد، وكانت هذه المادة الأولية للمسرح مادة غامضة بالنسبة لنا في العصر الحديث، وقد تراكمت فوقها طبقات كثيفة من الأشكال المسرحية التي استحدثها إنسان بعد آخر حتى بات التعرف علي هذه المادة الخامة في حاجة إلي عمليات تنقيب وحفريات علمية من أجل الوصول لها ولحقيقتها.
فمن الساحر الذي يعتبر الممثل الأول في أول صور الدراما القديمة حيث كانت الدراما تعتمد علي وحدة الإنسان والطبيعة ووحدة المشهد والممثل، إلي المسرح الفرعوني الذي تبرزه عدد من النقوش علي واجهات المعابد، حيث كانت المسرحيات التي يقدمها الفنان المصري القديم؛ والتي لا تنتمي للمسرح الديني إذ تخلو من الشعائر الدينية ويقوم بها ممثلون من عامة الشعب المصري؛ والتي تعتمد علي نصوص مثل: "إيزيس والعقارب السبعة"، و"مولد حورس"، "حورس في أبو صير" وهو النص المكتوب شعراً ويتناول عادة الانتقام للنفس واستيفاء القصاص.
وتمتد رحلة المادة المسرحية الخام وتتراكم طبقات الأشكال والصور، حتى نصل إلي المسرح الغربي المعتمد علي المأساة اليونانية التي تقدم الإنسان في مواجهة الكون بعد أن كانت الدرامات الأولي للإنسان الأول تقدم الإنسان في وحدة مع الطبيعة. وهذا ما يؤكد عليه (عبد الغني داود) حيث يقرر أن فنون المحاكاة غريزية لا يستطيع أحد أن يحكم علي ثقافة ما أنها تخلو منها، وأن الشكل الغربي للمسرحية يناسب الحضارة الغربية دون أن يكون شرطاً جوهرياً في وجود الظاهرة المسرحية.
ويقدم (عبد الغني داود) بحثاً في تاريخ المسرح العربي الحديث مركزاً علي الفترة التي تلت سنة 1967م إلي نهاية القرن العشرين ـ تقريباً؛ مؤكداً علي أن بحثه هذا ـ عن سمات المسرح العربي ـ تسعي للبعد عن الغوغائية الفلكلورية وكذلك الزخرفية أو حتى محاولات الترميم ورش الأصباغ، إذ أنه بحث يستفيد من ثوابت وتجليات تعدد الثقافات، ويستفيد من الحس التاريخي والتراث دون أن يكون منغلقاً علي الماضي.
وفي بحثه عن المسرح العربي وأشكاله، يبدأ (عبد الغني داود) من (التجريب في المسرح العربي) وهي بداية قد لا يتفق معه البعض فيها، إذ أنها تهب نقطة غير مستقرة مركزاً للبدء في البحث عما يُظن أنه راسخ في هيئة مواد خام. ويبرر (عبد الغني داود) مشروعية البدء في البحث من التجريب؛ بمفهومه عن المسرح؛ بأنه حوار دائم مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تتغير وتتحول باستمرار. وكذلك يبرر بأن المسرح في العالم العربي بدأ ونما في ظل الجدل بين القيمة الخاصة بتراثه وتلك القيم التي وصلته عن طريق المستثمرين والغزاة المستشرقين والمغامرين، كما يعلن عن تصوره الخاص بالهوية المسرحية العربية بقوله: "من هنا أتصور أن هويتنا المسرحية يجب أن لا تكون عودة إلي ماض مثالي، أو حنين وبحث حميم يحفران في جذورنا المفقودة فقط، وإنما يجب أن تكون توكيداً ملجاً وجارفاً لقيم وأفكار تفسر السيادة والاستقلال الوطني الموضوعي الذي يكون بالضرورة حيوياً ومتحركاً ومتعدد الأوجه، ويتطلب هذا التوكيد للذات تحرراً ثورياً، وصنع مجتمع أكثر عدلاً متحرر من الاستغلال والتبعية المسرحية".
ثم ينتقل (عبد الغني داود) في تنقيبه في المسرح العربي وهويته إلي طبقة/شكل الاحتفالية، وهي تمثل ما يشبه التيار المسرحي في المسرح العربي منذ 1975م عبر جماعة المسرح الاحتفالي وبياناتهم، فهم يمثلون تياراً مسرحياً يعتمد علي مجموعة من الضوابط الفنية المخزونة في الذاكرة الجماعية للإنسان العربي وتوظيف عدد من جماليات التعبير الشعبي سمعياً وبصرياً لتقريب الخطاب المسرحي من الإنسان العربي البسيط. ثم ينتقل إلي تناول الظواهر/الطبقات المسرحية التي تعتمد علي الفعل المسرحي وخلق الحالة المسرحية، ثم يتناول الأشكال/الطبقات التي تمزج بين الفنون الإبداعية وفنون الفرجة مثل رواة السير وخيال الظل، ثم الطبقات/الأشكال الأدبية المكتوبة مثل ألف ليلة وليلة والمقامات.

التعليقات