الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الضعفاء دراسة عميقة فى الأنتحار

الكاتب : محمود عدلى

من منا لم يفكر فى الانتحار ؟؟؟!!!
من منا أراد أن ينهى حياته بطريقة درامية ؟؟؟!!!
من منا لم يفكر ان يضع باﻻنتحار حداً لمعاناته ؟ ؟؟؟!!!

لعل من أكثر الظواهر التى تلفت الانتباه فى عصرنا الحالى هى كثرة أنتشار الانتحار ,
و لكن .... لماذا .. لماذا يقدم الانسان على أنهاء حياته هكذا ؟؟؟!!!

يعتقد البعض أن فى الانتحار نهاية من المأساة التى يعيشها يومياً و هذا بسبب ضعف الوازع الدينى و العقلى عندهم و لهذا يكثر الانتحار جداً فى أوساط الملحدين لأنهم يظنون أن الموت هو النهاية , نهاية الدراما الانسانية و الحقيقة أنهم واهمون لان الموت ما هو الا بداية لحياة أبدية .
و الدليل قوله تعالى :
"يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي " 24 الفجر
و كأن الله عزوجل يريد أن يخبر الانسان أن الحياة الحقيقة هى حياة الاخرة و ليست تلك الحياة .

المدخل الانثروبولوجي للأنتحار :

أختلفت نظرة البشرية فى الانتحار , فالانتحار قديم بقدم البشرية نفسها و لذلك لا يستطيع الباحثون معرفة , متى عرفت البشرية الانتحار ؟؟؟!!!!
لأنه ما من أمة أو حضارة أو مجتمع الا و تواجدت فيه ظاهرة الانتحار , لكن أختلفت نظرة كل حضارة و أمة عن الأخرى فمنهم من رأى الانتحار شيئاً عاراً و منهم من رأى الانتحار شيئاً حسناً بل و مستحب, فمثلاً فى اليابان يعد الانتحار شرفاً و عزاً و أنفة , فعندما يفشل الشخص اليابانى و يخفق فى تحقيق المهمة المسندة اليه مباشرة ينتحر و ينتحرون على طريقة " هارا كيرى Hara-Kiri " و هى تعنى " جرح فى البطن " وهذه من تقاليد الساموراى لأنهم لا يحبون الفشل و الاخفاق و يرون ان الموت أهون من أن يفشل الواحد منهم , بالطبع أندثرت هذه العادة حالياً لكن الحقيقة لا تزال موجودة عند بعض القبائل اليابانية , وأخر من فعلها من المعاصرون و المشاهير اليابانيين الكاتب و الاديب و الروائى و الشاعر اليابانى المشهور " يوكيو ميشيما Yukio Mishima " ففى عام 1970 م أنتحر على طريقة الساموراى " هارا كيرى Hara-Kiri " لأعتراضه على غربنة اليابان و ايصال رسالة للشعب اليابانى مفادها :
عودوا الى هويتكم .

أما فى بعض القبائل البدائية فكان الدائن ان لم يستطع استرداد الدين من مدينه فانه ينتحر أمام بيته مباشرة ليحمله المسئولية أمام المجتمع .

اما فى الحضارة الاغريقية فكان يرون ان المرض الميئوس من علاجه مبرراً للانتحار وهو ما يعرف الان بـــــ " اليوثانيجيا (Euthanasia) " أو ما يسمّى بالقتل الرحيم وهى تعني رغبة المريض بقتل نفسه بالسم القاتل سريع المفعول بأشراف طبيبه .

حتى أتى أول الفلاسفة طاليس و من بعده أرسطو و أعتبروا أن الانتحار جريمة فى حق المجتمع و الدولة .
أما سقراط فرأى ان الانتحار أفضل من قتل الجلاد لذلك عندما تمت محاكمته أنتحر بكأس من سم الشوكران بنفس راضية .
و أنتحر أيضاًَ الفيلسوف الكلبى الساخر " ديوجين " و كان يرى الانتحار قوة و شجاعة .

بعض القبائل البدائية كانت تنتحر بطريقة غريبة جداً يذهبون جميعاً الى مكان ما و لا يأكلون و لا يشربون و يموتون واحداً تلو الاخر و قد سمى هذا علماء الانثروبولوجيا " الانتحار السلبى "

أما العرب كان عندهم الانتحار قليل جداً فى الجاهلية و أتى الاسلام ليجتثه من جذوره , و كانت العرب لديهم أسلوبان فقط فى الانتحار :
1- الاعتفات .
2- التسمم الكحولى .

1- الاعتفات :
عندما كانت تمر بالعربى شدة أو يثقله الدين أو مجاعة أو قحط , فيأبى أن يمد يده الى المجتمع و يتعفف عن ذلك و يرى الموت أهون من أن يمد يده الى أحد , فيقوم الى داره و يجمع أهله جميعاً ثم يبنى داراً و هم فى وسطه هذا الدار بلا باب و لا شباك و لا أى مخرج فيظلوا هكذا حتى يموتوا عن بكرة أبيهم .

2- التسمم الكحولى :
و هو أن يظل العربى يشرب الخمر فقط دون أن يأكل أو يشرب و يظل على هذا الحال حتى يصاب بالسل و التسمم الكحولى و يموت بعدها .

موقف اليهودية من الانتحار لا يوجد الصراحة شئ عن الانتحار فى اليهودية على حد ما أعلم و قد يرجع ذلك لحرصهم الشديد على الحياة فقد قال الله عزوجل فيهم :
" وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى? حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ? يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ? وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ " 96 البقرة
و تأمل كلمة " حياة " جاءت نكرة للدلاله على أنهم يرضون بأى حياة مهما كانت ذليلة أو مؤلمة أو لا تطاق أو عزيزة حتى أى حياة فالنكرة للتعميم .

أما موقف المسيحية من الانتحار فلا يوجد أى دليل ملموس وواضح لكن الحقيقة أتى القديس" سانت أوجستين St. Augustine " ليجرم و يحرم هذا الفعل .
و قد منعت الكنيسة فى العصور الوسطى أى محاولة لدراسة هذه الظاهرة و أعتبرت أن محاولة دراستها و تحليلها مسوغاً و مبرراً للأنتحار فأغلقت هذا الباب كلياً و نهائياً .

أما موقف الاسلام فكان اشد وضوحا ً و صراحة , و كان النكير و الوعيد على من فعل ذلك شديد جداً و هذا ثابت قرآن و سنة .
أما فى القرآن العظيم فقد قال تعالى :
" وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) " النساء
و تأمل كلمة " ناراً " جاءت نكرة لهول و شدة هذه النار .

اما السنة النبوية فما رَوَاه البخاريُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ: " مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ".

المدخل السيكولوجى للانتحار :

و لنبدأ بالتحليل النفسى للعالم النفسى الكبير " سيجموند فرويد Sigmund Freud " فيرى أن كل نفس بشرية فيها قوتان :
1- قوة الحياة و البقاء و الاعمار و الانشاء .
2- قوة الموت و الفناء و الهدم و التدمير .

و الانسان فى حالته الطبيعية يكون فى حالة من التوازن بين القوتين و قد تنشأ فى الانسان قوة عدوانية و شريرة زائدة , فاذا فشل فى التنفيس عنها و أخراجها الى الخارج فأنها ترتد الى الداخل فى صورة الانتحار .
و على هذا فان سيجموند فرويد رأى أن الانسان قد لا يرغب بقتل ذاته مباشرة أنما يقتل ذاته لأنه يرى شخص ما فيها سواء كان هذا الشخص محبوباً أو مكروهاً .

فقد يكون المنتحر أنتحر من أجل شخصاً محبوباً جداً الى قلبه و ذلك لتأنيبه و أن يشعره بالذنب أو أنه لا يحب أن يراه فى وضع سيئ و هذا من فرط حبه له .
و قد يكون هذا الشخص مكروهاً فيكون المنتحر أنتحر نكاية فيه و رغبة فى الانتقام منه .

و بعض علماء النفس رأى أن للمنتحر ميول سادية و ماسوشية أو مازوخية , و لمن لا يعلم فالسادية :
هى ان يتلذذ الانسان بتعذيب الاخرين .
فتجد المنتحر يقبل على الانتحار حتى يفجع قلب من يحبوه أو أن يتهم فى موته شخص برئ .

أما الماسوشية او المازوخية :
هى أن يتلذذ الانسان بتعذيب نفسه أو تعذيب الاخرين له .
و يتضح هذا جلياً حينما نجد المنتحر يقبل على الانتحار بلا ادنى خوف أو رهبة و تهون عليه نفسه .

أما العالم النفس الكبير " كارل مننجر karl Meninger " دمج كل هذه العناصر و حلل الانتحار الى ثلاث عناصر :
1- رغبة المنتحر فى قتل غيره . " سادية "
2- رغبة المنتحر فى قتل نفسه . " الماسوشية أو المازوخية "
3- رغبة المنتحر فى الموت و الفناء و الانتهاء . " نظرية فرويد "

و قال بعض العلماء ان الانتحار هو بسبب الشعور بالضعف الجسدى أو الضعف الجنسى أو كلاهما معاً و عندما يجتمع الشعوران تكون نهاية الانسان الانتحار .

ووصف بعضهم الانتحار على أنه بسبب عدم أستطاعة تكيف المنتحر مع البيئة , فلذلك يلجأ الى الانتحار لشعوره بعدم الانتماء الى البيئة .

و قد لاحظ علماء النفس أن نسبة الانتحار تزيد و تكثر جداً فى المكتئبين و المصابون بالشيزوفيرنيا " الانفصام الشخصى " , و خصوصاً فى أوساط المكتبئين تنتشر ظاهرة الانتحار أكثر بكثير من المصابون بالشيزو فيرنيا .

و الحقيقة أن مداخل علم النفس فى الانتحار متعددة جداً و متشعبة و غير محددة على وجه معين و لذلك قال بعض علماء النفس :
لو أنتحر أثنى عشر شخصاً لخرجنا بأثنى عشر تحليلاً و تفسيراً .

يتبع ..........

بقلم ,
محمود عدلى .

التعليقات